}
عروض

الذاكرة والهوية في أدب الأطفال الفلسطيني المعاصر

منى ظاهر

25 نوفمبر 2025
حنان موسى 


عن دار النّشر رُوتِلدج Routledge المتخصّصة بنشر الدّراسات الأكاديميّة باللّغة الإنكليزيّةـ صدرت  هذا العام (2025) دراسة بعنوان "الذّاكرة والهُويّة الفلسطينيّة في أدب الأطفال المعاصر" لحنان موسى. وتكمن خصوصيّة هذه الدّراسة في كونها تبحث في أدب الأطفال الفلسطينيّ المكتوب في البلاد- المحلّيّ، والمكتوب في الشّتات، وفي الضّفّة الغربيّة، وقطاع غزّة. كما أنّها تجيب عن التّساؤلات حول طبيعة العلاقة بين أدب الأطفال والتّراث الشّعبيّ، وتخُوض في مستويات نظريّة التّناصّ في أدب الأطفال. ولهذه الأغراض، واكبت الدّراسة مسيرة أدب الأطفال الفلسطينيّ عبر مراحل تطوّره، وقد أثّرت عليه الأحداث السّياسيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة.

لاحظت الباحثة أنّ الكاتب الفلسطينيّ استفاد من التّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ ومقوّماته الفنّيّة، وقد عمل على إحيائه بأساليب حداثيّة ودلالات رمزيّة برزت بعد الانتفاضة الأولى في عام 1987 بهدف حماية الهويّة وصوْنها، وتعزيز هويّة فلسطين الثّقافيّة في ظلّ سياسات الاحتلال الممنهجة.

أمّا قبل هذا التّاريخ فقد كان توظيف التّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ في النّصّ الأدبيّ للأطفال مجرّد توظيف تقريريّ مباشر، لم يحقّق غايته. ومع مرور الزّمن، وخصوصًا بعد اتّفاقيّة أوسلو عام 1993، أصبح توظيف التّراث الشّعبيّ من الظّواهر الهامّة في أدب الأطفال الفلسطينيّ، إذ تنوّعت مصادره التّراثيّة، وأساليب توظيفه، إضافة إلى ظهور تيّارات مختلفة تبنّت بشكل واعٍ فكرة استلهام التّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ وتوظيفه في أدب الأطفال.

وقد استندت الباحثة في دراستها إلى أبحاث في الحكاية الخرافيّة وأدب الأطفال وفي نظريّات التّناصّ في أدب الأطفال، مثل: فلاديمير بروب Vladimir Prop، ورولان بارت Roland Barthes، وجيرار جينيت Gérard Genette، وبيتير هانت Peter Hant، وكرستينا ويلكي ستيبس Christine Wilkie-Stibbs، وأوسيلفان إمير O'Sullivan, Emer، وجاك زايبس Jack Zips.

كما أنّ عيّنتها ضمّت تحليل إصدارات عدد كبير من الكتّاب والكاتبات، نذكر من بينهم: إبراهيم مهوّي، أحمد حسين، إسحاق موسى الحسيني، إسكندر الخوري البيتجالي، تغريد عارف النّجّار، توفيق فيّاض، جميل السّلحوت، خليل بيدس، خليل السّكاكيني، ديمة سحويل، راشد عيسى، راضي عبد الهادي، رشاد أبو شاور، روضة الهدهد، سونيا نمر، شريف كناعنة، طه محمّد علي، عايدة أيّوب، عفاف صلاح، عمر العناني، علي الخليلي، علي محمّد البتيري، فاضل علي، فاطمة ذياب، فايز الغول، لميس كناعنة، محمّد إسعاف النّشاشيبي، محمّد بدارنة، محمّد الظّاهر، محمود شقير، محمود الشّلبي، مفيد نحلة، مريم حمد، مصطفى مرّار، منعم حدّاد، ونمر سرحان.

وتوزّعت الدّراسة على بابين رئيسيّين؛ الباب الأوّل- هو باب نظريّ، ينقسم إلى ثلاثة فصول. الفصل الأوّل، هو مدخل لنظريّات أدب الأطفال وبداية الاهتمام بالتّراث الشّعبيّ عالميًّا، وعربيًّا وفلسطينيًّا. وقد شكّل هذا الفصل المنطلق الأساس لما جاء في تحليل العيّنة المدروسة في الباب التّطبيقيّ. وتمّ تحديد العلاقة بين مركّبات التّناصّ في أدب الأطفال: الكاتب/ النّصّ/ القارئ-النّصّ/ القارئ/ السّياق.

في حين ضمّ الفصل الثّاني، تاريخ أدب الأطفال الفلسطينيّ، ومقدّمة لتحديد هُويّة الكاتب الفلسطينيّ. انقسم الفصل لأربع فترات؛ أوّلها: فترة الانتداب البريطانيّ على أرض فلسطين، من الأعوام 1917- 1948. ثانيها: أدب الأطفال الفلسطينيّ في الشّتات منذ عام 1948. ثالثها: تطوّر أدب الأطفال الفلسطينيّ المحلّيّ بعد النّكبة. أمّا الفترة الأخيرة فتناولت أدب الأطفال الفلسطينيّ في الضّفة والقطاع بعد عام 1967. وقد تبيّن ارتفاع الوعي والاهتمام بالتّراث الشّعبيّ، كظاهرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعوامل السّياسيّة والأحداث الاجتماعيّة.

والفصل الثّالث والأخير في الباب النّظريّ، عرضتْ فيه الباحثة أهمّ أشكال التّراث الشّعبيّ، وخصوصًا أشكال التّراث الشّعبيّ الفلسطينيّ، وحدّدت سماته.

بالمقابل فإنّ الباب الثّاني للدّراسة- الباب التّطبيقيّ، جاء في ثلاثة فصول. الفصل الأوّل: توظيف الحكاية الشّعبيّة؛ لأنّها من أهمّ المصادر الّتي ألهمت الكاتب الفلسطينيّ، وقد أكثر من توظيف سماتها بشكل لم يسبق له مثيل، خصوصًا بعد عام 1987، إذ كانت الانتفاضة ذُروة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، وبوادر بدايات تكوّن الوِحْدة الفلسطينيّة. وعرف الكاتب الفلسطينيّ أنّ الخطر الّذي يواجهه هو خطر ضياع الهُويّة الفلسطينيّة، وليس خطر الإبادة الجسديّة وخطر ضياع الأرض فحسب، لذلك فقد سعى إلى توظيف العناصر التّراثيّة توظيفًا فنّيًّا بغية التّعبير عن هموم الإنسان المعاصر وقضاياه.

وركّز الفصل الثّاني على توظيف المَثل الشّعبيّ؛ إذ أنّ الكاتب الفلسطينيّ أظهر وعيًا ثقافيًّا وجرأة في تقبّل المثل الشّعبيّ وفي تعامله مع اللّغة المحكيّة، لدرجة أنّه وظّف المثل الشّعبيّ في أدب الأطفال  ليحمل أبعادًا مختلفة ودلالات عدّة أكثر عمقًا، حتّى برزت مَعالم الحداثة بعد الانتفاضة الأولى.

والفصل الثّالث، هو فصل توظيف الأغنية الشّعبيّة؛ إذ لاحظت الباحثة ازدياد اهتمام الكاتب الفلسطينيّ بالأغنية الشّعبيّة الفلسطينيّة، بشكلٍ كبيرٍ، في بداية تسعينيّات القرن الماضي، وما فيها من أساليب وتقنيّات.

كشفت الدّراسة أنّ الكتابة للأطفال تختلف باختلاف مكان إقامة الكاتب الفلسطينيّ. وخصوصًا بعد النّكبة، إذ اضطرّ الكاتب الفلسطينيّ المحلّيّ لأن يخضع لسيطرة الحُكم العسكريّ حتّى بداية السّتينيّات من القرن الماضي، وبالتّالي انحصرت كتاباته في النّتاجات التّعليميّة الموجّهة للطّلّاب. وقد سيطرت السّلطات الإسرائيليّة على سياسات التّعليم، وبات أدب الأطفال الفلسطينيّ في البلاد منعزلًا عمّا يحدث من تطوّر في العالم العربيّ لمدّة عقد من الزّمن.

وبعد احتلال الضّفّة الغربيّة وقطاع غزّة، اتّسعت إمكانيّة الاطّلاع على ما يصدر في العالم العربيّ من أدب الأطفال، وتغيّرت نظرة المجتمع الفلسطينيّ في الدّاخل، للطّفل والطّفولة، ممّا ساهم في ازدياد الاهتمام بالطّفل ليحتلّ مركزًا هامًّا في حياة الكتّاب ونشاطهم الاجتماعيّ والثّقافيّ. وبدأت تعلو الدّعوة إلى كتابة أدب يتناول قضايا الواقع المحلّيّ، ويعالج مشاكل مستمدّة من البيئة والظّروف المحلّيّة. ومن المواضيع الّتي شاعت في حينه: توثيق الواقع المحلّيّ، التّركيز على الارتباط بالقرية والطّبيعة والانتماء إليها، العادات والتّقاليد، احترام الآباء والأجداد. وبرز في هذا الاتّجاه الكاتب مصطفى مرّار.

أمّا في بداية الثّمانينيّات وحتّى بداية التّسعينيّات من القرن الماضي، برز التّيّار السّياسيّ، بعد أن تنبّه الكاتب الفلسطينيّ في البلاد وفي الشّتات إلى خطر ضياع تراثه وهيمنة اللّغة العبريّة عليه، فوظّف اللّغة المحكيّة، واستوحى من التّراث الفلسطينيّ، وكتبَ بأسلوب السّرد الشّعبيّ في حُبّ الوطن والحنين إلى الماضي وبنزعة قوميّة مع التّأكيد على الهويّة. وبرز في هذا المجال الكاتب عبد اللّطيف ناصر.

ووجدت الباحثة أنّ تأسيس دار الفتى العربيّ في عام 1974 كان بمثابة انطلاقة لأدب الأطفال الفلسطينيّ في الشّتات، وقد اهتمّت معظم إصدارات الدّار بالقضيّة الفلسطينيّة، والنّضال المسلّح بأسلوب رمزيّ، مع قضايا البطولة والتّحرير، والحنين إلى الوطن.

أمّا أدب الأطفال الفلسطينيّ في الضّفّة وقطاع غزّة، فله ميزة خاصّة مرتبطة بواقع الاحتلال والقمع، إذ حملت القصص في مرتكزها الطّفولة المقاوِمة للمحتلّ العنيف، مقابل الفلسطينيّ الضّحّيّة والبطل والمناضل، والمعتقَل والشّهيد.

أمّا بعد توقيع اتّفاقيّة أوسلو عام 1993، فقد رسم الكاتب صورة جديدة للطّفل الفلسطيني الّذي غدا متسامحًا، ومنفتحًا على العالم، وعاشقًا للطّبيعة. 

وظهر أنّ التّحوّلات السّياسيّة والفكريّة وسلسلة الهزائم قد شجّعت الكاتب الفلسطينيّ على الاهتمام بالتّراث، واعتبره مصدر وحي، كونه إرثًا قوميًّا مرتبطًا بالحياة الواقعيّة. وهكذا صار المبدع يبحث في جذور الحكايات الشّعبيّة ويلائمها للأطفال، وقد استخدم استهلالها "كان يا ما كان يا مستمعي الكلام كان هناك..." وخاتمتها التّقليديّة "وطار الطّير، الله يمّسي الحاضرِين بالخِير"، مثل: نمر سرحان، وروضة الهدهد. وهناك من الكتّاب مَن تصرّف في مضمون الحكاية الشّعبيّة لتلائم روح العصر، كما حاولوا كتابة قصص تقلّد الحكايات الشّعبيّة، مثل: سونيا نمر، وديمة سحويل.

وبيّنت الدراسة أنّ شخصيّة الشّاطر حسن هي الأهمّ والأكثر توظيفًا في قصص الأطفال الفلسطينيّة، كونها تواجه المخاطر وتتحدّى الغول، مع إدخال تحديثات معاصرة عليها، وخير مثال على ذلك: الكاتب محمود شقير. وبرزَ المثل الشّعبيّ في عناوين القصص، كما جاء عند الكاتب عبد الله عيشان. واهتمّ أدب الأطفال بأنواع الأغنية الشّعبيّة الفلسطينيّة وأساليبها الفنّيّة ومحاكاتها، مثل نصوص الكاتب محمّد بدارنة الّذي استدعى "الدّلعونا" و"التّهاليل" وأغاني المطر.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.