}
عروض

"زجاج مطحون": حين تصبح الفانتازيا واقعية أكثر من الواقع

راسم المدهون

1 أكتوبر 2025


مع الكم الكبير الذي أنتجته سنوات الثورة والحرب الدامية في سورية، وتنوع الأساليب والأجواء والمناخات التي زج فيها الروائيون السوريون (والفلسطينيون السوريون) أبطالهم المتخيلين فيها بتنوعها بين ساحات التظاهر وما فيها من قمع دموي مباشر وبين عالم المعتقلات والسجون والتغييب القسري وساحات القتال وما شهدته من معارك ضارية وخسائر بشرية وعمرانية هائلة، تظل لتلك الحكايا التي تتناول الأفراد ومصائرهم الاستثنائية علامات فارقة تمنح رواياتها وهجًا خاصًا يستحق الإشارة لفرادته ولِما يكتنزه هذا الأدب بالذات من قيم كبرى لا تتناسب إلا مع العذابات الكبرى لأولئك الرجال والنساء الاستثنائيين بفكرهم وآرائهم وأيضًا بمصائرهم.
الكاتب السوري إسلام أبو شكير يختار عالمًا آخر مختلفًا بل ويختار له أسلوبًا لم تذهب إليه رواية أخرى من روايات الثورة والحرب السورية. أبو شكير يذهب مباشرة إلى الفانتازيا ليبني بخيوطها وظلالها عالم روايته "زجاج مطحون" (منشورات المتوسط، ميلانو، 2016) بل إن تلك الفانتازيا تختار بدورها اللامعقول كشكل يمتلك ملامح الواقع ومفرداته، ولكنه يصنع منها ديكورًا خياليًا يعيد صياغة العوالم اليومية والأفراد والوقائع على نحو تحكمه الغرابة الجامحة نحو نوع من خلق آخر يزج أفراده في أقصى ابتعادهم عن المألوف والمنطقي إذ هو يؤلف منطقه الخاص والاستثنائي وينجح في جعلنا نصدقه ونراه هو المنطق الصائب. هنا بالذات أعتقد أن "الضربة الكبرى" للرواية هي في استعارتها للامعقول باعتباره الإطار "المسرحي" المناسب لعالم سورية خلال العقود الماضية.
في "زجاج مطحون" نحن إزاء إنسان سوري فرد توزعه الفانتازيا إلى "نسخ متعددة" تمثل كل نسخة منها جيلًا من الأجيال السورية (هي في الحقيقة أجيال البطل الفرد ذاته) فيحار أفراد تلك النسخ البشرية في بعضهم البعض ويختارون لأنفسهم أسماء تنتسب إلى أعمارهم فهذا العشريني وذاك الثلاثيني وهكذا. هي لعبة فانتازية تستدرج فانتازيا المكان ذاته الذي يجدون أنفسهم داخله محاصرين ولكنه أيضًا بلا أبواب أو نوافذ تصلهم بالعالم الخارجي وما يدور فيه من صراعات وحتى من حروب دامية. في ذلك "السجن" المتخيل تبدو الذاكرة الجمعية لنسخ ذلك الرجل الواحد "مغسولة" من ذاكرتها إذ هي تعيش أيضًا فراغها الفانتازي وتتابع لعبة توالي الأيام وليس فيها سوى الترقب لمغزى تفاصيل يومية يعيشونها ولا يجدون لها تفسيرًا منطقيًا أو حتى قريبًا من المنطق. هو عالم لا يستطيع حتى الموت أن يكون نوعًا من الشواهد الإنسانية التي يمكن أن تعينهم على التفسير أو محاولة الفهم حيث الميت تختفي جثته التي كانت لأيام قليلة تعيش معهم ويتجادلون في مصيرها وكيفية التمكن من دفنها وأين وبأية طريقة ممكنة.
الموت في "زجاج مطحون" هو أيضًا غامض لا كمعنى وتفسير وحسب ولكن أيضًا كمصير ينتسب للصدفة أكثر من انتسابه إلى ظروف أو وقائع مفهومة أو قابلة للتفسير. كثير من تفاصيل "الأحداث" في هذه الرواية تعيد تذكيري بأحد عناوين الراحل الكبير محمد الماغوط الذي أجده عنوانًا مناسبًا للرواية ذاتها وأعني "غرفة بملايين الجدران"، فذلك المعتقل الغامض لذلك الفرد السوري – المتعدد هو بمعنى أدبي وفني معتقل سورية ذاتها التي عاشت عقودًا طويلة خارج المكان والزمان الإنساني معزولة عن الحضارة البشرية وعن شعوب الأرض كلها متفردة في ظل قانون الطاغية الوحيد الذي يهب ويمنع، يقمع ويأخذ قراره بالإفراج عن هذا أو ذاك ولكنه في الحالات كلها يعيد "صياغة" البلاد وأهلها على هدي "كاتالوغه" الخاص المصبوغ بالدم والعذاب.

ستأتي "أحداث كبرى" وستجد تلك النسخ المتعددة لذلك الرجل ذي الحظ السيء لحظة تغيير كبرى تفتح له باب رؤية كل شيء وقد انتهى، هكذا من دون أن يعثر على تفسير ما يساعده على فهم ما جرى خلال كل تلك السنين العجاف من العيش في عذاب فردي وتغييب قسري يطفح بالإثارة بدون إفصاح بل لعله توغل إلى أعلى درجات الصمت في بلاد جرى طويلًا تسميتها "مملكة الصمت" من دون أن يجافي هذا الاسم الحقيقة، فكثير من قصص القتل في المعتقلات أو حتى في الشوارع والطرق وأماكن العمل والمدارس كانت أقرب للصدفة، حيث كان القتلة يختارون ضحاياهم وفق "صدفة" يحكمها ويقررها مزاجهم الفردي الذي يجعل هذا يقتل وذاك ينجو أي بصدفتين متعاكستين.
هي رواية محمومة تمتلك مفردات تشير كلها إلى الرعب الشامل، ولكنها تشير إليه بلغة صامتة، غامضة، ولا تشبه اللغات، بل هي في بعض سطور الرواية وحكايتها تختفي حتى من شفاه "أبطال الرواية" المتعددين الذين يشيرون إلى واحد. هنا بالذات تبدو هذه البنائية الروائية هي أهم ما فيها. أعتقد أن إسلام أبو شكير قبض من خلال هذه البنائية على فكرة خلق فانتازيا تكون بديلًا حيويًا ومقنعًا لعالم هو أصلًا لا يشبه سوى اللامعقول بمن فيه من أفراد وبما يجري في شوارعه وبيوته ومراكزه من جرائم، ومن غرائب تحبس الأنفاس وترسم صورًا لا إنسانية للبشر الحقيقيين الذين اختصرهم ذلك البطل الروائي في تعدّده المثير، وروى باسمهم وباسمه حكايتهم وحكايات بلادهم في زمان الثورة والحرب، حتى من دون الحديث عن الثورة والحرب بل ومن دون الحديث عن "غول المرحلة" وبطلها الدميم والمتوحش وأعني المعتقلات أو المسالخ البشرية التي أصبحت اليوم مكشوفة أمام شعوب الأرض كلها.
هي رواية سورية أخرى من روايات الثورة والحرب، ولكنها رواية متفردة لها خصوصيتها، ولها جموحها الجميل نحو التأثير بقوة وجمالية وحتى بحرفية روائية عالية تجعلنا نشير إلى وحدتها الدرامية ونجاحها في بناء مسرح تتولى فيه المخيلة دور البطولة، ولكن لا لتخترع الألم والعذاب، وإنما لتعيد زجهما في جحيم الحرب الرهيبة وأتون ملحمة السوريين الكبرى على مدى عقد ونصف العقد من سنين طفحت بالموت بأشكال لا تُحصى وكَتب فيها معذبو الأرض شهاداتهم الكبرى عن الويل والثبور وعن الأجيال المذبوحة والتغريبة في بقاع الأرض بعيدًا عن الأرض الأولى التي ظلت نقطة ضوء تلوح لهم من بعيد.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.