يُمثّل كتاب "خُطب طه حسين المجهولة"، الذي جمعه وقدّم له الروائي والباحث سامح الجباس، حدثًا ثقافيًا غير عابرٍ، فالبحث في تراث عميد الأدب العربي، طه حسين، لا يشبه أي بحث آخر؛ لأنه لا يُضيء مسيرة فردٍ فحسب، إنّما يُضيء تاريخ مؤسسة ثقافية متكاملة شكّلت وجدان أجيال، ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، كونه يُنقّب في منطقة شبه منسية من إرث العميد، ليُقدم للقارئ العربي نصوصًا تُنشر لأول مرة، كانت مفقودة أو منسية في طيّات المجلات القديمة والمحافل المنسية.
والكتاب، الصادر أخيرًا عن دار إشراقة في القاهرة، عشرين خطبة غير معروفة لطه حسين، جمعها وصنّفها الجباس في ثلاثة أقسام رئيسية، أولها يشتمل على الخطب التي ألقاها داخل مصر، فيما يرصد ثانيها الخطب التي ألقاها في عدد من الدول العربية، بينما يُخصّص القسم الثالث لردوده المكتوبة على قضايا فكرية وثقافية طرحتها مجلات وصحف عربية في خمسينيات القرن الماضي.
وتكمن خصوصية هذا العمل، أيضًا، في الجهد البحثي الهائل الذي بذله جامعه. يصف سامح الجباس مهمته بـ"المغامرة"، ويشبّه البحث عن خطبة أُلقيت عام 1928 (مثل خطبة رثاء عبد الخالق ثروت) في عام 2025 بـ"مهمة عالم الآثار الذي يبحث عن مقابر فرعونية مجهولة".
هذا الكتاب ليس مجرد تجميع، بل هو "إعادة حياة" لهذه النصوص، وتقديم "درس، كان مخفيًا، لكل محب للأدب والثقافة". يضيف الجباس أنه شعر بسعادة لإسهامه "بطابق صغير يضاف إلى ناطحة السحاب التي تسمى طه حسين". هذه الروح الشغوفة هي التي تمنح الكتاب قيمته الأولى، فهو عملٌ نابعٌ من حبٍّ وتقدير، وهدفه استكمال الصورة المتاحة لدينا عن "عميد الأدب العربي".
ولا تُقدم هذه الخطب طه حسين الأديب والناقد فحسب، بل تكشف عن جوانب أخرى أكثر تركيبًا وعمقًا.
يكشف الكتاب عن طه حسين "المُصلح اللغوي" الذي لا يخشى الصدام، ففي خطابه التاريخي الموجه إلى وزير المعارف العمومية عام 1938، يشنّ هجومًا صريحًا على مناهج تعليم اللغة العربية، بحيث ينتقد بحدّة تدريس النحو بنفس الطريقة التي كان يُعلّم بها في البصرة والكوفة في القرنين الثاني والثالث الهجري، ويرى أن هذا الجمود نجح في "تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب"، ولا يدعو فقط إلى تبسيط النحو، بل يذهب إلى ضرورة "إصلاح الكتابة العربية" نفسها، بجعلها "كاملة كالنطق"، أي بتصوير الحروف اللينة (الحركات)، ليُعصم القارئ من الخطأ ويجعلها متاحة للجميع لا للنخبة فقط، محذرًا من أن هذا الجمود هو "ما نعاني منه الآن"، وأن "الحياة الصحيحة للغة رهينة بحل هاتين المشكلتين".
ويُظهر خطاب "جناية العصر الحديث على الأديب" (1953)، طه حسين مهمومًا بوضع الكاتب في العالم الجديد، بحيث يرى أن حياة الأديب أصبحت "عسيرة شاقة" بسبب الاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي أعقبت الحربين العالميتين، مُشدّدًا على أن الأديب يُواجه خيارًا مريرًا، إما أن يكتب "للطائفة الضيقة المحدودة التي لا تغنيه من جوع"، أو أن "يهبط" إلى مستوى "الطبقة الواسعة" التي أتاح لها التعليم الإجباري القراءة ولكنها تبحث عن التسلية لا العناء الفكري.
ويشخص طه حسين "المحن الثلاث" التي تنافس الأدب، بالصحافة، والراديو، والسينما، فيما يتوسّع هذا الهمّ في محاضرته في العاصمة اللبنانية بيروت (1955)، متسائلًا: "لمن يكتب الأديب؟ للخاصة أم للعامة؟"، مؤكدًا على استقلالية الأدب، ورفضه أن يكون مجرد أداة في يد أيديولوجيا معينة، سواء أكانت سياسية أو اجتماعية.
وتُبرز الخطب طه حسين كشخصية فاعلة في قلب الأحداث السياسية، وليس منعزلًا في برج عاجي، ففي رثاء عبد الخالق ثروت (1928)، نجد أن خطبته لم تكن محض رثاء، إنّما كشف لعلاقة شخصية وسياسية عميقة، يُظهر فيها طه حسين وفاءه لرجل حماه في أزمة كتابه "في الشعر الجاهلي"، وكان له فضل في بقائه في بعثته، ويكشف عن صداقة متينة، وعن دور ثروت في دعم الجامعة.
أما في تكريم محمد مصدق (1951)، فنجد خطابًا ناريًا لطه حسين بصفته وزيرًا للمعارف، يمنح الدكتوراه الفخرية لزعيم إيران، فالخطاب بيان سياسي ضد الاستعمار، يربط بين نضال الشعب المصري والشعب الإيراني، ويشيد بمصدق لأنه قال "لا" لـ"القوة الضخمة" (في إشارة واضحة لبريطانيا كما يوضح المعقب)، ويؤكد على أن الجامعة لا تكرم المجد السياسي فقط بل المجد العلمي أيضًا.
وتُظهر خطبه في مجمع اللغة العربية دور العميد كقائد للمشهد الثقافي وكمؤرخ أدبي، ففي استقبال محمود تيمور (1949)، يستعرض تاريخ أسرة تيمور الأدبي العريق، لكنه يمنح محمود تيمور مكانته الخاصة باعتباره "فتح الباب" لفن القصص "على مذهبه الحديث"، بحيث يحلّل الخطاب بذكاء "الصراع" الذي عاشه تيمور بين العامية والفصحى، وكيف "انتصرت اللغة العربية عليه" في النهاية، بينما نجد أن خطبته في استقبال توفيق دياب (1954)، شديدة الحميمية والدفء، يسترجع فيها طه حسين ذكريات شبابهما "المتمرد"، وعملهما معًا في جريدة "السياسة"، ومعاركهما القضائية المشتركة ضد "الوفد" وسعد زغلول، ونراه يكشف عن جانب شخصي وذكريات حيّة لرجلين "كانا شبابًا يعرفان كيف ينهضان بالواجب".
جغرافيًا، نرى الكتاب يقسم الخطب إلى قسمين: في مصر وفي البلاد العربية، وهذا التقسيم يكشف عن اختلاف في طبيعة الخطاب.
خطب الداخل، يغلب عليها الطابع المؤسسي والرسمي، وهي خطب تُلقى بصفته عضوًا في مجمع اللغة (كاستقبال تيمور ودياب)، أو بصفته وزيرًا (كتكريم مصدق)، أو كخبير يقدم حلولًا عملية لمشكلات محلية (كخطابه لوزير المعارف عن النحو). إنها خطب العميد وهو يمارس دوره داخل مؤسسات الدولة الثقافية.
أما خطب الخارج، فيتحول طه حسين معها إلى "سفير الثقافة العربية"، بحيث يتخذ الخطاب بعدًا قوميًا عربيًا أوسع، ففي مكة (1955)، يتحدث كرئيس للجنة الثقافية للجامعة العربية، مؤكدًا على الروابط الأخوية، وفي بيروت (1955)، يتناول قضية "لمن يكتب الأديب؟" كقضية تهم الأدباء العرب جميعًا، وفي دمشق (1956)، يتحدث في المؤتمر الأول للمجامع اللغوية عن الأخطار التي تواجه "حياة اللغة العربية"، داعيًا إلى تضافر الجهود العربية.
وعليه، في الداخل، كان طه حسين هو "المُصلح" و"المدير"، أما في الخارج، فكان "المُمثل" و"الرمز" لوحدة الأدب واللغة العربية.
إن كتاب "خطب طه حسين المجهولة" يتجاوز كونه مجرد إضافة كميّة لمؤلفات العميد، لكونه يقدّم لنا طه حسين الإنسان، بوفائه لأصدقائه (ثروت ودياب)، وطه حسين السياسي، بصراحته في مواجهة الاستعمار (تكريم مصدق)، وطه حسين المُصلح، برؤيته الثاقبة لأزمة اللغة، وطه حسين القائد الثقافي، بقلقه على مصير الأدباء.
لقد نجح سامح الجباس في "مغامرته" هذه بعيدًا عن كونه روائيًا مبدعًا، وأعاد إلى المكتبة العربية كنزًا يُثري فهمنا ليس لطه حسين وحده، بل للمشهد الثقافي والسياسي العربي في عقود من القرن العشرين، بل في القرن الماضي بأسره.


تحميل المقال التالي...