لنُحاوِل صياغة السؤال بشكل آخر: ماذا لو وصل أوديسيوس إلى إيثاكا، من دون مواجهة أخطار، ولو أصبحت كل الحكايات تحقيقًا للأحلام السعيدة، لو لم يفقد جلجامش نبتة الخلود وصديقه أنكيدو معًا، لو بقي آدم وحواء في الجنة؟ ما هو السرّ الذي يجعل كائنات الحبر أكثر خطورة فيلاحقها الحكام والطغاة ويغتالون مؤلفيها؟
وهل تساعدنا القصص على فهم الواقع أم فقدانه؟
ألم يفقد دون كيخوت عقله والحدود الفاصلة بين الوهم والواقع، بدأ الأمر بحكاية لكنه تجاوز ذات يوم حدود الخيال، حين خرج حاملًا سيفًا خشبيًا لتغيير العالم. فهل نفهم من ذلك أن قراءة القصص تفسد المهارة الاجتماعية؟
هذه الأسئلة وغيرها يطرحها الكاتب والمؤلف الأميركي جوناثان غوتشل (*) في كتابه "الحيوان الحكّاء" إذ يفكك وعلى امتداد الكتاب "سحر الحكاية، أُحجيَة القصّ، ما أجمل الجحيم، حكايا الليل، العقل حكّاء، مستقبل الحكاية"، قوّة الحكاية وعلاقتها بالعقل البشري ويعتمد على النتائج التي توصل إليها علم النفس وعلم تشريح الأعصاب، والأحلام، في محاولة لفهم علاقة الحكاية بالعقل البشري، انطلاقًا من مقولة ووردزورث "عليك أن تقتل كي تشرح"...
إذ تكشف الحياة البشرية بأبعادها الدينيّة والروحيّة والعقليّة على أهمية الحكاية، إذ أن "القصة للإنسان مثل الماء للسمك تحيط به، لكنّها غير محسوسة". فهي ترتبط بالخيال البشري القائم على الميل للتصديق وتنظيم الفوضى وملء الفجوات وتشترط كي ننغمر بسحرها "التعطيل الطوعي لأيّ شك"...
يبدأ الكتاب من الخيال الطفولي ومن "معقل الأطفال" ليكشف أن الأطفال الصغار هم كائنات قصصيّة، إذ يتحرك الخيال الطفولي ويحاكي عبر اللعب مشاكل الظرف الإنساني.
كما أنّ المواضيع التي تشكل ألعاب الأطفال والتي تأتي في صورة الخير والشر والولادة والممات، اللصّ والشرطي، تجعلها أكثر من مجرد لعب أو بتعبير فيفيان بالي "ليس هناك حديث أطفال، فالمستمع يغرق في أبحاث لفرضيات فلسفية، وإيجاز عملي لألغاز الحياة"، فالكثير من الحكايات مفعمة بالأحداث المؤلمة، وهم لا يحتاجون لابتكار قصة "لأنهم يملكون القدرة على التخيّل حتى إن لم يكن لديهم ما يكفي من الطعام" فهي تساعدهم على تعريف وجودهم.
يعتقد غوتشل مع مفكرين تطوريين آخرين أن "الحكاية ليست سوى حوادث سعيدة لبنية العقل العشوائيّة"، وبخلاف النظرية الهروبيّة التي ترى فيها وسيلة للتخفف من المشاكل الحياتية والواقعية فإننا ننجذب لمتعة القص، رغم الخطر والموت واليأس الذي يغلف الحكايات. فنحن نرغب أن نعيش "حياة بلا مشاكل، عائلة هانئة"، ولا نرغب بأن يسكن سفاحون بالقرب منّا، كما أنّنا لا نتمنى أن يُكسَر قلبنا في الحياة الواقعيّة لكننا نحب القصص التي تحتوي على قلوب مكسورة. هذه الهوة بين ما هو مرغوب به في الحياة "حياة هانئة"، وبين ما هو جذّاب في القصص "رحلة فاجعة"، تعطينا جزءًا من الجواب.
فالتأمل في القصص بدءًا من الحكايات الشعبيّة وحكايات الأطفال يُظهر أنها "تدور حول المتاعب" بل "إن الصراع، عنصر أساسي في القصّ، وفي الحياة"، فهو برأي جانيت باروي مرغوب "سواء كانت القصص هزليّة أو مأساويّة إذ أن الرابط بين أغلبها هو الأبطال الذين يواجهون المتاعب ويكافحون للتغلّب عليها"
في فصلٍ بعنوان "البطل يموت بدلًا منّا"، تظهر أهميّة المحاكاة، إذ اكتشف علماء الأعصاب في تسعينيّات القرن الماضي وعبر تجارب مطولة ودقيقة ما يمكن تسميته "عصبونات مرآوية"؛ تجعلنا نحسّ بما يُحسّ به آخر عندما نشاهد حدثًا أو فعلًا أو شعورًا. وفي هذه الحال تصبح الحالات الذهنية مُعدية، فنحن نتحسّس ألم الشخصيات ومعاناتها وإخفاقاتها ونتعلّم منها. إذ "نفهم ما يحدث في عقل شخص آخر، بمحاكاته على مستوى عصبي. حيث يستجيب الناس لأحداث الخيال بقدر ما يستجيبون لأحداث حقيقية بدون أن يتعرضوا لذات الألم". أو بتعبير جانيت باروي "فإن الأدب يقدم أحاسيس لا يتعيّن علينا دفع ثمنها".
كما أنه ينمي مهاراتنا، فهو يزودنا بمجموعة ذهنية من المعضلات التي قد نواجهها يومًا إلى جانب حلول لها وهي أشبه بمحاكاة مبالغ فيها للحياة. فحين نقرأ الأدب "تشتعل أذهاننا وتعمل موسّعة المسالك العصبية التي تنظّم استجاباتنا لتجارب الحياة الواقعية".
وفق هذا الفهم تصبح للأدب "وظيفة تطوريّة تجعل الأشخاص الذين يقرؤون الكثير من الأدب أكثر كفاءة ومهارة اجتماعية من الأشخاص الذين لا يقرؤونه، بخلاف الصورة النمطيّة التي ترى أنه يفسد المهارة الاجتماعيّة".
في الفصل المعنون "العقل حكّاء" يستمد غوتشل شواهده من قصص المرضى النفسيين، عبر مراقبة العقل الإنساني في محاولته لأن يصنع حكاية من الأشياء المتناثرة والمفتتة، وفي حياتنا اليومية فإن أذهاننا كما يبدو تصارع باستمرار "لاستخلاص المعنى من البيانات المتدفقة عبر الحواس".
لكن ثمة أمر مهم هنا، فنحن وفي سياق بحثنا عن المعنى قد نفرضه "فالعقل الحكاء حساس للارتياب والعشوائية والمصادفة، لأنه مدمن للمعنى، وإن لم يستطع العثور على أنماط ذات مغزى فسيحاول أن يفرضها"، صحيح أن العقل مصنع قصصنا الحقيقية لكن المخيب في الأمر أنه قد يختلق الأكاذيب.
يبدو هذا بوضوح في نظريات المؤامرة، وقصص الخيال، والأحلام الليليّة. والأخيرة نُظر إليها منذ القدم بكونها رسائل من عالم الأرواح، لكن تقوض هذا الفهم بحلول القرن العشرين مع النزعة الفرويديّة التي جعلت من الحلم تحقيقًا لرغبات مكبوتة ولا واعيّة؛ لكن الحلم وفق التصور الجديد يبدو أقرب إلى "محاولة من الذهن لسرد منتظم من مدخلات عشوائية" وهذا سرّ غرابة الأحلام.
وفي سياق مواز، يعتقد الكاتب ومصمم ألعاب الفيديو وليم جيمس بأن أدمغتنا "لا تتمتع بانجذاب طبيعي للاستمتاع بالسرديات والتعلم منها فحسب، بل تعمد لابتكارها أيضًا"، وهي تشكل الأحلام إلى جانب الفن والأدب القصصي "فرصة للتدرب على معالجة المعضلات الكبرى في الحياة البشرية".
يستند غوتشل إلى دراسات أوليفر ساكس في بحثه حول طريقة عمل الدماغ، وحبك القصص وهو ليس حصرًا على العقل المريض ونزلاء المصحّات، بل توصل إلى أن الأشخاص ذوي العقول السليمة "ينزعون بشكل مدهش للتخريف في أوضاع يومية".
فمن خلال مراقبة الأفراد الذين يعانون من اضطراب وظيفي في عقولهم، لوحظ أنهم يؤلفون قصصًا غريبة، ويخلقون عالمًا متفرّدًا نابعًا من عقل متميز. وهذا الخلل في كيمياء العقل يؤكد ليس على علاقتها بالعقل والأعصاب بل والتلاحم بين الجسد والروح.
كما أن الحكاية تشكل بنية السرد الديني، إذ أن كل الأديان تقوم على قصص لتوصل رسالتها الأخلاقية انطلاقًا من أنه "إذا أردت لرسالة أن ترسخ في العقل البشري فصِغها في قصة"...
يمتد هذا إلى الأساطير الوطنية، فلكل وطن حكاية وأبطال، ورغم أنها قد لا تتطابق مع الواقع في جزء كبير أحيانًا، إلا أنها وحين تسرد كقصة ستجمع حولها الضمير الكلي "حيث الهدف هنا: سرد قصة توحد أفراد المجتمع معًا، لأخذ الكثرة وجعلها واحدًا"، وبهذا يمكن فهم كيف تتشكل سرديات الشعوب والأمم وكيف "يعمل تدمير سرديّة وطنيّة أو دفنها على تدمير ما يجمع الناس".
في الفصل المعنون "تخيّل ما لا يُتخيّل" نتعرف إلى جانب يميز بعض الحكائين والذين يمطروننا أحيانًا بقصص غير أخلاقية، "جوستين، 120 يومًا في سدوم، الماركيز دي ساد، الجريمة والعقاب - دوستويفسكي، لوليتا- نابوكوف، مدام بوفاري- غوستاف فلوبير"، فالقصة ورغم أنها تحتوي عنصرًا لا أخلاقيًّا لا تشجع عليه، إذ أننا نلمس لدى الإنسان نوعًا من المقاومة الخياليّة "إذ لن نوافق إن قال لنا أحدهم أن السيّء جيد وأن الجيد سيّء".
وهذا يعني أن أفلاطون لم يكن مُحقًّا حين طرد الشعراء بحجة لا أخلاقيّتهم؛ "لأنّ الأدب يضعنا دومًا في موضع الحكم على الأفعال الخاطئة"، ورغم أن كثيرًا من الأعمال تظهر وكأنها تتحدى الأخلاقيّات العامة لكن الأدب في جوهره "أخلاقيّ بعمق، وتحت كل ذكائه يميل إلى الوعظ وتكون مواعظه مقبولة" (**).
يعيد "الحيوان الحكّاء" تعريف الحكاية وأخلاقيتها وضرورتها للعقل الإنساني، رغم ما يظهر من نفور عن الرواية والقصة، وحلول بدائل أخرى، كالإعلانات التجارية، والعروض الهزليّة للمحترفين، وحتى أحلام اليقظة وأحلام الليل فنحن كما يبدو محاطون بالقصص. وللسرد دور كبير "في تشكيل معتقداتنا، وسلوكنا وأخلاقنا ببراعة فهو يستطيع أن يغير الطريقة التي نتخيل بها أنفسنا والعالم".
ربما نقرأ أقل لكن الحكاية لم تغادرنا، بل تسللّت إلى الشاشة التي نابت عن الورق، وهي تؤثر فينا، وسواء أتت عبر الكتب أم الأفلام وألعاب الأطفال فهي لا تغير من وجهة تحيّزاتنا فحسب بل وتتدخل في بناء منطقنا الأخلاقي إذ: "تعمل طوال الوقت مُعيدة صياغتنا بالطريقة التي يعيد بها الماء المتدفّق تشكيل الصخر".
*كاتبة سورية.
هوامش:
(*) جوناثان غوتشل (كاتب أميركي ومتخصص في دراسات الأدب والتطور): الحيوان الحكّاء: كيف تجعل منا الحكايات بشرًا، ترجمة بثينة الإبراهيم، منشورات دار تكوين، 2018.
(**) ليو تولستوي.


تحميل المقال التالي...