}
عروض

"استئجار الأشباح": سردية تتقصّى الغياب وتعيد تشكيل الهوية

عماد الدين موسى

24 نوفمبر 2025


أصدر الروائي والشاعر الكُردي السوري سليم بركات روايته الأحدث بعنوان "استئجار الأشباح" عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان (2025)، مضيفًا حلقة جديدة إلى مشروعه السردي الطويل الذي يستند إلى لغة عالية التركيب، وتخييل واسع يخلط بين الفلسفة والأسطورة والتاريخ. تحمل الرواية طابعًا تأمليًا وتبتعد عن البنية التقليدية للرواية، لتطرح أسئلتها في منطقة إشكاليّة بين الغياب والحضور، بين الوقائع والظلال، وبين ما يُروى، وما يُمسك به كجوهر بعيد عن التفسير المباشر.
تدور أحداث الرواية في بداية الألفية الثالثة، وتستعرض مجموعة من الشخصيات التي تبدو عالقة بين الذاكرة والواقع، بين التاريخ الشخصي والتاريخ المُحرّف. المكان الأساسي هو "بيت أبي كير"، وهو ليس مجرد بيت بالمعنى المادي، بل بنية متخيلة تحوي أصواتًا وظلالًا وأحداثًا ومصائر. الشخصيات تعيش داخله كما لو أنها موروث غير مرئي، تتنفس في زواياه وتعيد إنتاج نفسها داخل النص. ويغدو هذا البيت أرشيفًا حيًا للغياب يتقاطع فيه ما هو فردي بما هو جماعي، وما هو خاص بما هو كوني.





من بين الشخصيات الرئيسة تبرز "يانتيل"، التي تعيش حالة من التحوّل الروحي واللغوي في لحظة انتقالية حرجة. وتدور حولها أصوات أخرى تحمل خلفيات متنوعة ومتشابكة، تتحدث عن الماضي، وتستدعيه، وتعيد طرحه من زوايا غير مألوفة. يظهر من خلال الحوارات أن الشخصيات كلها تحمل في داخلها أسئلة عن السلطة، والتمثيل، والمحو، وهي أسئلة تنتمي إلى الحاضر السياسي والاجتماعي بقدر ما تنتمي إلى عمق وجودي أكبر.
تُظهر الرواية اهتمامًا خاصًا بمهنة "الكاتب الشبح"، حيث يجري توظيف هذا المفهوم بوصفه رمزًا لفقدان التمثيل والتنازل عن الصوت الشخصي لصالح سلطة أخرى. ويتوسع بركات في هذا المحور من خلال خلفيات سردية لشخصيات كانت تعمل في كتابة السير لغيرها، ما يفتح المجال لنقد مضمر للهيمنة على الذاكرة وتزييف التاريخ.
اللغة في الرواية تحمل الطابع الذي يُميّز سليم بركات؛ فهي لغة تبتعد عن السرد الخبري المباشر، وتقترب من تشكيل شِعري مضبوط، يعتمد التراكيب المركبة والتشابيه غير المألوفة، ما يجعل النص يقرأ كأنّه مزيج بين الرواية والنص الفلسفي والنص الشِعري. وتغيب الحبكة بمعناها الكلاسيكي لصالح تيار من المشاهد والحوارات والتأملات.
تعالج الرواية، عبر استعارة الأشباح، قضايا مثل المحو، والتنازل عن الوجود، وامتهان الذاكرة، وتشير إلى لحظة من التاريخ السوري والعالمي، حيث يصبح الإنسان مهددًا بالتلاشي الكامل، سواء على المستوى المادي، أو المستوى الرمزي. ومن خلال بناء لغوي متماسك، وشخصيات مشحونة بالهواجس، ومكان يتحوّل إلى ذاكرة كونية، ترسّخ "استئجار الأشباح" موقعها في مشروع سليم بركات كإضافة نوعية تواصل مساءلة اللغة والسرد والوجود، وتؤكد أن الغياب يمكن أن يكون مادة حقيقية للكتابة.
سليم بركات: شاعر وروائي كُردي سوري، من مواليد مدينة القامشلي، سنة 1951. انتقل إلى دمشق ملتحقًا بالجامعة دارسًا للغة العربية سنة واحدة، قبل أن يغادر إلى بيروت في عام 1972، ومنها إلى قبرص عام 1982، ثم إلى السويد في عام 1999، حيثُ يقيم مُتفرّغًا للعمل الأدبي.
صدر له أكثر من 40 كتابًا، ما بين الشِعر والرواية والسيرة، بالإضافة إلى كتاب "الأقرباذين" وهو عبارة عن مقالات في علوم النَظر.
تُرْجِمَتْ أعمالهُ الإبداعيّة إلى أغلب لغات العالم الحيّة، وقُدِّمَتْ حولها أطروحات ماجستير ودكتوراه. كما حصل على عددٍ من الجوائز الأدبيّة، أبرزها: جائزة توخولسكي (2000)، وجائزة المنتدى الثقافي اللبناني في باريس (2002)، وجائزة بيره ميرد (2005)، وجائزة الشاعرة السويديّة كارين بوي (2007).

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.