}
عروض

ندى عبد الصمد وحكاياتها عن يهود بيروت

صقر أبو فخر

28 نوفمبر 2025


 في خضم "الربيع العربي" الفائت وما نجم عنه من خلخلة الدول التسلطية العربية، راج الكلام في وسائل الإعلام المختلفة عن اليهود العرب وحنينهم إلى أوطانهم الأولى ومدنهم الأولى، ولا سيما دمشق وحلب وبغداد والقاهرة وبيروت. ومن غير الواضح تمامًا ما هي دوافع تلك النوستالجيا المتجددة لدى اليهود إلى حاراتهم الخاوية في العواصم العربية، والتي باتت تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد. واليهود المهاجرون أنفسهم ما عادوا يمتلكون هذا الحنين إلى مَوَاطِنهم القديمة إلا في أفلام السِيَر الذاتية وحلقات الذكريات على اليوتيوب؛ فاليهود الذين يتذكرون الحياة اليومية في المدن العربية ماتوا، أو أنهم في طريقهم إلى مغادرة الحياة، وقلائل هم الذين تركوا ديارنا وما زالوا أحياء حتى الآن. وذكرياتهم عن حقبة ما قبل قيام دولة إسرائيل إنما كانت دائمًا مشوبة بالقلق والاضطراب والحيرة في شأن مصائرهم. لنتذكر أن الحركة الصهيونية كانت ناشطة جدًا في أحياء اليهود في القاهرة وبغداد، ونفذت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عمليات إرهابية شتى في هاتين العاصمتين، مثل تفجير شركة لاوي، وكنيس مسعودة شمطوف، وشركة ستانلي شعشوع، وكازينو البيضاء في شارع أبو نواس في بغداد في سنة 1951، لدفع اليهود إلى الرحيل إلى إسرائيل. وقد نفذت تلك التفجيرات مجموعة يهودية بقيادة مردخاي بن بورات، وهو يهودي عراقي. وكذلك قضية بنحاس لافون في مصر في سنة 1954. وفي غمرة الكلام المتمادي على اليهود العرب، وحنينهم إلى حقبة ما قبل قيام دولة إسرائيل، صدر للكاتبة ندى عبد الصمد كتاب عنوانه "حين انطفأت شرفات اليهود في وادي أبو جْميل" (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2025، 349 صفحة). وهذا الكتاب تنقيح لكتابها "وادي أبو جْميل: قصص عن يهود بيروت" (بيروت: دار النهار للنشر، 2009، 274 صفحة)، وفيه تعديلات وتبديلات وحكايات ومعلومات لم تتضمنها النسخة القديمة من كتابها، علاوة على حذف ما رأت الكاتبة أن من الضروري حذفه، وتقديم بعض الفصول وتأخير بعضها الآخر.
ليس هذا الكتاب تأريخًا ليهود بيروت، بل مجموعة قصص واقعية عن اليهود في لبنان، وبالتحديد في وادي أبو جْميل. ويمكن اعتبار تلك القصص نوعًا من التاريخ الشفهي الذي يمكن الاستئناس به لكتابة تاريخ اليهود في بيروت، وإن يكن من غير الممكن كتابة تاريخهم من دون الوثائق الصحيحة والوقائع المتينة. وتحتوي قصص الكتاب مرويات عن الحب في الوادي، وعن علاقات الغرام الصعبة بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، علاوة على حكايات رحيل اليهود من ذلك الحي التاريخي. ويهود وادي أبو جْميل، في معظمهم، سوريو الأصول، وقليل منهم جاءوا، في فترات متعاقبة، من العراق وإيران وتركيا واليونان؛ وبالتحديد من إزمير وطهران وتسالونيك وإسطنبول، فضلًا عن حلب ودمشق وبغداد. وفي هذا الحي المتسربل بالغموض والأسرار كان يتم تنظيم عمليات تهريب اليهود السوريين إلى إسرائيل، وكذلك يهود لبنان. فلا عجب في هذه الحال أن نقرأ في حكايات ندى عبد الصمد وقائع مؤكدة عن شبان يهود من وادي أبو جْميل غادروا الوادي في تواريخ متفاوتة، وقد عاد بعضهم مع الجيش الإسرائيلي عندما اجتاحت قواته بيروت في أيلول/ سبتمبر 1982، وراحوا يجولون في أنحاء المكان، وتعرفوا إلى مَن بقي من الأهالي أمثال الميجر مايك إبن دافيد بن سيليانو، وأستير سيليانو، وجاك هارون، وماركو إبن ماري السمن، المسيحية التي اعتنقت اليهودية، وتزوجت سليم مزراحي. ويهود وادي أبو جْميل ليسوا كلهم صهيونيين بالتأكيد، فلمع من بينهم المخرجة السينمائية اليسارية هيني سرور، والكاتب سليم تركية، أو سليم نسيب (وهو سوري الأصول)، وإيليا بصل الذي وصل إلى رتبة عقيد في قوى الأمن الداخلي اللبناني (ص 314). ومن باب الاستطراد في المعلومات، نتذكر المطربة المشهورة وداد، مع أنها لم تكن من سكان وادي أبو جْميل، بل من اليهود الذين أقاموا في بيروت حتى رحيلهم عن هذه الدنيا. واسم وداد الأصلي هو بهية فرج العواد من يهود حلب. وكان والدها قد عمل في فرقة أم كلثوم في القاهرة، وهناك تزوج مطربة مغمورة تدعى صالحة (إسكندرانية وربما تونسية)، وأنجب منها، علاوة على بهية (صار اسمها وداد)، مغنية تدعى نرجس (اسمها الفني أمل شوقي). وقد تزوجت أمل الملحن اليهودي اللبناني سليم بصل (اسمه الفني سليم شوقي)، ثم غادرا لبنان معًا إلى إسرائيل بعد حرب 1967. لنتذكر أيضًا، وهو ما لا نعثر عليه في الكتاب، المطرب اليهودي موسى حلمي، الذي هاجر في البداية إلى القاهرة، وعمل في حقل السينما والغناء، ثم عاد إلى لبنان في مطلع ستينيات القرن المنصرم، وعمل في مسرح شوشو (حسن علاء الدين). لكنه لم يلبث أن اختفى من بيروت بعد سنة 1967، ليظهر في إسرائيل. ولا ننسى الممثل اليهودي اللبناني الياس المؤدب (إيلي مهذب ساسون)، الذي ظهر في بعض الأفلام المصرية، ثم اندثر اسمه. وفي كتاب ندى عبد الصمد نعثر على أسماء طواها النسيان، أمثال جوزف فارحي، وسليم طرّاب، والدكتور حسني شمس (طبيب الفقراء)، وسليم مزراحي الشيوعي المهاجر من العراق، والذي هاجر إلى إسرائيل ليُقتل بصاروخ عراقي في سنة 1991. وموسى زيتون الشيوعي الملتزم الذي طُرد من الحزب الشيوعي لأنه يهودي. وموسى عبادي القادم من إيران، والذي غيّر اسمه إلى موسى حمداني. وما لم يرد في حكايات يهود وادي أبو جْميل قصة تنسب إلى تجار الأقمشة من اليهود، وهي أن التاجر اليهودي كان يُكثر، في أثناء إقناع الزبون بالشراء، من القَسَم: "بولادي برقبتي"، أي أنه لا يستطيع أن يُنزل سعر الذراع من القماش أكثر، ولذلك يحلف بأولاده، فيصدقه الشاري. وعُلم لاحقًا أن اليهودي كان يحلف بـ"البولاد" المعلّق في عنقه، أي المقص المصنوع من البولاد (الفولاذ)، لا بأولاده قط.




تروي ندى عبد الصمد أن الطائفة اليهودية ممثلة برئيس مجلسها جوزف فارحي طلبت في ثلاثينيات القرن الماضي من الرئيس اللبناني إميل إدة أن يكون لليهود مقعد نيابي في البرلمان (ص 14). لكن ما لم تذكره الكاتبة هو جواب إميل إدة الذي قال ضاحكًا للوفد اليهودي: لكنكم ممثلون جيدًا في لبنان، فأنا، كما يقال عني، يهودي، وفي هذه الحال أنتم لا تحتاجون إلى نائب في البرلمان، لأن واحدًا منكم صار رئيسًا للجمهورية. وفي الكتاب لمحات من سيرة شولا كوهين كيشك (شولاميت) التي اعتقلتها المخابرات اللبنانية في سنة 1961 بتهمة التجسس لمصلحة الموساد، وتهريب اليهود إلى إسرائيل بمشاركة نادي مكابي، ومنظمة بن تسيون، وحُكمت بالإعدام، ثم خُفض الحكم إلى المؤبد، وأُطلقت في سنة 1967 في عملية تبادل الأسرى. وكان معها في خلية الاستخبارات: محمود سعد الله عوض، وعلي نصرت العبد الله، وعلي حسن العبد الله، ومحمد حسن فايز العبد الله، وبهيج العبد الله، وموسى العبد الله، وألبير وألفرد حنا، وفيلمون درويش، وفكتور لافي (إيراني)، وروبير تولنشو (إيطالي)، وساسون سوفير (عراقي)، وعزرا شمعون (إيراني)، وراشيل رفول، وجورج مولخو (فرنسي)، وليلى مزراحي، وجورج أنطون.

تنقيحات وتصحيحات
ورد في الصفحة 88 اسم الحاخام يعقوب أتيه، والصحيح: يعقوب عطية. وفي الصفحة 120 جاءت على ذكر حادثة الجميزة في بيروت في سنة 1949، فقالت إن الاشتباكات التي وقعت آنذاك بين أنصار حزب الكتائب اللبنانية والحزب السوري القومي الاجتماعي أدت إلى إحراق المبنى الذي تقع فيه جريدة "العمل" الناطقة باسم حزب الكتائب. والحقيقة أن الكتائبيين هم الذين هاجموا في 9/6/1949 مطبعة ميشال فضّول في الجميزة وأحرقوها. وكانت تلك المطبعة تطبع جريدة "الجيل الجديد" التابعة للحزب السوري القومي، لا جريدة العمل. آنذاك كتب أنطون سعادة آخر مقالة له بعنوان "هشيم الطائفية يلتهب في الجميزة" (11/6/1949)، وغادر إلى دمشق، وكان بعدها ما كان. وورد في الصفحة 128 أن شارل حلو تولى رئاسة الجمهورية في لبنان بين عامي 1965 و1970، والصحيح: بين عامي 1964  و1970. ويرد في الصفحة 173 أن عيد الفصح اليهودي كان يوم عطلة رسمية في لبنان. وهذا غير صحيح، فهو عيد ديني يُعطل فيه اليهود وحدهم، وليس من الأعياد الرسمية التي تعطل فيه المؤسسات العامة. وتذكر الكاتبة في الصفحة 203 أن يوم كيبور، أو الغفران، يسميه اليهود "روش هشناه"، وهذا غير ذاك. فعيد الغفران يقع في التاسع والعاشر من شهر تشري العبراني، وفيه يصوم اليهود. أما روش هشناه فهو عيد رأس السنة العبرية، ويقع في اليومين الأول والثاني من شهر تشري، ولا يصوم اليهود فيه. إنهما عيدان مختلفان، وإن كانا متقاربين في الزمن بحسب التقويم العبري، والأيام العشرة بين يوم كيبور، وروش هشناه، هي أيام التوبة عند اليهود. ونقرأ في الصفحة 210 أن هنالك جبلًا في القدس يُدعى أبو غريب، والصحيح هو أبو غنيم (هار حوما).
يرد في الصفحة 235، ثم في الصفحة 239، كلام على أن المخابرات العسكرية اللبنانية كانت تضم في بدايات عقد الستينيات من القرن الماضي، أي في سنة 1961، عددًا محدودًا من الضباط، بينهم جميل لحود، وسامي الخطيب، وأنطوان لحد. والحقيقة أن اللواء جميل لحود أُحيل على التقاعد في سنة 1960، والمقصود إليه هنا هو غابي لحود، وليس جميل لحود. ثم إن أنطوان سعد هو الاسم الصحيح، وليس أنطوان لحد. وفي الصفحة 212، نقرأ الاسم شيلا كوهين، لكن في الصفحة 228 وما بعدها صار الاسم يُكتب شولا، وهو الصحيح، لأن شولا (وليس شيلا) هو تصغير لاسم العروس شولاميت المذكورة في نشيد الإنشاد المنسوب إلى سليمان. وفي الصفحة 234، يرد اسم أحد عملاء الجاسوسة شولا كوهين، وهو محمود عوض، وهو صحيح. لكن في الصفحتين 240 و241 يتغير اسمه إلى إبراهيم عوض، وهو غلط، وأخشى أن يلتبس الأمر مع اسم الصحافي اللبناني المعروف إبراهيم عوض. وثمة خطأ أيضًا في اسم شبكة القس جميل فرح (ص 244)، والصحيح: جميل القِرح بالقاف لا بالفاء. وهذا القس اعتُقل في سورية في 29/12/1961 مع زوجته فكتوريا العقاد، واعترف بعمالته لشولا كوهين، وأعدم شنقًا في سورية. وفي الصفحة 305، يرد ما يلي: "اليهود شعب الله المختار [...]. أما بقية الأمم فهم غوييم، أي أرواح حيوانات في أجساد بني آدم". وفي هذه العبارة "لخبطة"، فكلمة "غوييم" تعني "الأغيار"، أو الأمم الأخرى من غير اليهود، ولا تعني غير ذلك على الإطلاق. أما حكاية أرواح الحيوانات فهي من مزيدات التلمود وشروحه وتأويلاته، ولا علاقة لها بمعنى كلمة "غوييم". وفي الصفحة 309، ترد عبارة "عيد الحصاد أو عيد الخِيَم"، والعيدان مختلفان تمامًا، وليس هذا هو ذاك. فعيد المظال، أو عيد العُرُش (جمع عريشة) يدعى لدى اليهود سوكوت، ويقع في الشهر السابع من شهور السنة العبرية (10 تشري). أما عيد الحصاد، أو عيد الأسابيع (شبوعوت) فيحتفل اليهود به في اليوم التالي على مرور سبعة أسابيع على الفصح اليهودي، ويدعى عيد البواكير (بيخوريم)، أو عيد الخمسين (سبعة أسابيع تساوي 49 يومًا، واليوم الخمسون يكون يوم العيد)، وهو يقع في آخر أيار/ مايو، وأول حزيران/ يونيو، بحسب زحزحة المواسم الزراعية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.