}
عروض

في تواطؤ الغرب وصمته على إبادة غزّة

عماد فؤاد

23 نوفمبر 2025


في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد أيام قليلة من اندلاع طوفان الأقصى وبداية الحرب الإسرائيلية الوحشية ضدّ قطاع غزّة، أطلق الكاتب المصري الكندي عمر العقاد صرخة في شكل تغريدة قال فيها: "يومًا ما، حين يصبح الأمر آمنًا، حين لا تكون هناك عواقب شخصية لتسمية الأشياء بأسمائها، وحين يكون الأوان قد فات لمساءلة أحد، سيكون الجميع ضدّ هذا". تحوّلت هذه العبارة إلى عنوان كتابه غير الرّوائي الأوّل "ذات يوم، سيكون الجميع ضدّ هذا"، والذي يمثّل تجسيدًا حيًّا لانهيار العلاقة بين مثقف من العالم الجنوبي والغرب الذي آمن بقيمه ذات يوم.
يتّخذ الكتاب شكلًا أقرب إلى السيرة الذاتية الفكرية، التي يعلن الكاتب من خلالها انفصاله عاطفيًا وسياسيًا عن الغرب الليبرالي. يمزج العقاد في كتابه الجديد، وبوصفه أحد المؤمنين بالأسطورة الليبرالية الغربية عن الحرية والعدالة، بين السرد الذاتي الحميم والتحليل السياسي الحاد من ناحية، وبين الشهادة الأخلاقية على فظائع الحرب على غزة، والتواطؤ الغربي الذي سمح بحدوثها من ناحية أخرى، ليكتشف فجأة، وبقسوة غير مسبوقة، أنه يعيش على "الجانب الذي يطلق القنابل".
يفتتح عمر العقاد كتابه بمقدّمة يقول فيها: "هذا الكتاب ليس توثيقًا لتلك المجازر، بل تدوين لانهيار لحظة انفصالي الفكري والعقائدي عن الفكرة التي كانت تقول إن الليبرالي الغربي المهذّب كان يؤمن ذات يوم بشيء ما. فما حدث بالفعل، وما سيتسبّب فيه من دماء في المستقبل، سيبقى اللحظة التي أدرك فيها الملايين أن الغرب ما هو إلّا متواطئ مع المذبحة، ما دفع هؤلاء إلى رفع أصواتهم بالقول: لا أريد أن يكون لي أي علاقة بهذا".
يمثّل الكتاب من الناحية الأدبية نقلة مختلفة في مسار عمر العقاد (مواليد 1982)، الذي بدأ مشواره كصحافي، ثم انتقل إلى الفن الروائي، وأصدر روايتين: "الحرب الأميركية" عام 2017 (ترجمة مجدي عبد المجيد خاطر، دار روايات، 2018)، و"يا له من فردوس غريب" عام 2021 (ترجمة بثينة الإبراهيم، دار روايات 2023)، استخدمتا قناع الخيال والاستعارة لاستكشاف مواضيع مثل الحرب واللجوء والاستقطاب. أمّا في عمله الجديد "ذات يوم، سيكون الجميع ضدّ هذا"، فيخلع عمر العقاد كل الأقنعة، لنجد اللغة مباشرة، صريحة، ومُحكمة مثل ضربة سكين، لغة ترفض التلميح، وتلجأ مباشرة إلى التصريح، لأن الفظاعة التي يشهدها العالم لا تحتمل أي مواربة.
في روايته الأولى "الحرب الأميركية" (2017)، استخدم العقاد الخيال العلمي والرواية الديستوبية لإلقاء الضوء على حقائق الصراعات السياسية والعسكرية التي يشهدها عالمنا الراهن، عبر تصويره حربًا أهلية أميركية مستقبلية، مستفيدًا من خبراته الصحافية في استقصائه للنزاعات التي غطاها كمراسل، خاصة في أفغانستان، وخليج غوانتانامو، ومصر، والشرق الأوسط. رأى بعضهم حينها أن الرواية تشبه "قفازًا من حرير"، تلمّح إلى عنف الاحتلال والاستقطاب من خلال شخصية "سارات تشسترن"، التي تتحول من ضحية إلى جلاد. الخيال هنا كان وسيلة الكاتب لمقاربة ما يمكن أن يحدث ذات يوم بسبب التسابق الدولي في التسلح، ما سمح للقارئ الغربي بالتعامل مع موضوعات الاحتلال والتطرف من مسافة خيالية آمنة، في شكل سردي له طابع سياسي مُقنّع بالخيالي والمستقبلي.
أتبع العقاد روايته الأولى بعمل روائي ثان ظهر بعنوان "يا له من فردوس غريب" (2021)، حافظ فيه على البعد الاستعاري، لكن الرواية جاءت أكثر اقترابًا من الواقع، فمن خلال قصة اللاجئ السوري أمير، عاد العقاد إلى موضوع الهوية والانتماء، لكنه حافظ على مسافة فنية مرسومة بدقة، لتخرج لغته مليئة بالاستعارات الشاعرية، ساهمت في تحويل المأساة إلى لوحة فنية يمكن تأملها، صحيح أن السياسة حاضرة بقوة، لكنها منسوجة بحرفية داخل عالم الحكاية التي يرويها.




في عمله الجديد "ذات يوم، سيكون الجميع ضدّ هذا"، يتخلّى العقاد عن كل هذه الأقنعة بلا مواربة، لنجد أن التحول من الخيالي إلى السياسي المباشر كان تحوّلًا أيضًا من الاستعارة إلى الوثيقة، ومن السرد المحكم إلى الانفجار العاطفي المنضبط. لذلك لم تعد اللغة شاعرية، أو متخيلة؛ بل حادة، واضحة، ومُحكمة مثل تقرير قضائي، في لغة ترفض التورية، أو التشبيهات الشعرية، لأن الفظاعة التي تسجلها لا تحتمل أي التباس، وإذا كانت روايتاه السابقتان تسألان: "ماذا لو؟"، فإنه في كتابه الجديد يصرخ معنفًا: "هذا ما حدث".
يقول العقاد في حواره المطول مع صحيفة "ده ستاندارد" البلجيكية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي: "اعتدت أن أقول لنفسي إن الأحداث كانت معزولة عن الصورة الأكبر: فريدة من نوعها في الزمان والمكان والحالة". لكن هذه القدرة على الانفصال اختفت تمامًا في العامين الماضيين، حيث بدا تواطؤ الولايات المتحدة، بل وأوروبا أيضًا، واضحًا وجليًا في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل في غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.




التحول الأبرز في كتاب العقاد الجديد ليس في الأسلوب الأدبي الذي ينتهجه فحسب، بل في المواقف والعقد السردية التي يتوقف أمامها بالتحليل والتدقيق. كان العقاد ساردًا في أعماله الخيالية السابقة، يبتكر عوالمه الروائية بدأب، ويراقب شخصياته من مسافة فنية محسوبة. لكننا نجده هنا في قلب العاصفة. لقد تحول من المراقب إلى الشاهد، ومن الكاتب إلى المحامي والمدّعي في آن واحد. ليصبح الكتاب بمثابة اعتراف بالضلوع الشخصي وتحمل الذنب. لم يعد الضمير "هو"، أو "هي"، بل أصبح "أنا".
هذه النبرة الشخصية العميقة، وهذا الخزي والغضب الموجه داخليًا، هو ما يميز هذا العمل، ويجعله مختلفًا بشكل جذري في تأثيره العاطفي. هو الذي يقول: "أنا مسؤول جزئيًا، فقد التزمت الصمت لفترة طويلة جدًا، وكانت أموال ضرائبي تذهب مباشرة إلى القنابل والرصاص الذي يقتل الأطفال كل يوم. من المستحيل أن أعود إلى العالم الآمن المريح الذي عشت فيه من قبل، فعندما أتحدث عن فقداني للثقة الكاملة في الغرب، فأنا أقصد المؤسسات السياسية والصحافية والأكاديمية والثقافية. وعلى الرغم من عنوان كتابي، إلا أنني أعتقد أن معظم الناس "ضدّ" ما يحدث حتى اليوم في غزة. لأنني أرى الناس غاضبين من تلك الإبادة الوقحة في كل مكان أذهب إليه، لم أشعر بالإلهام أكثر مما أشعر به اليوم بفضل تضامن الناس وإصرارهم على رفع أصواتهم بقول الحقيقة، على الرغم من المعارضة التي يواجهونها، وأعتقد أننا كمواطنين أعطينا الموافقة لأسوأ من فينا لتولي زمام الأمور. لقد سمحنا لمؤسساتنا أن تتواطأ وتشارك في أفظع ما يمكن أن يفعله الإنسان".
يستخدم العقاد أسلوبًا سرديًا غير خطّي، يقفز بين ذكريات طفولته في مصر وقطر تحت رقابة صارمة، وبين مشاهد من حياته الحالية كأب في ضواحي بورتلاند الأميركية، وبين التقارير المروعة القادمة من غزة، والتي يراها صباحًا مساءً على شاشة هاتفه، في تناوب يظهر كتقنية أدبية تحاكي فوضى الوعي، والإحساس بالانفصام الذي يعيشه: فهو من ناحية يعمل في الصحافة الغربية التي تدّعي أنها حرة، ليفاجأ بأنه تحول إلى مموّل للقوة التي تقتل شعبه على الجانب الآخر من العالم.
يرفض العقاد أن يكون كتابه مجرد استنكار لأحداث غزة، رغم أن الفظائع المروعة هناك تشكل النواة العاطفية التي ينبني عليها الكتاب، وبدلًا من ذلك، يحول الكاتب غزة إلى عدسة مكبّرة يرى من خلالها أمراض الغرب الهيكلية، ليكتشف أن الدعم الغربي غير المشروط للحرب ليس انحرافًا، أو خطأ في الحساب، بل نتاج طبيعي لمنطق رأسمالي استعماري قائم على "الاستيلاء الذي لا يشبع"، على حدّ تعبيره.
يستولي هذا المنطق أولًا على الأرض والموارد، ثم على الأجساد، وأخيرًا على السردية ذاتها، ليخلص العقاد إلى قناعة مفادها: "أن الإمبراطوريات، بعد أن تنتهي من الفظائع، تتقن أداء الندم وتستولي على السردية، فتحوّل الحزن الحقيقي للضحايا إلى "ملكية خاصة" لها، تظهر في صورة اعتذارات شكلية، أو مذكرات جنود يحكون فيها عن "حزنهم" لقتلهم أناسًا من ذوي البشرة الداكنة، في عملية نهب مستمرة للذاكرة والمعاني الكامنة خلفها".




في هذا السياق، يصبح "الليبرالي المهذّب" هدفًا رئيسيًا لنقد العقاد اللاذع، إذ لا يوجّه سهامه فقط إلى المحافظين المتطرّفين، بل إلى أولئك الواقفين في معسكره المفترض، فيهاجم "الليبرالية المريحة" التي تعبّر عن التعاطف في الصالونات الأدبية، وعلى منصّات التواصل الاجتماعي، ولكنها تتراجع عندما يصبح الثمن ماديًا، أو اجتماعيًا، بالأحرى حين: "تهدّد وظيفتك، أو سمعتك، أو مكانتك". هذا التناقض بين الأداء والواقع، بين خطاب حقوق الإنسان والممارسة الفعلية للسلطة، هو ما يكشف عن "الانفصال"، أو "الكسر"، الذي يتحدّث عنه عمر العقاد، يأتي سخطه وغضبه على إدارة بايدن، على سبيل المثال، ليس فقط لأنها أسوأ من سابقتها في جوهرها، ولكن بسبب الهوة الساخرة بين خطابها "التقدّمي" ودعمها غير المحدود لحرب الإبادة، ما يجعل غضبه منها "أعظم"، لأنه غضب قائم على خيبة أمل، وليس نتاج عداوة مبيّتة.
ورغم كل ما جرى ويجري حتى اليوم من إبادة في غزة، يرفض العقاد أن يكون كتابه بيانًا للانهزامية، أو اليأس، يصرّ على أن كتابه: "مفعم بالأمل بشكل عميق"، ومصدر هذا الأمل ليس المؤسّسات الدولية، بل الأفراد والمجتمعات التي تظهر تضامنًا غير عادي في زمن الانهيار، يقول: "بفضل هذا الكتاب وحملات الترويج له في بريطانيا وكندا والولايات المتحدة بعد صدوره، كان لي شرف التعرف على أشخاص يقاومون مقاومة حقيقية، قابلت أشخاصًا ينتظرون حاليًا محاكمتهم لأنهم وقفوا ضد الإبادة الجماعية في غزة، وآخرين فقدوا أفرادًا من عائلاتهم، واستمروا في النضال رغم الدمار الذي لحق بحياتهم. هذا الكتاب، في أفضل حالاته، يقف في أقصى حدود تلك المقاومة، ومن دواعي خجلي الشديد أن أقول هذا، لكنني شخصيًا أشعر بتحسن لأنني قلت شيئًا ما على الأقل".
يرى الكاتب الشاب بصيص الضوء في الأطبّاء الذين يجرون عمليات جراحية في ساحات القتال، وعمّال الموانئ الأوروبية الذين يرفضون تحميل السفن الذاهبة إلى إسرائيل بأطنان الأسلحة والقنابل، وطلّاب أرقى الجامعات الغربية وهم يخاطرون بمستقبلهم الواعد من أجل قضية لا تمنحهم أي مكاسب مادية، كل هؤلاء "العاديون الذين يمارسون الشجاعة غير العادية" هم من يعيدون له الإيمان بالإنسان، إن لم يكن بالمؤسّسات، ويثبتون أن المدافعين عن حقوق الإنسان لا يزالون أكثر من المنخرطين في الدمار.
يمكن قراءة كتاب عمر العقاد بوصفه وثيقة تاريخية تؤرشف لحظة تحوّل كبرى في الوعي العالمي، ذلك لأنه يسجل اللحظة التي نظر فيها الملايين إلى النظام العالمي الليبرالي بقيادة الغرب، وقالوا: "لا أريد أن يكون لي علاقة بهذا"، أو "هذا لا يحدث باسمي"، أو "أتبرّأ مما ترتكبه حكومتي من تواطؤ مع إسرائيل". كتاب العقاد تذكير دائم بأن الصمت تواطؤ، وأن إغماض العين عن الجريمة لا يعني أنها لم تقع، كما أنه تواطؤ ضمني بالضلوع في الجريمة، ومن ثم فهو تجسيد حي لحالة من انهيار الشرعية التي قد يكون لها تبعات أكبر وأعمق من أي تغيير سياسي عابر.
يمكننا اعتبار الروايتين السابقتين لعمر العقاد "تحذيرًا أدبيًا" من مستقبل محتمل، أو تعليق على ماضٍ مجازي، لكن كتابه الأحدث "ذات يوم، سيكون الجميع ضدّ هذا" يقدّم لنا تشخيصًا عاجلًا للّحظة الراهنة، فيما يشبه اكتمال لأضلاع مثلّث فنّي: بدأ من المراسل الذي يغطّي الحرب، إلى الروائي الذي يستثمرها بأشكال خيالية، وأخيرًا إلى الكاتب الذي يعود إلى مواجهتها مباشرة، حاملًا كل أدواته السردية، ولكن هذه المرة متسلّحًا بصراحة الثوري الذي لم يعد لديه ما يخسره.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.