حملت المتغيرات الكبيرة التي طرأت على المشهد السياسي والاقتصادي والتقني في مختلف دول العالم، خلال السنوات الأخيرة، تغيّرات موازية عند الأفراد والمجتمعات ومنظوماتهم القيمية، طاولت حتى أنماط تديّنهم، إذ شهد التدين، والتصورات بشأن الدين، وموقعه في الحياة العامة، توسعًا ملحوظًا تجسد في اجتراح طرق جديدة للتفاعل مع الدين وقيمه، والتدين ومظاهره. واستدعت التطورات التقنية المتسارعة في عالم الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، ظهور ما بات يعرف بـ"التدين الرقمي"، الذي يتجسّد في تقديم دين السوق، أي تسليع وتسويق المحتوى الديني بحسب الطلب، وإخضاع تعاليم الدين لمقتضيات التسويق الدعائي وشركات الدعاية والإشهار والتوجيه. وبرز دعاة جدد يخاطبون فئات عمرية، أو جنسية محددة بدقة، مع تطوير خطاباتهم من حيث الأسلوب واللغة، والمواضيع، والإخراج الدعائي. وطرح التدين الرقمي إشكالية التفاعل الذاتي للمواطن الرقمي مع معطيات الرقمية التي تعمل على تمثل طرق جديدة لتعاطي الشباب مع المحتوى الديني والشعائر الدينية.
أصبح التدين الرقمي ملمحًا في حياة كثيرين، خاصة بين أوساط جيل الشباب، من "مؤثرين"، و"صانعي محتوى"، ولعبت الثورة الرقمية دورًا مركزيًا في تشكيل الحياة الدينية الرقمية، وأفضت إلى ظهور واسع النطاق للجموع الرقمية الغفيرة، التي كسرت احتكار الفاعلين الدينيين الفعليين للخطاب حول المقدس والسرديات التاريخية التفسيرية والتأويلية والإفتائية والدعوية باسم الدين والمذهب. وفي هذا السياق، يتناول نبيل عبد الفتاح في كتابه "التدين والثورة الرقمية: جدل الفعلي والرقمي في تشكيل الحالة الدينية" (دار رؤية للنشر، القاهرة، 2024)، التغيرات التي أصابت الجموع الغفيرة، ونقلتها من الواقع الفعلي إلى الحياة الرقمية، والجدل بين التدين الشعبي الفعلي والتدين الرقمي، وأشكال الخطابات واللغة والتعبير الديني في الحياة الرقمية، وأثر الرقمي على الحياة الدينية الفعلية في مواجهة المشكلات والجوائح والأزمات، وحالة الفكر والخطابات الدينية السياسية، أو العقائدية، أو الإفتائية السائدة، وسوى ذلك من القضايا ذات الصلة بالتدين الرقمي.
تدور مقالات الكتاب حول التركيز على تحليل الأثر العميق الذي خلفته الثورة الرقمية، وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، على أشكال التدين والسلوك الديني في المجتمعات العربية، وتبيان الاختلافات بين التدين الفعلي الممارس في الواقع والحياة اليومية، والتدين الرقمي المعبر عنه افتراضيًا على منصات ومواقع الإنترنت، والكيفية التي حوّلت الجموع الغفيرة في الواقع إلى جموع رقمية غفيرة، وكيفية تحول السوشيال ميديا إلى فضاء للكشف عن أنماط التدين الشعبوي والنزعات الدينية السائدة. وقد ظهر مع هذه التحولات فاعلون تقليديون تنهض سياسة الخطاب الديني لديهم عن الذيوع وبناء المكانة الرقمية والحصول على المال من الشركات الرقمية الكونية. وبات الجدل حول التدين محمولًا على انتشار العنف وثقافة الكراهية، وأضحى البحث عن التماسك الذاتي، والدفاع عن الهوية الدينية، يمثل معلمًا رئيسيًا.
يشير عبد الفتاح إلى أن الثورة الرقمية تسببت في ظهور أنماط من "التدين الاستعراضي" و"التدين الشكلاني" على الإنترنت، من خلال تركيز الأفراد على المظهر الديني والنشر الوعظي، من دون أن يجسد ذلك بالضرورة سلوكهم الفعلي، وهو ما يسميه بعضهم بـ"النفاق الإلكتروني". ثم يتطرق إلى علاقة التدين الرقمي بالديناميات السياسية والاجتماعية، حيث يتأثر التدين الرقمي بالطبيعة السياسية السائدة في المجتمع، مثل الشعبوية. كما يتناول تأثير الرقمنة على حركات الإسلام السياسي والسلفيات الجهادية. إضافة إلى "انتشار الآراء غير الدقيقة والأكاذيب السوداء" التي نُشرت باسم الدين، وأدّت إلى حالة من الفوضى المعرفية في المجال الديني. كما أن المنصات الرقمية أضعفت السلطة المطلقة التي تحوز عليها المؤسسات الدينية التقليدية، مثل الأزهر، أو المؤسسات الرسمية الأخرى، في احتكار إنتاج الخطاب الديني، وتفسير النصوص الدينية، حيث يشجع الفضاء الرقمي على "أن يكون الفرد مرجعًا لذاته" في المسائل الدينية، وهو تحول خطير يتطلب ثورة في الفكر الديني القائم على التحليل النقدي والتجديد الداخلي للنص الديني.
يتمثل التدين الرقمي في السرديات الرقمية الوجيزة التي تحملها المنشورات والتغريدات والصور والرسومات والفيديوهات، وغيرها من المواد والقصص الدينية، وتلك المتضمنة نصوصًا من الكتب المقدسة، أو السرديات الوضعية والتاريخية حولها، وحول الأنبياء والرسل واللاهوتيين الكبار، وكبار الصحابة، والتابعين وسواهم، أو تلك التي تنسب لبعض اللاهوتيين، والفقهاء الكبار، وغيرهم. كما يتجسد التدين الرقمي في خطابات العاديين الرقميين حول ديانتهم، ومذاهبهم، وتصوراتهم عن العقائد والأديان والألوهية والنبوات ورسالات الدين ومقاصده، وقواعده المعيارية والأخلاقية والسلوكية، أو خطابات رجال الدين المحترفين في المجال الديني الرقمي، ومعهم آراء مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وشبكاته الشائعة عن الأديان.
يمكن تقسيم التدين الرقمي إلى أنماط وفق الموضوعات السابقة، وغيرها، وهي أنماط بعضها جاء من التدين الشعبي السائد في الواقع الفعلي، وبعضها الآخر تشكل، ولا يزال يتشكل، وفق التصورات السائدة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.
يضاف إلى ما سبق أن التدين الرقمي يتضمن الظواهر الدينية الرقمية التي تدافع عن المقولات الدينية الشائعة في أوساط الجموع الرقمية الغفيرة حول الأديان، والطوائف والمذاهب. كما يشمل التدين الرقمي وأنماطه كل ما له علاقة بالأديان والمذاهب أيًا كانت، وتتشكل عبر الواقع الرقمي سردياته الرقمية. ويتضمن أيضًا الخطابات الدينية العنيفة والحادة والمتشددة للجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية، والسلفية المبثوثة على المواقع الرقمية.
أما ما يميز التدين الرقمي فهو الميل إلى الفردانية، حيث يتمتع كل فرد بالحرية في الوصول إلى شكل التدين المناسب له بصرف النظر عن الأشخاص المحيطين به وتجاربهم الدينية. وبهذا يفترق نمط التدين الرقمي عن الأطر الموجهة الجامدة، بالنظر إلى تفاعله مع الدين، واتخاذه صيغة الحوار التفاعلي التشاركي، بالابتعاد عن التلقين والتصنيف داخل أطر ثابتة، لذلك يبدو التدين الرقمي وكأنه أكثر مرونة وانفتاحًا من التدين التقليدي، كونه ينفتح على مختلف التفسيرات والآراء والفتاوى المختلفة، ويترك لكل فرد خيار الالتزام بالأقرب إلى قلبه. إضافة إلى أنه يبدو متجاوزًا المحلي، ويتأثر بأنماط تدين عابرة للحدود تتمثل في دعاة من مختلف مناطق العالم. وبالتالي، أثرت أنماط التدين الرقمي على الممارسات التقليدية للدين والطرق التقليدية للتواصل مع الدين وشعائره واستهلاكه ومشاركته والانخراط فيه، حيث حدث تحول في السلطة الدينية من جهة إعادة تشكيلها في الفضاء الرقمي، فلم تعد تحتكرها المؤسسات الدينية التقليدية، بل أصبحت موزعة بين المؤثرين، وتحكمها أبعاد مختلفة لا ترتبط بمدى المعرفة الدينية والشرعية والفقهية.
يرى عبد الفتاح أن الثورة الرقمية فائقة التطور أفضت إلى بروز ظواهر اجتماعية رقمية وسياسية وثقافية ودينية ارتبطت بانفتاح واسع المدى للمجال العام الرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعي المتعددة. إضافة إلى بروز ظاهرة الإدمان الرقمي، والسلوك العدواني الرقمي، واللغة العنيفة المتفجرة بالعدوانية، والتحريض على العنف الرمزي والمادي. كما نشأت حالة من الهوس الهذياني الرقمي تحاول أن تسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإعادة توظيف التدين الرقمي للجموع العادية الغفيرة لكي تغدو جزءًا من مجال السيطرة. كما نشأ مفهوم الإمام الرقمي بوصفه الشخص الديني المستخدم للفضاء الرقمي فقط لنشر التعاليم الدينية، وتقديم الفتاوى، والتفاعل مع الجمهور. ويمكن للإمام الرقمي الوصول إلى جمهور واسع، وتشييد علاقات شخصية مع المتابعين، سواء بالبثّ المباشر، أو عبر المنشورات التفاعلية. وبالتقابل مع الإمام الرقمي، ظهرت شخصية المؤثر الديني على الإنترنت، الذي بات يوجه خطابًا مشابهًا لخطاب الإمام الرقمي، ويمتلك تأثيرًا على قطاع واسع من جيل الشباب.
غير أن الخطير في الأمر هو أنه مع شيوع أنماط التدين الرقمي ظهرت ظاهرة محاكم التفتيش الدينية الرقمية، التي تحاكم ضمائر وعقائد الآخرين، حتى من المنتمين إلى الديانة ذاتها، أو المذهب ذاته. محاكم تقوم بإصدار الأحكام عليهم بالكفر، أو المروق عن الدين. وتمتد خطورتها إلى نشر ثقافة الكراهية تجاه الآخر الديني، والمذهبي المختلف. ويزداد الأمر خطورة بالنظر إلى أن الخطاب الرقمي يتجاوز المحلي، وينتشر في مساحات أبعد من حدود الدولة التي ينتمي لها، أو تعيش فيها الشخصية الرقمية المؤثرة صانعة المحتوى.


تحميل المقال التالي...