أفضل الضربات هي تلك التي تبدو كأنها وُجّهت بلا تخطيط، وأكثرها دقّة هي ما لم يُقصد بدقّة. وفي الأدب، أمتن الأعمال هي التي تقنعنا بأنها كُتبت عفو الخاطر، من غير تدبير أو وعيٍ مسبق.
في مثل هذه الأعمال يتكامل الشكل مع المضمون، فيعكس كلٌّ منهما الآخر، فلا عبث في الحقيقة، ولا صدفة خالصة في عملٍ متقن، فكلّ تفصيلٍ محسوب بعناية، ومع ذلك - وبسبب ذلك- يبدو طبيعيًا، حيًّا، كأنه وُلد من تلقاء نفسه. تلك هي قوة الجمال الحقيقي، الجمع بين العبث والضرورة، بين العفوية والإتقان.
رواية "وحيدة كغرفة مزدحمة" (دار الآداب، 2024) للكاتبة الفلسطينية بدار سالم تمزج بإتقان بين العبث والضرورة، بين السهولة والتعقيد. تتخذ الرواية شكلًا رسائليًا حديثًا، إذ تقوم على مجموعة من الإيميلات والمراسلات الشخصية والرسمية التي تكتبها البطلة إلى أطرافٍ متعددة، الطبيب، الجامعة، أعضاء البعثة الدراسية، الأصدقاء، الأب... ومن خلال هذا الشكل، تستبدل الكاتبة المونولوغ التقليدي بخطابٍ متقطّع، ذاتيّ، ومفتوحٍ على اعترافات داخلية، ليصبح فعل الكتابة إلى المعنيين وغير المعنيين وسيلةً للبوح أكثر من كونه تواصلًا لتحقيق الغايات التي وُضعت من أجلها.
غير أن هذه المفارقة في الشكل تكشف عن المحرّك الأساسي للرواية، أو عقدتها الموضوعية: التواصل مع الآخر.
في ضوء هذه المفارقة، تتجسّد الشخصية المحورية بوصفها نموذجًا للاغتراب الإنساني.
تعيش مجدل كريم، بطلة الرواية، وحيدةً وغريبةً عن العالم. ومن خلال اعترافاتٍ شخصيةٍ ممزوجةٍ بنقدٍ ذاتيٍّ حادّ، وتعريةٍ صريحةٍ للذات، ووضوحٍ مكرّسٍ لرسم النفس على الورق، نكتشف زوابع عاطفية تشكّلت على مدى سنوات حياتها، وهي الزوابع التي توجّه اختياراتها وقراراتها ومساراتها.
في هذا، يغدو الشكل اللامنطقي للسرد هو الأكثر منطقية على الإطلاق، فهذه الفتاة، الواقعة على الطرف القصيّ من التواصل "الطبيعي"، لا يمكنها إلا أن تطالب بالجوهر في أوانه وغير أوانه، في مكانه وغير مكانه.
كما أن هذا الشكل الغريب للبوح، وهذه الكلمات الموجَّهة إلى غير مواضعها الطبيعية، تشي بضياع البوصلة الوجدانية للتواصل مع الآخرين، وبالحاجة الملحّة لتحقيق ذلك فوق كلّ الحواجز والرسميات ورغمها. فهل تحققه؟
إن الرواية تضع تحت النظر كائنًا تجاوز الحاجة إلى الانتماء العادي، لقد ولدت البطلة برّية إلى حد ما. لذا فالتواصل الذي قد تبتغيه يتجاوز المتعارف عليه من التواصل. لقد أدركت احتمال وجوده مع انهيار كل الجدران التي تقي العاديين من الذهاب بعيدًا. مجدل لا تطالب بعودة إلى الخلف إذًا، بل بشكل حقيقي من الحب والتواصل والتفهم، ولأنه لا يتحقق تتشظى البطلة في كل اتجاه، تتملّكها حاجة دائمة للإفصاح عن نفسها، مغرمة بالوضوح والرؤية. هذه الرغبة غير المحقّقة تقدم لها قوة حقيقية للقفز إلى الجوهر، داخل نفسها والعالم.
ربما يبدو الغوص في نفس البطلة توصيفًا نفسيًا لا ينطبق على بطلةٍ من ورقٍ، لا من دم، لكن الشرخ الواضح في قصة مجدل لا يُقرأ إلا على ضوء وعيها، وبالتالي الجرح الذي ينزف في كل صفحة من صفحات الرواية. ليست الأرض المحتلة ولا الحدود المغلقة هي العنوان الرئيس لمأساتها، وإن كانت تقف في الخلفية الثابتة لحياتها، إنما غياب ذاكرة الحبّ الأولى. إن مأساة هذه الفتاة "النغشة"، هو غياب أيّ تصوّرٍ في خيالها عن شكل الحبّ بعد رحيل الأم المبكّر.
في رسائلها العديدة، تمارس مجدل ذلك النوع من الإحاطة بكل شيء في حياتها، كأنها تسحب من الآخرين أدوارهم. إنها لا تحتاج إلى معرفة شيءٍ عن نفسها من خلال الآخرين، فهم لم يعودوا مرايا. إنها تسبقهم في الرؤية وفي الحكم على نفسها. لقد قضت سنواتها تلتقط لنفسها صورًا ذاتيةً شديدة الوضوح، مزيجًا قاسيًا مما يراه أو لا يراه الآخرون، كومةً من الأحكام التي تشكّلت كما تشاء هي، نتيجة غياب الحبّ والتواصل العميق. لذا، ففي الإحالة إلى المرايا، تعترف البطلة بكرهها الصريح: "لديَّ حساسيَّةٌ من المرايا التي أراها أداة تعذيب، أكره رؤية وجهي فيها، أكره جبهتي، أذنيَّ ورقبتي، والهالات السوداء تحت عينيّ، باقيةٌ وتتمدَّد، لديَّ صورةٌ مختلفةٌ عن وجهي، وفي كلِّ مرَّةٍ أرى مرآةً أفزع من ‘هاي الجثَّة‘."
إن استعارةَ المرايا في النص، وكره البطلة لها، ليستا عبثيّتَين، ففي المرايا ترى مجدل ما لا يجب، ولا يُحبَّذ رؤيته. ورفضها هو رفضٌ للتماهي مع الذات الجسدية المنفصلة عن داخلها. المرايا تُعيد إلى مجدل ما تحاول نسيانه: أن وجودها مشروطٌ بنظرة الآخر، وأنها عاجزة عن تبنّي هذه النظرة أو مقاومتها تمامًا. تختتم بقولها: "المرايا أسوأ ما حدث للنفس البشريَّة".
يخلق غياب الحبّ والتواصل الحقيقي كائنًا متشظّيًا، فتضع مجدل نفسها على المشرحة حين تستخدم الرسائل الرسمية لشرح أدقّ تفاصيل حياتها الخاصة، عن غضبها وضعفها الجسدي، ودورتها الشهرية، وانتحار زوجة أبيها، وعلاقتها بحبيبها، إلى جانب سلسلة طويلة، معقّدة، وحادّة الذكاء من الآراء التي تطلقها على نفسها وعلى العالم من حولها، بشجاعةٍ يمنحها إياه غياب الحبّ نفسه: "أعيش في هذا العالم، ولكنَّني لست فيه. لم أشعر بأيِّ ضغطٍ لإثبات فرضيَّاتهم عنِّي أو نفيها. لم أحاول في كثيرٍ من المرَّات إخبار الآخرين بكيفيَّة اللفظ الصحيح لاسمي، عادي ممكن تُسمِّيني جدل، أو حتى جاد، كلّه منيح".
مع كل هذا البوح، تبدو البطلة وكأنها تعيش دورًا لا حياة، وهنا يتجسّد الاغتراب بكلّ ثقله، بوصفه حالةً نفسيةً واجتماعيةً سببها غياب الاعتراف الخارجي من جهة، وتضخّم الوعي الذاتي من جهة أخرى. إنها ترى نفسها موضوعًا للملاحظة لا ذاتًا فاعلة، ما يدفعها للاعتراف بسلاسة: "أتعامل معي وكأنَّني لا أخصُّني، كأنَّني أعيش بجانب نفسي".
إلى ذلك، فهذه الحاجة إلى شرح الذات تمتزج بغياب التعاطف التقليدي، أو برغبةٍ طفوليةٍ في الأذى غير المبرّر: "وعندما تشجَّعت وسألته، كان جوابه: "أمّك بتزعل". فأجبته متعمِّدةً إيذاءه: "ماما ميِّتة". ليردَّ بصوتٍ مرتجفٍ جعل قلبي يهوي على الأرض: "وأنا كمان"، وسكت لبعض الوقت قبل أن يضيف: "ميِّت"." إن الرغبة في الأذى، الممزوجة بالندم، شكلٌ من أشكال التماس العاطفي مع الآخر حين يستحيل التواصل الإيجابي. فالردّ الصِدامي هو اللغة الوحيدة الممكنة.
تمتد هذه العلاقة المضطربة إلى ما هو أبعد من العلاقات الإنسانية، إذ تنسحب أيضًا على علاقة مجدل بالجمادات، التي، على خلاف الناس، لا يمكنها تزييف نفسها، ولا اختيار ما في خارجها على غير ما في داخلها. تقول في رسالةٍ إلى ياسين: "أؤمن أنَّ للأشياء روحًا، أعني الكراسي والنوافذ والأبواب والكتب والأقلام، كلَّها لديها مشاعر... هناك من يعتبر أنَّ عزو المشاعر والمواقف والحالات العقليَّة والوجوه والقِيم إلى أشياءَ غير بشريَّة يمكن أن يساعد الشخص على الشعور بالارتباط بشيءٍ ما ونقل تعاطفه لهذه الأشياء...".
هذه العلاقة الإشكالية مع الآخر ومع النفس، والتي تسلط الرواية الضوء عليها، تفتح المجال لكشف كل زيف، حتى ذلك الذي يطاول التصور الجماعي عن الله. وضد هذا الزيف، تختار مجدل في الإله وجهه العادل: "أردت أن يكون له وجهٌ واحد، واخترت أن يكون نورًا ورحمةً ومودَّةً، لا متجبِّرًا ومُذِلًا".
يبدو طبيعيًا جدًا أن يتقاطع البعد النفسي مع البعد الميتافيزيقي إذا كان المرء يحرص على نفي كل زيف. إنها الحاجة إلى اتساقٍ أخلاقيّ وجمالي يعيد إلى العالم معناه، بعد أن فشل البشر في تمثيله.
غير أن ما يميز مجدل هو أنها، على خلاف المنغمسين في قصصهم، غير غارقةٍ فيها، إنها تقف على حافّتها وتراقب. إن حس الفكاهة في العمل دلالة قاطعة على رفض الانغماس وشعور الضحية، وهو الخلاص الذي ينجم عن القوة الداخلية رغم إدعاءات الانهيار الخارجية. حس الفكاهة هذا يمنح مجدل القدرة على أن تكون بطلة قصتها، إنها البطلة والكاتبة والمخرجة والمشاهدة. لا أحد سواها، لذا تعيش وحيدةً كغرفةٍ مزدحمة، وتدرك أنها لا منتمية: "ربَّما أنا مخلوقةٌ لكوكبٍ آخر تمامًا، لكنَّني ضللت طريقي إليه، ربَّما لهذا لم أستطع فهم نفسي في هذه الحياة، ولم أرد لأحدٍ أن يفهمني كذلك ربَّما لهذا دائمًا ما فضَّلت الوقوع في حبِّ أشخاصٍ لا يعرفونني، أو يعتقدون أنَّهم يعرفونني... ربَّما لهذا عشت حياتي دائمًا بالقرب ممَّا أريد وليس في قلب ما أريد".
إن قصص اللامنتمين أمثال مجدل واضحة، إنها القصة التي يحياها أولئك الذين يمتلكون حساسيةً مفرطةً ووعيًا يفيض عن الاحتمال، أولئك الذين يعيشون على حافة العالم لا في قلبه. إنه وعيٌ فاضلٌ أكثر مما ينبغي على عالمٍ يحكمه النقص.
لا تُري الرواية ضوءًا في آخر النفق للباحثين عن الخلاص، ولا تلتفّ الحكاية على نفسها لتعيد البطلة إلى نقطة البداية بوعيٍ مختلف، لكننا نعرف مصير هذا الوعي الذاتي الفطري العميق. هذا الكائن الذي يختبر حدود وعيه الإنسانيّ، سيختار دائمًا الجوهر على الصورة، وإن لم يحرزه أو ينله.
مجدل كائنٌ يعيش على مسافةٍ من نفسه، وفي تلك المسافة تحدث هذه القصة الفريدة. صحيح أن المسافة من النفس انفصالٌ عنها، لكنه انفصالٌ وُضع تحت الضوء ليُرى، وهذه الرؤية هي بداية العودة.
من يعيش على مسافةٍ من نفسه موعودٌ بالعود إليها. هذا هو أجمل ما في قصص اللامنتمين، وبدار سالم تكتب قصة واحدةٍ منهن بصدقٍ أخّاذ، وجمالٍ لغويٍّ لا إفراط فيه ولا تقتير.


تحميل المقال التالي...