صادف هذا العام مرور خمسين سنة على رحيل المطربة المصرية أم كلثوم، التي ظهرت بداياتها الفنية في منتصف عشرينيات القرن العشرين الماضي، واستمرت مسيرتها الفنية إلى حين رحيلها في 3 فبراير/ شباط 1975.
تتلمذت أم كلثوم على ما قدّمه جيل الرواد الذين سبقوها أمثال المنشد والمغني يوسف المنيلاوي، وقصائد الشيخ أبي العلا محمد، وطقاطيق عبده الحامولي، وسجلت أولى أسطواناتها في منتصف العشرينيات، بعد أن تدربت على يد أبي العلا محمد، وما نظمه محمد يونس القاضي، ولحّنه محمد القصبجي رفيق دربها المبكر. وتحولت مسيرتها الفتية إلى ظاهرة جماهيرية عربية، حيث مثّلت الصوت الغنائي الأكثر تأثيرًا في العالم العربي خلال أكثر من خمسة عقود، وبالتالي تجاوز ما غنّته كونه طربًا أو ترفيها آنيًا، لأنه شكّل معلمًا فنيًا مميزًا استرشد به العديد من المطربين العرب في الفهم والأداء، حيث تعتبر أم كلثوم مطربة ليست مثل الجميع، بل شكلت خاصة حالة مدهشة بكل تفاصيلها، جعلتها تاج الغناء، ومؤسسة موسيقية متفردة بذاتها. وقد لفتت الأنظار حياة ومسيرة أم كلثوم الغنائية، وراح يتأملها ويدرسها العديد من الكتّاب والدارسين الذين اهتم بعضهم بحياتها الشخصية، فيما تناول بعضهم الآخر مسيرتها الفنية الغنائية الطويلة، وقدّم آخرون دراسات تختلط فيها الحياة الشخصية بالمسيرة الفنية، لاعتقادهم أنه في الفن لا تنفصل حياة الفنان عن فنه، فاعتبروا أن حياة أم كلثوم كلها غناء وموسيقى وفن.
صدرت مؤلفات كثيرة من كتب ومذكرات وأعمال إذاعية وتلفزيونية وسينمائية، تناولت سيرة أم كلثوم ونتاجها، وراح مؤرخون وموثقون وهواة يجمعون تسجيلاتها ويصنفونها ويحللونها في أرشيفات متنوعة. وفي هذا السياق، يأتي كتاب إبراهيم شكري "أبيات وألحان أم كلثوم ومن معها" (دار الشروق، 2025) ليقدم دراسة متعمقة ومختلفة لمسيرة كوكب الشرق الفنية، لا تركّز على سيرتها الذاتية التقليدية، بل تتخذ من التحليل الموسيقي والفني لأغانيها محورًا أساسيًا، حيث ينصب جهد الكاتب على تحليل أغاني أم كلثوم (فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي)، من منظور موسيقي عميق، بغية تقديم فهم لسرّ عبقرية أدائها وتأثيرها. وبالتالي، لا يمثل الكتاب سردًا لحياة أم كلثوم الشخصية، بل يتناول إبداعها الفني وتطوره. إضافة إلى تسليطه الضوء على الشعراء والملحنين الذين شاركوا في بناء "المؤسسة الكلثومية"، أي أبطال صناعة الأغنية الكلثومية أمثال أحمد رامي، ومحمد القصبجي، ورياض السنباطي، وزكريا أحمد، ومحمد عبد الوهاب، وبليغ حمدي وسواهم.
يقدم شكري شرحًا واضحًا ومبسطًا لكل المقامات الموسيقية والتونات والأصوات والأدوار، بغية مساعدة القارئ على فهم التحليل الفني للأغاني. كما يقدم تحليلًا زمنيًا لمسيرة أم كلثوم الفنية، من خلال تقسيم الكتاب إلى مراحل تاريخية رئيسية (الأربعينيات، الخمسينيات، الستينيات، والسبعينيات)، ويطلق تسمية محددة على كل منها (مثل اللمعان، الحصاد، مسك الختام)، ثم يشرع في تحليل أهم أغاني في كل حقبة، وتقديم دراسة موسيقية جديدة عن الأبيات التي غنتها أم كلثوم، والألحان التي شدت بها، وعن الشعراء الذين كتبوا أغانيها، والموسيقيين الذين لحنوا الأغاني، أي عن الذين شاركوا في صناعة الملحمة الغنائية للمؤسسة الكلثومية في القرن العشرين.
تنهض القراءة الموسيقية والنصّية لمسيرة أم كلثوم على منهجية المزج بين التاريخ الثقافي، والتحليل الموسيقي، وتحليل الخطاب الشعري، مع التركيز على النصوص (الأبيات)، والألحان، والشبكات المهنية المحيطة بها، وذلك بغية تبيان دور الشاعر والملحّن في تكوين "صوت" أم كلثوم، والكيفية التي تغيّر معها شكل الأغنية، وطولها، ودلالاتها خلال تعاونها مع كل ملحّن وشاعر، وأثر ذلك على الذائقة العربية. وتطلب ذلك تقديم دراسات حالة لأغنيات شهيرة، مع توضيح بنية المقطع الموسيقي، وكيفية تفاعل الأصوات مع الأوركسترا. إضافة إلى تقديم تحليلات مفصّلة لعدّة أغنيات مختارة كعينات نموذجية بغية دراسة نص الشاعر، وبنية اللحن، والمقامات، وكيفية الأداء الصوتي.
برز في حقبة الأربعينيات دور الشاعر أحمد رامي، بوصفه الشاعر التاريخي في المؤسسة الكلثومية، وأكثر شاعر غنّت كلماته أم كلثوم، وكان حاضرًا في جميع حقبها المختلفة من البداية وحتى النهاية بأشعاره المختلفة، وتمتع بعلاقة مميزة من أم كلثوم، أنتجت قصائد وأغانٍ عاطفية خالدة، عكست مشاعر الحب والعذاب والأمل. كما يبرز أيضًا الدور الكبير والفارق الذي لعبه الموسيقار رياض السنباطي، بوصفه الملحن الأكثر ظهورًا في مسيرة كوكب الشرق الغنائية. ولعل دوره الشعري يوازي دور السنباطي الموسيقي، حيث جمعت بينهما شراكة تاريخية في مسيرة أم كلثوم. وقد غنت أم كلثوم في تلك الفترة ثلاث أغنيات كتبها أحمد رامي، يدعوها المؤلف بـ"ثلاثية الخصام"، وهي "غلبت أصالح"، و"يا اللي كان يشجيك أنيني". ولحّنها جميعًا رياض السنباطي. وشهدت تلك الفترة أيضًا ظهور الملحن الكبير محمد القصبجي في أغنية "رق الحبيب" وغيرها، والذي ترك بصمة مهمة في مشوار أم كلثوم، كما ظهر الشاعر بيرم التونسي، ونشأ تعاون فني بين الشاعر بيرم التونسي والملحن زكريا أحمد. إضافة إلى تشاركيات أخرى مع بيرم التونسي وإبراهيم ناجي.
تستلزم دراسة علاقة أم كلثوم بأحمد رامي التوقف عند أسلوبه اللغوي، واختياراته الموضوعية كالغزل، والفراق، والحنين، والكيفية التي تمّت وفقها عملية تكييف الأبيات لملاءمة البناء اللحنّي وطول الجمل الغنائية. وغنت أم كلثوم عدة قصائد للشاعر أحمد شوقي مثل "سلو كؤوس الطلا"، و"سلو قلبي"، و"نهج البردة"، و"رباعيات الخيام" وغيرها، والتي لحنها رياض السنباطي.
كما أن التعاون مع محمد عبد الوهاب شهد تحوّلًا في الأسلوب الموسيقي، وبروز شكل "التصميم اللحني" الحديث، حيث اعتمدت مقاربة عبد الوهاب في التلحين على تبسيط للشكل الكلاسيكي أحيانًا، وضغط إيقاعي، وابتكار مواضيع لحنية جديدة، وخلق نقاش فني حول استقلال الملحّن مقابل سيطرة المطربة. أما إسهام زكريا أحمد فتجسد في إرساء قواعد الإيقاع والألحان المرتبطة بالمقام التقليدي، وبناءه جسورًا بين الغناء الديني والشرقي الكلاسيكي.
استمرت الشراكة الفنية في فترة الخمسينيات بين أم كلثوم وأحمد رامي ورياض السنباطي، وأثمرت الرباعية البلاتينية، التي تشمل أغنيات "دليلي احتار"، و"عودت عيني"، و"هجرتك"، و"حيرت قلبي". أما في حقبة الستينيات فشهدت ظهور اثنين من أهم الملحنين في المسيرة الكلثومية، وهو بليغ حمدي، إضافة إلى محمد عبد الوهاب. وتميز ظهور بليغ حمدي بتجديده في التلحين في أغنيات مثل "سيرة الحب"، و"حب إيه"، و"فات الميعاد"، وغيرها، كما بدأت تلك الحقبة العلاقة التشاركية بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، عبر ثنائية تاريخية أنتجت أغاني شديدة التميز مثل "أنت عمري"، و"أمل حياتي"، وغيرها، كما دخل في هذه الحقبة شعراء جدد في المشهد الكلثومي مثل مرسي جميل عزيز، ومأمون الشناوي، وأحمد شفيق كامل، وعبد الوهاب محمد. كما شهدت دخول الملحن محمد الموجي في تلك الحقبة. واستمرت كوكبة أسماء الملحنين والشعراء مع أم كلثوم في حقبة السبعينيات، الغنية بالعديد من الأغاني الكلثومية مثل "اسأل روحك"، و"دارت الأيام"، و"الحب كله"، وغيرها.
يكتسي الكتاب أهمية في تقديمه ما يشبه الدليل للباحثين ولكل محبي الست أم كلثوم والمهتمين بفنها حول أغانيها، وبما يُمكّن من فهم أعمق لتاريخ الموسيقى العربية وأسرار الإبداع الفني الذي رافق أم كلثوم، من خلال تحليل الأبيات الشعرية، والألحان الموسيقية التي شكلت ذروة الغناء العربي في القرن العشرين. إضافة إلى الاهتمام بالتحليل الدقيق للألحان الموسيقية، والمقامات الموسيقية المختلفة، حيث يحضر مقام الراست وتنويعاته، ومقام الحجاز وغيره من المقامات المختلفة والمتنوعة. كما يقدم من خلال تحليل الألحان والمقامات، رؤية لدور الملحنين، مثل رياض السنباطي، ومحمد عبد الوهاب، ومحمد القصبجي، وبليغ حمدي، الذين ساهموا في صياغة إبداعاتها.


تحميل المقال التالي...