"نكونُ هنا الآنَ أو لا نَكونْ/
لا أريدُ بلادًا يُغنّي لها الشعَراءُ/
ويَدعونها للحياةِ وهُم مَيّتونْ".
يلخّص هذا المقطع من إحدى قصائد زهير أبو شايب رؤيته لفلسطين، فلسطين القضية والسؤال المستمرّ والمتكرّر من أكثر من مائة عام. سؤال الوجود، وهو ليس أن نكون أو لا نكون، بل هو، كما يبدو في قصائد الديوان، سؤال "كيف نكون؟". فليس أمام الفلسطينيّ سوى أن يكون فلسطينيًّا... لا أقلّ، فإمّا فلسطينيّ أو لا شيء. وهذه رؤية زهير، سواء ذكر فلسطين بالاسم أو بالرمز، لكن فلسطين حاضرة في صور كثيرة.
مثل نهر الأردنّ بين ضفّتَين، تتدفق قصيدة زهير أبو شايب منذ أكثر من أربعين عامًا. تجري بين الشقيقتين فلسطين والأردنّ، تغتسل في مغطس المسيح، وتُجاري روحه في المحبة. كما لا تبتعد عن الميثولوجيا والأساطير الإنسانيّة، وفي مقدّمها الكنعانية، وهو في ديوانه الجديد "تاريخ العطش" (الدار الأهلية – عمّان) يستعين بنصوص من الكتاب المقدّس، ومقتطفات من شعراء العالم ليعزّز رؤيته للحياة ونقيضها الموت، يحضر هنا جلال الدين الرومي ورامبو وإيف بونفوا وغيرهم في مقاطع ذات معانٍ ودلالات.
تجربة وأسئلة
منذ ديوانه "جغرافيا الريح والأسئلة"، ظلّ زهير يحفر في زاوية السؤال الوجودي/ الفلسفيّ نفسه، يوسّع هنا ويضيف هناك. لكنه السؤال الذي يربط الوطن بالوجود، بالحياة والموت، بثنائيات الحب والجمال وما يقابلها. فكثيرًا ما تحضر المرأة عاشقة أو أنثى ذات طابع سرّي، أو في صورة وطن غامض. لكن الغالب هو حضورها الجسديّ، من شفاهها وأعضائها كلها. أعني صورتها الشبقيّة، وفضلًا عن ذلك فهي تحضر في صورة تحيل على المناخات الصوفية الروحانية.
يقسّم الشاعر ديوانه في خمسة فصول، وكل فصل عدد من المقاطع، ولكلّ مقطع عالمه، لكنها محكومة بروح واحدة. ينتقل الشاعر فيها بين قصيدة التفعيلة وقصيدة الشطرين والوزن والقافية بكلّ سلاسة. ينتقل بين اليوميّ والكونيّ، بين سؤال الوطن والوجود، يمزج بينهما. لا مجال للأسئلة كلها. تكفي نماذج وملامح رئيسة من الديوان، فهو عامر بالرؤى التي يتطلّب تحليلها دراسات مطوّلة. وسوف أستعين بشيء من "شخص" زهير الذي عرفته لأكثر من أربعين عامًا، معرفة عميقة عن قرب شديد جدًّا، أو أعتقد أنّني أعرفه. فحين أقرأ شعر زهير أشعر أنّني سمعته في لقاءاتنا وأحاديثنا الممتلئة بالشعر؛ شعر ننفث فيه عذاباتنا وأسئلتنا وأوطاننا وما تعاني من حكّامها ومن احتلالات صهيونية إمبريالية. حيث تختلط لدى زهير، وفي شعره، أسئلة الوطن بأسئلة الحياة. فليس اغتصاب فلسطين مسألة عابرة مرتبطة بعصابات فقط، إنه مرتبط بتاريخ مزيّف وأساطير وخرافات مرفوضة تاريخيًّا.
مع ملامح من الديوان
في الفصل الأول من الديوان بعنوان "يسيرُ داخلَ نفسِه" يستعير الشاعر من الكتاب المقدّس:
"بعد هذا رأى يسوعُ أنّ كلَّ شيءٍ قد كمُلَ، فلِكَي يتمَّ الكتابُ، قال: أنا عطشان... فملأوا إسفنجةً من الخلِّ، ووضعوها على زوفا وقدّموها إلى فمه" (29، 19 الكتابُ المقدّس/ يوحنا).
إنه شيء من تاريخ العطش الذي عرفه المسيح والإنسان الفلسطينيّ. عطش لم يكتبه أحد من قبل. ليس العطش إلى الماء، بل إلى الحياة بكلّ ما تنطوي عليه من حب. وفي القصيدة الأولى يحضر السؤال الرئيس عن "نحن" و"الآخر" العدوّ، سؤال عن العلاقة التي تحضر في غير قصيدة في الديوان، ويحضر الآخر بصفته "ابن العمّ" حينًا. فمنذ قصيدته الأولى "موتى قُدامى" يبدأ سؤال الذات والآخر: "ما من غدٍ يأتي/.../ أنَحنُ موجودونَ/ أم موتى قُدامى يملأون الذكرياتِ؟ ونحن مَن.../ مَن أعداؤنا/ ما هذه الأرضُ الّتي هي نحنُ؟" (لم يقل الأرض التي لنا، حيث العلاقة علاقة مُلكية، بل قال: الأرض التي هي نحن). "سيعلمُ الآتون من ليلِ الأساطيرِ القديمةِ/ أنّ بعضَ الظلِّ نحنُ/ وأنّ بعضَ الضوءِ نحنُ".
ويكرر الشاعر السؤال في صورة مختلفة فنقرأ: "نحتاجُ أن ننسى قليلًا مَن هم الأعداءُ/ .../ من أيّ الكوابيسِ يجيئونَ إلينا/ ولماذا زرعوا الغرقدَ في الفكرةِ؟". ومعروفة شجرة الغرقد والحديث النبويّ حولها حيث يختبئ اليهوديّ خلفها، ويتكئ الشاعر هنا على الخرافة المعروفة، فهي الشجرة التي تحمي اليهود في معركة آخر الزمان، بينما الأشجار الأخرى ستكشف عنهم. (وللعلم فإن هذا الحديث هو المصدر الوحيد لهذا الاعتقاد، وليس هناك أدلة علمية أو تاريخية تثبت أن شجرة الغرقد تمنحهم حماية مادية). لكننا هنا أمام لقاء ثقافة الشاعر وعلمه بالخرافة، وهما ما تصنعان الصورة الشعرية.
ويواصل الشاعر رسم صورة العدو قاتل المسيح في قصيدة "أنا وابنُ عمّي"، مخاطبًا السجّان قاتل أطفالنا أيضًا، يقول: "خرجتُ بكاملِ حلمي وحريّتي منك/ أكثرَ أجنحةً وجهاتٍ، ولم يبقَ في السجنِ بعدي سواك/ وأنتَ كما أنتَ منذُ ثلاثةِ آلافِ عامٍ/ تفتّشُ في التيهِ عن وطنٍ/ وإلهِ جنودْ! فماذا ستفعلُ ثانيةً بالمسيحِ/ إذا عادَ من بيتِه في السماء/ إلى بيتِه في الجليل، وعلّم أرواحَنا أن تعودْ؟!"... نحن هنا حيال علاقة اليهود بالمسيحية، علاقة شهدت تحوّلات تاريخية، وتجري كتابتها هنا شعرًا.
روح قروية وجودية
يمتلك الشاعر أبو شايب روحًا شاعرية قروية بأبعاد إنسانية، حيث القرية والريف منبع الحكايات والخرافة والأساطير، بلغة شعرية، وهذا من دون أيّ ذكر لقريته "دير الغصون" التي يذكرها في أحاديثه، ويذكر حكايات "شخوصها" كأبطال روايات حقيقيين. هو يذكرها شعرًا بكينونتها، وبكونها تمثّل فلسطين كلّها. وتتميّز "قرويّة" زهير بكونها تمتزج بفلسفة خاصة في الوجود، فلسفة ترى إلى الحياة من زوايا وأبعاد عدة، فهي ترى الله والأديان والفلسفات الأرضية، وتقرأ صور الإنسان في علوم النفس، وتستلهم هذه الصور في القصيدة. فهو شاعر يكتب قصيدته- حياته كما يعيشها، أو كما يتمنى أو يحلم أن تكون. فقصائده، في دواوينه كلها، هي نداءات أو أسئلة، يحضر فيها الوطن (فلسطين) بصور شتّى، لكنها غائمة، وكأنّه يتعمّد إخفاء الوطن في الوجود، ودمجهما معًا.
وإلى قرويته المؤسِّسة لشعريّته، تنفتح تجربة زهير على عوالم لا حدود لها، منها عوالم الأندلس المنسيّ، وعوالم صوفية نورانية، وصولًا إلى غزّة المحروقة بأطفالها وأهلها، في أيامنا هذه التي لم تشهد فلسطين وغزّة مثيلًا لها. وغزة هنا تجربة تستحق الوقوف عليها كتجربة إنسانية نادرة الحدوث في تاريخ البشرية، ولو في صورة واحدة من شهدائها: "ليلُ غزّة: فالشهداءُ يجيئون في كلِّ معركةٍ/ ليزوروا الحياةَ وأبناءَها/ ويقولوا لهم:
لم نمُتْ قطّ. نحن هنا في الحياةِ/ يموتُ من الصمتِ في كلِّ يومٍ، ويلعنُ عجزَه".
وعلى نحو شديد الغرابة، نعثر على تصوير حال جنين لم يولد ليكون شخصًا ما. لكن الحرب هي التي جعلته شخصًا وشهيدًا. هي صورة لم تتكرر في الشعر الفلسطيني:
جنين مجهول الهوية:
"الحربُ رأتهُ
ولم تتركْهُ يمرُّ إلى غدِه
هو لا أحدٌ
لكنّ الحربَ ستجعلهُ أحدًا
ليكونَ شهيدًا قبلَ ولادتِه،
ولا شيء سوى خَتمِ الحربِ على يدِه".
ولعلّ من أجمل استعاراته ما جاء من قصيدة "زورقٌ سكران"، وهي اسم قصيدة لرامبو، فيحاول أن يتناصّ معها وبعيدًا عنها: "اللهُ سوّاني لأجلكِ آدمًا/ واللهُ قد سوّاكِ لي حوّاءَ".
وأختم بما يستحضر الشاعر لصورة السمندل وأسطورته، بوصفه الطائر غير القابل للاحتراق، فهو معروف ككائن برمائي وكائن العزلة والظلّ، نظرًا لجلده السميك ومحتوى الماء المرتفع في جسده، حيث إن مركّباته الطبيعية تمنحه القدرة على مقاومة النار. وهو هنا في قصيدة الشاعر يجسّد صورة الفلسطينيّ الذي يعود من النار كما عاد النبيّ إبراهيم من النار. فنحن هنا أمام:
"مكانٌ صغيرٌ يعشّشُ فيه السَمَندَلُ/.../ كلّما مسّ ضوءٌ جبيني/ احترقتُ، وقمتُ كهذا السَمَندَلِ ثانيةً من رمادِ الحياةِ".


تحميل المقال التالي...