}
عروض

"الوعد المشؤوم": في بطلان وعد بلفور وعدم قانونيته

محمود شريح

3 ديسمبر 2025
عادل بشارة 



د. عادل بشارة، المحاضر في العلوم السياسيّة في جامعة ملبورن في أستراليا، في جديده "الوعد المشؤوم: موقف سعاده من وعد بلفور" (دار أبعاد، مؤسسة سعاده للثقافة، 2025، في 256 صفحة من القطع الوسط، رفعَه إلى صديقه جان دايه)، يضيء على مقولة أنطون سعادة التاريخيّة في بطلان هذا الوعد واعتباره غير قانوني لِاستناده إلى فهم خاطئ للقوميّة وتفسير مشوّه للتاريخ، إذ كان واضحًا لسعادة أن ربط هذا الوعد اليهود بفلسطين لا يتناقض فحسب مع الأُسس الجوهريّة التي اشتملت عليها القوميّة السوريّة، ولكن أيضًا مع الحقائق التاريخيّة لطبيعة علاقة اليهود بفلسطين.

انطلق سعادة في تفنيده وعد بلفور بدءًا من عام 1931 حين عاد من البرازيل إلى بيروت فدمشق، وأشار من هناك في صحيفة "ألف باء" في ردّه الشهير على لويد جورج:

"تتكلّمون عن ‘فلاح العرب والمسيحيين‘ بسبب نجاح الحركة الصهيونية، أمّا الفلاح فسأعود إليه فيما يلي، وأمّا قولكم ‘العرب والمسيحيين‘ ففيه خطأ قد يعيّركم به باعة الجرائد عندنا، لأنّه لا يوجد في فلسطين (عرب ومسيحيّون) بل شعب هو جزء من الأمّة السوريّة التي تحمل رسالة تنصّ في جملة موادها على إنهاض العالم العربي أجمع".

أنطون سعادة، مؤسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي ومشرّعه وواضع دستوره، عاد من جديد في ذكرى وعد بلفور عام 1937 في صحيفة "النهضة" البيروتيّة، في ما يتعلّق بوعد بلفور وما تلاه من تأكيد مجلس عصبة الأمم عليه في صكّ الانتداب على فلسطين:

"إن هذا التصريح هو وعد يقيّد بريطانيا تجاه الصهيونيّين، ولكنّه يتعلّق بمصير شعب وردَ في المادّة الثانية والعشرين من ميثاق الجمعيّة الأمميّة بشأنه أنّه أحد الشعوب المستعيدة سيادتها من السلطنة العثمانيّة. وإيجاد توافق بينه وبين صكّ الانتداب الذي يجب أن يكون متّفقًا في الأساس مع البند المذكور من ميثاق الجمعيّة الأمميّة، هو من أغرب الشعوذات السياسيّة في التاريخ الحديث".

يردّنا د. بشارة إلى أن هذا الشعور السائد بأن فلسطين جزء من سورية كان أساسيًا في الخطاب القومي السوري منذ منتصف القرن التاسع عشر. والواقع أن الاعتراف المشترك بالهوية القومية شكّل أساس توصيات لجنة كينغ – كرين في ما يتعلق بسورية وفلسطين والعراق عام 1919، إذ حثّت هذه اللجنة على أن أي إدارة أجنبية في سورية – فلسطين يتوجب عليها الحفاظ على وحدتها، إذ: "كانت وحدة السكان الاقتصادية والجغرافية والعرقية واللغوية واضحة جدًا. فالبلاد عربية إلى حد كبير في اللغة والثقافة والتقاليد والعادات. ولا تكاد الوحدة على هذا النحو تعطي سببًا لافتراض ‘إحساس جماعة‘ منفصل للعرب الفلسطينيين في ذلك الوقت".

ويستشهد د. بشارة بكتاب المفكّر اللبناني جورج أنطونيوس (1892 دير القمر، 1942 القدس) الذائع الصيت "اليقظة العربية" - تاريخ الحركة القومية العربية- (بالإنكليزية: The Arab Awakening، نيويورك، 1938)، إذ رأى قبل عشر سنوات من كارثة فلسطين: "كانت فلسطين في نظر العرب أرضًا عربية تشكّل جزءًا لا يتجزأ من سورية، وعلى هذا النحو، كان لا بُدّ أن تبقى في منطقة الاستقلال العربي".

وقبل ذلك بعام كان ممثّل اللجنة العربية لفلسطين، جمال الحسيني، قد رفع مذكرة إلى وزير الدولة البريطاني لشؤون المستعمرات، أشار فيها إلى أن "فلسطين العربية وسورية العربية منطقتان تربطهما روابط الدم والثقافة التي تجعلهما واحدة بطبيعتها".

انتبه سعادة منذ 1925 إلى خطر وعد بلفور على بلاد الشام، ورفضه لأسباب قومية أساسية، لأنه فصل فلسطين عن بيئتها الطبيعية وطمس الهوية السورية للفلسطينيين باعتبارهم أبناء الجنوب السوري، واختزل الفلسطينيين إلى شعب "غير قومي" في انتهاك صارخ للمبدأ القومي. ومن هنا يلحّ د. بشارة على أن سعادة أرسى وعد بلفور في سياقه الزمني، فربطه باتفاقية سايكس – بيكو التي وُقِّعت قبل ستة أشهر فقط من إذاعة الوعد، فأعلن في صحيفة "الشمس البيروتية" بتاريخ 1947/11/12، عقب ثمانية أشهر من عودته من منفاه القسري لعقد في الأرجنتين، وقبل إعدامه بثمانية عشر شهرًا:

"إن وعد بلفور لم يكن الطعنة الأولى ولا الطعنة الوحيدة التي نُفِّذت في جسم الأمة السورية في ما مرّ من هذا القرن. فقد سبقتها طعنة ولحقتها طعنات".

ويصرّ د. بشارة على أنه، بصرف النظر عن عدم شرعية وعد بلفور وطبيعته السياسيّة، فإن رفض أنطون سعاده للوعد انبثق أساسًا من طابعه "القومي" المضمَر، ذلك أن خلوّ الوعد من الإشارة إلى إقامة "دولة" يهودية، وعلى الرغم من الأجندة الاستعمارية التي كانت الصهيونية تكنّها، إلا أن الوعد اعترف ضمنًا بالحركة الصهيونية كحركة قومية. ففي حين اعتبر هرتزل أن المسألة اليهودية موجودة حيثما يعيش اليهود بأعداد ملموسة، رفض سعادة هذه الفكرة واعتبرها ضلالًا خرافيًا ينطوي على سوء قراءة للتاريخ، ورأى أن اليهود ليسوا أمة بأي معنى كان، فهم لا بلد محددًا لهم ولا حياة اقتصادية مشتركة تجمعهم، فيما الأمة متّحد يرتبط بأرض معينة، خلافًا للمستجدات الأخرى مثل العائلة والقبيلة والطائفة. ووعى سعادة هذه المسألة باكرًا، ففي أثره النفيس "نشوء الأمم" (بيروت، 1938)، الذي سطّره وهو في سجن الرمل المركزي في بيروت، ألحّ على أن:

"لا أمّة على الإطلاق بدون قطر معيّن محدود. أمّا ما ذهب إليه إسرائيل زنغويل Israel Zangwill من أن الشعب اليهودي تمكن من الاحتفاظ بنفسه بدون بلاد، فمن الأغلاط الاجتماعية الفاضحة. فاليهود قد احتفظوا بيهوديّتهم الجامدة من حيث هم مذهب ديني. وقد أكسبهم دينهم الشخصي عصبية لا تلتبس بالعصبية القومية إلا على البسطاء والمتغرّضين. اليهود ليسوا أمة أكثر مما هم سلالة ‘وهم ليسوا سلالة إطلاقًا‘، إنهم كنيس وثقافة".

كتاب د. بشارة توكيد على أن اعتراض سعادة على وعد بلفور نابعٌ من إدراكه الخطرَ الذي يمثّله الوعد


يعلّق د. بشارة على مقولة سعادة في نشوء الأمم، فيرى أن ما يُسمّى بالقومية اليهودية هي فكرة عقيمة، وأنها من نسج الخيال الصهيوني، إذ إن الصهيونية ليست حركة قومية على الإطلاق بقدر ما أن ما يجمع اليهود ليس سوى أخوّة دينية.

كتاب د. بشارة ها هنا توكيد على أن اعتراض سعادة على وعد بلفور نابعٌ من إدراكه الخطرَ الذي يمثّله الوعد، إذ رأى سعادة أن الصهيونية، كحركة استعمارية، لن تكتفي بفلسطين وحدها كوطن لليهود، بل ستمتدّ مخالبها بشكل أوسع وأعمق إلى جميع أنحاء سورية. وقف سعادة وحده معتبرًا وعد بلفور مجرّد وعد سياسي ليس أكثر شرعية من وعود بريطانيا للعرب خلال الحرب العالمية الأولى، وأن بطلان الوعد الحقيقي يتعارض مع مبدأ القومية وتقرير المصير ومع الحقوق الأساسية للوجود القومي والسيادة القومية.

وكان سعادة في 29 أيار/ مايو 1949، وقبل ستّة أسابيع من إعدامه، قد وقف في منفّذية السيّدات في برج البراجنة يردّ على خطاب بن غوريون الذي كان قد أعلن فيه قبل أيام:

"سنجعل الحرب حرفة يهودية إلى أن يتم تحرير بلادنا بأجمعها، بلاد الآباء والأجداد، فالشعب اليهودي بأسره سيعود إلى الاستيطان في أراضي الآباء والأجداد الممتدة من الفرات حتى النيل". فأعلن سعادة على مقربة من مخيم برج البراجنة:
"أيها القوميون الاجتماعيون،
ذكّرني وذكّركم الرفيق (جبران) حايك، في كلمته عن كيفية انتمائه إلى الحزب القومي الاجتماعي، أمرًا لم أكن أنساه، وأعتقد أنتم أيضًا لم تنسوه ولن تنسوه. هذا الأمر هو ما أعلنته في رسالة 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، إذ قلت إن مقررات منظمة الأمم المتحدة لا يمكن أن تقرّر مصير الأمة السورية، وإنها في كل ما يعني مصير الأمة السورية باطلة، لا تحمل إلا الظلم والعدوان على الأمّة السورية وحقها في الحياة.
منذ ذلك اليوم والتاريخ يدور. وفي دوران التاريخ مرّت أحداث غيّرت أوضاعًا كثيرة على هذا المسطّح الذي يُعرف بسورية الطبيعيّة. قد نشأت في الجنوب الغربي دولة جديدة هي الدولة اليهوديّة، ومع أنّ الدولة الجديدة قائمة بالفعل، ومع أنّي كنت أوّل من أعلن وجوب أخذ وجود تلك الدولة بعين الاعتبار، فإنّ تصريحي في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 لا يزال قائمًا، لأنّه تصريح يربط إرادة أمّة حيّة بأسرها.
إننا قد أعلنّا بطلان تلك المقررات، ليس فقط من الوجهة الحقوقية الإنترناسيونية القانونية، بل من وجهة مبدأ القوة الذي يؤمّن حق أمة في الحياة.
وهذه الدولة الجديدة نشأت في الجنوب بفضل تفسّخ مجتمعنا النفسي، وبفضل المنازعة بين حكوماتنا السورية وانقسامنا بعضنا على بعض، بفضل هذه الأمور أكثر كثيرًا مما هو بفضل المهارة اليهودية الزائفة التي يقف أحد أبطالها اليوم يدّعي أنها هي ـ ونحن نعرف ما هي وما هو هزالها ـ التي أنشأت الدولة اليهودية.
إن الدولة اليهودية لم تنشأ بفضل المهارة اليهودية ولا بشيء من الخلق والعقل اليهوديين، إذ لا توجد لليهود قوة خلاّقة، بل بفضل التفسّخ الروحي الذي اجتاح الأمة السورية، ومزّق قواها، وبعثر حماسها، وضربها بعضها ببعض، وأوجدها في حالة عجز تجاه الأخطار والمطامع الأجنبية".

كتاب د. بشارة دلالة ساطعة على أن سعاده شدّد، على مدى نضاله الحزبي والسياسي من 1921 إلى 1949، على ضرورة التعامل مع وعد بلفور من منظور قانوني وقومي، وطرح مسألة الحقوق قناة أساسية للتصدي له، ومن هنا فنّد الوعد بمبادئ الحقوق القومية والحقوق التاريخية والعدالة الدولية لإرساء حجّة قوية ضد هذا الإعلان.


الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.