في كتابه الصادر عن دار "الشروق" للنشر في عمّان "اليمنيون في الأردن: التاريخ والملامح"، يتتبع الباحث اليمني عبد الرزاق محمد إسماعيل العمراني تاريخ وملامح تواجد اليمنيين في الأردن عبر هجراتهم القديمة الممتدة وتلك التي شهدها العصر الحديث والمعاصر منذ بداية القرن العشرين فصاعدًا، موثقًا ملامح من حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، حيث تتموضع أمكنة باتت معروفة بخصوصيتها اليمنية مثل: سوق اليمانية، حارة اليمانية، شاطئ اليمانية، وفي المقابل يستعرض الباحث أهم المشاكل المتعلقة بحياة اليمنيين في هذا البلد العربي مثل قضية التجنيس وغيرها.
يستهل العمراني كتابه بموجز للهجرات اليمنية في التاريخ القديم ودورهم في الفتوحات الإسلامية عبر ثلاثة فصول: هجرات اليمنيين قديمًا إلى بلاد الشام. القبائل والبطون اليمنية التي انتقلت إلى الأردن وشمال الجزيرة العربية. اليمنيون في الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام.
وفي السياق، يستعرض تراجم لبعض العائلات اليمنية التي هاجرت إلى الأردن بدايات القرن العشرين وتجنست، محاولًا دراستها وتصنيفها كأمثلة للجيل الأول من المهاجرين القدامى مع الإشارة إلى تاريخهم ودورهم الكبير في الجهاد دفاعًا عن فلسطين، ووازعهم القومي والديني لنجدة الأقصى المبارك ودورهم في تأسيس إمارة شرق الأردن، ودعمهم للأمير عبد الله عندما قدموا معه من الحجاز إبان الثورة العربية.
وأسهم قرب العمراني من اليمنيين في الأردن في أثناء عمله مسؤولًا عن الشؤون القنصلية في السفارة اليمنية بعمّان، في الاطلاع على ظروفهم وهمومهم والمساعدة في حل قضاياهم المختلفة، ومن هنا جاءت فكرة البحث في تاريخ الهجرات اليمنية القديمة إلى الأردن وبلاد الشام، وكذلك هجرتهم التي تمت في العصر الحديث والمعاصر، وصولًا إلى الهجرات المتأخرة- والمستمرة- حتى الآن. ومما دفَع لإنجاز هذا البحث؛ غياب دراسات تتناول اليمنيين في الأردن، عدا ما كتبه اللواء مصلح المثنى اليماني، الذي تطرق للموضوع في نهاية كتابه الشامل "تاريخ منابع الأنساب اليمنية" (2008)، والمتضمن معلومات عن بعض النماذج للعائلات اليمنية في الأردن، أوردها الباحث في كتابه هذا، وأضاف عليها نماذج أخرى من الأسر اليمنية، مما شكل حصيلة كافية للدراسة والبحث والتحليل.
ويقسِّم العمراني الهجرات اليمنية إلى الأردن، في التاريخ الحديث والمعاصر، إلى خمس هجرات: الأولى عام 1916، وهي: هجرة الوازع القومي التحرري، وكانت عندما هبّ أحرار العرب؛ تلبيةً لدعوة الشريف حسين بن علي، للتطوع في جيش الثورة العربية الكبرى. والثانية كانت في عام 1948 (هجرة الكفاح والجهاد المقدّس)، عندما هبّ اليمنيون إلى الضفة الغربية لنهر الأردن (فلسطين)، قادمين من اليمن ومن الحجاز، وفي معارك الدفاع عن فلسطين في ذلك العام، استشهد 22 يمنيًا في: القدس (1)، جنوب القدس (11)، حي الثورة (1)، الحرم القدسي (2)، النبي داود (5)، جبل المكبر (1)، دير الأرمن- القدس (1).
أما الهجرة الثالثة، فيطلق عليها الباحث "هجرة الصُدفة"، أو كما يسميها أصحابها (نُمَقدِس) والتي تبدأ من أداء فريضة الحج، ثم زيارة المسجد النبوي في المدينة المنوّرة، ومن ثمّ زيارة بيت المقدِس عملًا بالحديث النبوي الشريف (لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجِدي هذا والمسجد الأقصى).
والهجرة الرابعة، هجرة العمل، حيث توجهت مجموعة من اليمنيين خلال أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، في عهد الحكم الإمامي السابق في اليمن، للعمل في الأردن وبلاد الشام هربًا من الظلم والقهر والعوز.
أما الهجرة الخامسة، فهجرة الاغتراب غير المباشر لمغتربين يمنيين كانوا يعملون في دول الخليج في عام 1990 إثر غزو العراق للكويت.
القبائل والبطون المهاجرة
في عرضه للقبائل والبطون اليمنية التي انتقلت إلى الأردن وشمال الجزيرة العربية في التاريخ القديم، يعدِّد الباحث أسماء قبائل وبطون: "جذام والخزاعلة والديان والسكاسك والشبيكات والعغارات وأُذنية والبواريد والجماعين والحدادين والرشود والسليمان والسماعنة وشبل والشخانبة والعطويون والعفير والعناترة والعوران والعويدات والغيالين وفريج والقماقمة وقناب البرح والقواقزة واللصاصمة والمحارقة والمشاطبة والمشاعلة والمطارقة والمهيدات والمواضية والنميسات وهوير واليعاقبة".
كما توجد بالأردن، وفقًا للباحث، بعض القبائل والعشائر الأردنية التي لا يزال لها أصول وجذور في اليمن حتى الآن، مثل: عشيرة الزبيدي الأردنية التي تنسب إلى مدينة زبيد التاريخية اليمنية. وآل الدبعي نسبة إلى منطقة دُبَع في محافظة تعز، ولا يزال لهم أصول باليمن. وعشيرة القيسية الذين ينسبون إلى القيسيين الموجودين إلى يومنا هذا بمحافظة حجة اليمنية. وعشيرة العبادي الذين لا تزال لهم أصول يمنية بمحافظة إب. وآل الحجاوي نسبة إلى محافظة حجة اليمنية.
وفي تصنيفه وتحليله لنماذج العائلات اليمنية التي هاجرت إلى الأردن في بداية القرن العشرين، يذكر الباحث أن 492 موظفًا ومهنيًا، من الجيل الأول والأبناء والأحفاد اليمنيين، انخرطوا في وظائف ومهن حكومية بالأردن، 90 منهم عملوا في وظائف حكومية و85 عملوا ضباطًا وأفرادًا بالجيش الملكي و72 في التجارة والأعمال الحرة وآخرون في القطاع الخاص بينما توزع البقية على مهن ووظائف أخرى.
ويتتبّع الباحث أيضًا أعداد العمالة اليمنية الحديثة والمؤقتة وتوزيعها حسب المحافظات الأردنية والمهن التي يعملون بها حيث عمِل (في زمن إعداد الدراسة التي رأت النور في عام 2009)، 1192 عاملًا يمنيًا، 820 عاملًا منهم في عمّان من أصل 298 في عموم المحافظات الأردنية، و200 عملوا في مطاعم يمنية وأردنية بعمّان و525 بمصانع ومحلات تجارية في عمّان من أصل 689 في المحافظات كافة. وجاءت محافظة تعز اليمنية الأكثر في منابع الهجرة إلى الأردن ومن بعدها محافظة إب، ثم ذمار وحضرموت.
وكانت اليمن من أكثر الدول العربية التي تسهم في إنعاش السياحة العلاجية بالأردن، حيث بلغ عدد الذين سافروا للعلاج في تسعينيات القرن المنصرم 60 ألفًا، غير أن العدد أخذ يتراجع بعد ذلك، وصولًا إلى 30 ألفًا في 2008. ويعزو الباحث هذا النقص إلى عدم الالتزام بالأسعار المعتمدة حكوميًا، وارتفاع أسعار العلاج والمعيشة بشكل عام في الأردن في الأعوام الأخيرة. كما خلصت الدراسة إلى أن 88% من المرضى محل الدراسة "راضون عن مستوى الخدمات الصحية التي قدمت لهم".
ويلاحظ الباحث غياب أي حضور أو تأثير للأردنيين من ذوي الأصول اليمنية في الحياة السياسية والحزبية والنقابية بالأردن، إلا من بعض الحالات الاستثنائية.
ويشير إلى أن أغلب العائلات اليمنية في الأردن عمومًا وبخاصة القدامى منها، فضّلت أن تنتسب لليمن مباشرةً، وأصبح كل فرد منها يُلقّب باليماني اعتزازًا منهم بأصولهم اليمنية متناسين أصولهم المناطقية والقروية كونهم في الأردن يعدّون أسرة واحدة أو ما يشبه العشيرة الواحدة داخل المجتمع الأردني، إذ قُدِّر عدد أفراد من يُلقّبون باليماني حوالي 5 آلاف فرد من الجيل الأول والثاني والثالث.


تحميل المقال التالي...