في ديوانها الثالث "الموت كما لو كان خردة" (2016) حاولت الشاعرة السورية وداد نبي تصوير أزمة العيش بين مدينتين عبر قصائدها؛ تساءلت عن جدوى الحب بين مدينتين، وعن معنى الاغتراب، وعن معنى الألم. وفي اللحظة نفسها يعيش الشعر في العالم العربي لحظة اغتراب شديدة، لحظة تُفقده أصالة تكوين قصيدة عن العالم الذي نعيشه، لحظة حوّلت الشعراء في العالم العربي إلى شعراء يكتبون القصيدة بصوت لا ينتمي لهم، صوت القصيدة المترجمة، الذي حوّل المكان الذي تنتمي إليه القصيدة إلى نقطة اغتراب ولا انتماء، سواء أكان هذا الشعر يناقش العالم من منظور ثوري أو رومانسي.
ولكن إذا كان الشعر إيروتيكيًا، فالأسهل هو الاعتماد على الشعر الإيروتيكي الغربي. أمّا في ديوانها "متحف الرغبة" الصادر عن "خان الجنوب" حديثًا، فتحيلنا وداد إلى رؤية عربية عن الرغبة والجنس، وعن جسد المرأة العربية ومخاوفها حيال التقدم في العمر. تلعب نبي مع المكان والزمن عبر الشعر، وتكتب الإيروتيكا من منظور أنثوي، وتتجاوز أزمة الهوية النسوية السلطوية التي تشهدها النساء العربيات في هذه اللحظة.
تصنع نبي من القصيدة مكانًا للأصالة، مكانًا يمكن عبره رؤية جديدة للشعر العربي، وتُفكّك –دون قصد– علاقتنا بالشعر المترجم، وتعيد صياغة علاقتنا بالتراث العربي عن الجنس والرغبة والحب. تكوّن عالمها الخاص عبر مناقشة الرغبة والحب والجنس والأمومة والموت، وتضع الشعر مرآةً ينعكس منها أن الرغبة جزء من الموت لا يفترقان، وأن الشعر وحده القادر على التقاط العلاقة بينهما، فتحوّل الشعر إلى متحف لا نرى فيه فقط ما عاشته في الماضي، بل في الحاضر والمستقبل.
أصالة الصوت
مؤخرًا أصبح الشعر العربي النسائي يعاني من تكرار الصور نفسها عن الحب، إمّا من الشعر المترجم أو من الشعر العربي القديم. الصور نفسها وإن اختلفت المفردات. هذا التكرار ربما يرجع إلى الخوف من الإدانة، أو الخوف من التمرد على السُلطة التي تدين الشاعرات وحدهنّ. يظهر هذا في تكرار المفردات القديمة عن الحب والإيروتيكا، كأن اللغة نضبت.
تكسر هذا وداد نبي في ديوانها "متحف الرغبة"؛ تتمرد نبي على اللغة القديمة، لا مواربة لأي شعور، ولا مواربة في استخدام الكلمة التي تعبّر عن الرغبة، تحت نطاق السُلطة المتخيلة التي تعيشها النساء العربيات. هنا فقط مساحة لإعلان الحب والرغبة والخوف، مساحة لأن تكون القصيدة وسيلة للتعري والخروج من الكهف. تبدأ ديوانها بقصيدة بعنوان "توهّج":
"بين ذراعيك، توهّجت، كما لو أنني كونٌ اكتُشف للتو، كما لو أنني مدينة أُضيئت كلها بالألعاب النارية، كما لو أنني بلاد قُصفت بالقنابل الفسفورية".
تبني عالم الرغبة على لحظة اكتشاف الحب. لحظة التوهج نفسها لا تقتصر على الوعي بالحاضر، بل بالماضي أيضًا، ماضي البلد الذي أتت منه الشاعرة، البلد الذي منحها أصالة الصوت. في كتابه "سبع طرق لقول تفاحة" الذي ترجمه المترجم والشاعر المصري أحمد محسن، يقول بنخامين برادو:
"ليست وظيفة القصيدة، كما قلنا، أن تتناول كل ما يشعر به الناس، إنما وظيفتها أن توقظ مناطق محددة في إحساس البشر، أن تحاول أن تكتمل بنفسها، أن تُغلق بجرة خط واحدة محيطها الخاص، إن كان لديها موضوع جيد ووجدت أسلوبًا مصنوعًا من الكلمات والنغم اللذين يناسبانه".
وربما هذا ما استطاعت نبي تحقيقه في "متحف الرغبة"؛ فهو لا يقتصر على كونه يداعب الماضي أو يحفظه كما هي عادة المتاحف، بل في متحفها تداعب الرغبة والزمن في الحاضر والمستقبل. مدينة كاملة تشيدها عن عالمها الخاص: عالم المرأة والأمومة والحب والخوف من فوات الزمن، في الجزء الثاني من ديوانها.
إيروتيكا جارحة
تجرحنا المدن التي نحيا بها، سواء كانت مدن طفولتنا أو مدن هاجرنا إليها. في "متحف الرغبة" تتكرر كلمة "المدينة" أكثر من مرة، لا شعورًا بالاغتراب أو المنفى، ولا للتعبير عن اتساع العالم وسرعته في المدينة كما هي عادة الأدب العربي في هذه الفترة، بل تحوّل وداد نبي هذا الاتساع إلى منزل تسكنه القصيدة. يمكن تسمية هذه المدينة التي تقصدها نبي في "متحف الرغبة" بأنها "مدينة اللذة"؛ لذة تقوم على قصائد شديدة التكثيف وذات خصوصية. تصبح هذه المدينة نافذة على عالم اللذة، فتكتب في متحف رغبتها:
"لا تُغلق النافذة، قمر حزيران يسطع على البحر المتوسط، فيما روائح رغباتنا تصل كل مطبخٍ في المدينة".
يصبح البحر والمدينة – وهما يحملان دلالة الاتساع– تعبيرًا عن زمن اللذة الممتد في أرجاء هذا الاتساع، ولكن من خلال ضيق جسدين فقط، ومساحة تحكمها هذه الإيروتيكا الجارحة وزمن الحب. في كتابه "جماليات المكان" يقول باشلار:
"ولكن هنالك كتبًا تمنح لأحلامنا – في اليقظة– مساكن لا حصر لها".
وربما هذا ما يمنحه "متحف الرغبة" عبر قصائد شديدة التكثيف لا تكتفي بأن تكون مسكنًا فقط، بل نافذة نطلّ منها على عالم آخر.
ذكورية حول زمن المرأة
النافذة التي كانت تطل منها المرأة على عمرها كانت في الأساس تتحكم فيها نظرة الشعراء الذكور لعمرها في الأربعين، ولجمال جسدها في المرحلة بين نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات. كانت هذه النظرة تمجد حيوية هذا العمر وفتنته. أما في "متحف الرغبة" فنطلّ من نافذة نبي على مخاوف المرأة في هذا العمر، سواء أكان هذا الخوف متعلقًا بعلاقتها بجسدها، أو بالخوف من التقدم في العمر، أو حتى الخوف من الأمومة في هذا السن. ولعل أبرز من كتب عن هذا الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
"سَيِّدةٌ تَتْرُكُ الأربعينَ بكاملِ مُشمِشِها"
في قصيدته الشهيرة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
في قصيدة "الأربعون" في "متحف الرغبة" تحيلنا نبي إلى أن هذا الديوان هو متحف الرغبات والخوف من فقد الرغبة والحب. تبتعد عن المفارقة الموجودة في الشعر العربي الحديث، وتتحرر منها، وتقول:
"مرحبًا أيتها الرغبة، عامي الأربعون يتفتح كبرعم في ربيع جسدك، حول أنفاسكِ، في فمكِ، فادخُليه برفق، كما لو كنتِ ذاهبة إلى مهد طفولتكِ./
عامي الأربعون الذي يسمونه رقمًا، ويسمونه تجربة، يسمونه بداية النهاية، لكنني أسميه: متحف الرغبات./
يا حب، هل تراني؟ كيف أقشر جلد عشاقك القدامى بين يديك؟ كيف يزهر الحب كبشرة رضيع في مائك؟ كيف تنمو رغباتي المتوحشة في رضابك؟/
يا أيها الزمن، ضم عامي الأربعين بين ذراعيك، وشاهد كيف أحطم صورتي القديمة، كيف أقطع بزجاجها أثواب الحرير التي قيدوا بها جسدي، كيف أفتح الأبواب الموصدة أمام رغباتي، شاهدني كيف أحطم الأصنام، لتولد هذه المرأة المشتهاة على سريرك كل صباح./
مرحبًا يا عامي الأربعين، يا متحف الرغبات، ارمِ كل معرفتك عن النساء في الأربعين، فهي محض أوهام رجال خائفين".
ربما تكون هذه القصيدة الأطول في الديوان، والأكثر ابتعادًا عن تكنيك التكثيف الذي تعتمد عليه الشاعرة في الديوان، لكنها القصيدة الأكثر تعبيرًا عن تحرر الشاعرة مما تخضع له النساء بخصوص عمر الأربعين من أفكار ومشاعر كتبها الذكور عن هذا العمر، وكذلك الأكثر تعبيرًا عن مخاوف المرأة من التقدم في العمر، لا بربط هذا بفقد الجمال كما هي الحال في الأدب العربي، بل بربطه بالخوف من فقد الرغبة بالحب.


تحميل المقال التالي...