في زمنٍ غلب فيه الصوت الواحد على ما سواه، وصارت الحقيقة تُروى من منصةٍ واحدة، بلغة واحدة، ونبرة واحدة؛ تأتي رواية "صلاة القلق" للروائي محمد سمير ندا (منشورات ميسكلياني، تونس، 2024م)، وهي الفائزة بجائزة البوكر العربية لعام 2025، لتقترح سردًا مختلفًا لا يبحث عن الحقيقة، بل عن تعدُّدها. في هذه الراوية، لا يتحدث راوٍ عليم بسلطة مطلقة، بل تتوزع السلطة السردية بين أصوات كثيرة، تمثل وجوهًا متعددة لواقع مشوش ومغلق، قائم على الإيهام والخوف والذاكرة المبتورة. الراوي الذي فقد لسانه لا يصمت، بل يُفسح المجال لألسنة أخرى تتكلم، لتبني سردًا جماعيًا لا ينشد التماسك بقدر ما يحتفي بالتعدد والتنافر.
لو نظرنا إلى الموضوع الذي تتناوله الرواية، وهو "القلق"، بوصفه انعكاسًا لحالة الانفصام بين الإنسان وعالمه، نتيجة الاضطرابات الاجتماعية والدينية والسياسية، لوجدنا أن الكاتب يقدم معالجة سردية فريدة يمزج فيها الفانتازيا بالتاريخ، ويتناول من خلالها تحولات الذات في سياق جماعي تُغذّيه المخاوف والسلطة الرمزية. كما يعيد مساءلة نكسة 1967 وما تلاها من "وهم السيادة" و"الشعارات الزائفة"، من خلال قرية معزولة تمثل نموذجًا مصغرًا لمجتمع مأزوم، يعيش على حدود الواقع بين الوهم والخرافة.
من البداية، يضعنا الكاتب مباشرةً أمام مشهد عبثي صارخ: "استيقظ الشيخ أيوب المنسيّ صباح اليوم، فلم يجد رأسه بين كتفيه. نال منه الوباء، فحوّل رأسه كتلةً عظمية جرداء خلَتْ من الشعر، وبدَتْ أقرب إلى هيئة الحصى منها إلى رؤوس البشر، بينما احتفظ جسده الطاعن بقوامٍ بشري يحاكي في خموله السلاحف، من دون أن يمتلك درقة الوقاية". هذا الاستهلال، الذي يقدّم موقفًا خارقًا بلغة باردة خالية من الانفعال والتفسير، يسلّط الضوء على أثر الحدث لا على أسبابه، مما يوقظ القلق في القارئ منذ السطر الأول.
ذكّرني هذا المدخل بمفتتحات روايات عالمية جذبتني منذ الجملة الأولى؛ أبرزها وأهمها "المسخ" لفرانز كافكا، تلك الرواية الشهيرة التي تبدأ بمشهد سريالي خاطف، يُطرح الحدث الغريب فيها بلا مقدمات، ويُعالج ببرود ساخر يربك المتلقي: "استيقظ غريغور سامسا ذات صباح بعد أحلامٍ مزعجة، فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرةٍ هائلة الحجم".
وتتقاطع معه أيضًا بداية رواية "الغريب" لألبير كامو، بجملته الصادمة والمربكة :"اليوم ماتت أمي. أو ربما أمس، لا أدري". كما تتجاوب مع افتتاح "مئة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز، التي تمزج بين الزمن الغامض والحدث الاستثنائي: "بعد سنوات طويلة، وأمام فصيلة الإعدام، سيتذكّر الكولونيل أوريليانو بوينديا ذلك المساء البعيد الذي أخذه أبوه للتعرف على الجليد".
هذا الاستدعاء للمفتتحات ليس مجرد مقارنة شكلية، بل هو إشارة إلى أن رواية "صلاة القلق"، بهذا العالم المتخيّل المتين في بنائه، وتلك الشخصيات المصقولة بعناية، يمكن أن تنتمي من دون ادعاء إلى إحدى هذه التيارات الكبرى: "العبثية الوجودية" لكافكا، أو "السريالية الاجتماعية" لكامو، أو "الواقعية السحرية" لماركيز.
تدور أحداث الرواية في عام 1977، في قرية نائية تُدعى "نجع المناسي" تقع في عمق صعيد مصر، والتي لا تذكرها حتى الخرائط الرسمية، تبدو وكأنها مسقطة من الزمن، أو مطمورة فيه. هذه القرية ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي شخصية روائية قائمة بذاتها، مغلقة على ساكنيها، تحاصرهم بحقل ألغام يمنعهم من المغادرة، يعيشون داخلها في ظلام معرفي خانق، لا يعرفون من العالم سوى ما يصلهم من شذرات غائمة عن "حرب لا تنتهي" تدور منذ نكسة يونيو/ حزيران 1967، وبينما تواصل الإذاعة بث أغاني عبد الحليم حافظ الوطنية؛ يقتنع الناس بأن "انتصارًا" قد تحقق في ذلك العام.
في ظل هذا التشويش والأمية المتفشية في النجع، يتعاظم الوهم ويغذّي الخوف الجماعي، خصوصًا مع اعتقادهم بأن قريتهم تشكّل خط الدفاع الأول ضد العدو الإسرائيلي. وهكذا، تُبنى على هذا التصوّر سرديات الحياة والموت، التي تُحرّك الشخصيات، وتعيد تشكيل واقعهم الداخلي والمعرفي.
تبدأ الرواية بسقوط جسم غريب من السماء يُعتقد أنه نيزك، أو قمر صناعي، يتسبب في وباء غامض يشوه أجساد سكان النجع، ويحولهم إلى سلاحف برؤوس صلعاء، مما يؤدي إلى حالة من الذعر والقلق القاتل، الذي تعايشوا معه في ما بعد بمنتهى التسليم: "وشيئًا فشيئًا، بدَا على الناس ارتضاء العيش برؤوس السلاحف. فأصبح أقل ضوءٍ يزعجهم، وأبسط صوتٍ يوتّرهم. لقد أخذوا من السلاحف مظهرها، وخمولها، لكنّهم لم يحظوا بما تحظى به من حماية وخصوصيّة. وبمرور الوقت، عاث في عقولهم وباء القلق".
لم يكن الوباء الذي اجتاح النجع مجرد عطبٍ في الأجساد الوليدة، ولا مجرد توالٍ غامض للفقد، حيث تختفي الأخبار عن الأبناء الغائبين في الحرب، ويُدفن المشوهون بصمت على يد الداية. كان هنالك ما هو أشد غموضًا؛ كلمات تُكتب باللون الأسود على جدران الدور، لا يجرؤ أحد على التلفظ بها، لا يُعرف كاتبها ولا توقيتها، لكنها تنطوي على فضح لما يُراد كتمانه. وفي قلب هذا الارتباك الجماعي، يظهر تمثال بلا رأس أمام دكان الخوجة، يربطه البعض بشخصية عبد الناصر، التي لا تزال صوره وشعاراته معلقة فوق الأعمدة، تبتسم للفراغ، وتراقب النجع من علوّ لا يبلغونه. وفي همس لم يجرؤ أحد على الجهر به، نُسبت إليه تلك الكتابات.
وفي محاولة لفهم وتفسير ما يحدث، يظهر الشيخ أيوب، إمام مسجد النجع الوحيد، وابن الولي جعفر، الذي عاد من الموت بعد دفنه، ويبتكر "صلاة القلق" كوسيلة للتكفير عن الخطايا، ورفع البلاء. يمثل الشيخ أيوب السلطة الدينية، وكيف يمكن أن تُستخدم لتبرير الأزمات. هذا الشيخ يُحيل إلى المؤسسات الدينية التقليدية التي تواصل الطقوس والعبادات بلا إدراك للتحولات العميقة التي يعيشها المجتمع. وبذلك، فأيوب ليس مصدرًا للحل، بل هو جزء أصيل من الأزمة:
"هو كاتم الصوت الذي دأب على امتصاص التذمّر في مهده، وهو وحده من صبغ الحرب الضروس بإطارٍ ديني يروّض آذان المتسائلين بعبارات عن القداسة والجنة ونصر الله القريب. هو من يربط على قلوب الملتاعين الباحثين عن مصائر أبنائهم، ما بين مُجنَّد لم يعد في إجازة منذ سنوات، ومُتطوّع انقطعت أخباره ولم تنقطع الأظرف المالية التي يرسلها إلى ذويه. هو الساتر الحقيقي أمام الغاضبين، وهو حامي الدولة ومُشرّع الحرب".
وتظهر شخصية خليل الخوجة بوصفها أكثر الشخصيات حركية وتعقيدًا، على النقيض من سكون الشيخ أيوب. إنه ممثّل السلطة السياسية في النجع، رجل غامض لا يُعرف له ماضٍ محدد، ظهر فجأة وكأنه خرج من جوف النسيان، أو من هامش التاريخ.
يمتلك خليل محلًا تجاريًا يُوفّر فيه كل ما يحتاجه سكان النجع، لكنه يتجاوز دور التاجر العادي، إذ يطبع صحيفة محلية تُدعى "صوت الحرب"، تُعدّ المصدر الوحيد للمعلومات حول العالم الخارجي. من خلالها، يرسم ملامح الحرب كما يشاء، ويحدّد للأهالي من هو العدو، ومن هو الحليف، وما الذي يُعدّ انتصارًا، أو هزيمة.
في هذا المقطع من الراوية نرى كيف تم رسم شخصية الخوجة، ومدى ما وصل إليه من صلاحيات واسعة:
"عقب صلاة الجمعة، وزّع على الناس طبعةً جديدةً من جريدة "صوت الحرب". كان يطبعها في صفحةٍ واحدةٍ باللّونين الأحمر والأسود، ويفسّر ذلك بأنّ الدولةَ ترشّد الإنفاق، فتُقلّل عدد الورق المطبوع، وتوفّر الحبرَ للأخبار العظيمة الوشيكة. والأغربُ من طباعة صحيفةٍ من صفحةٍ واحدةٍ هو إصرارُ الخوجة على أن يوزّعها ولدُه الأخرس حكيم على كلّ الدور في النجع، مع علمه بأن الغالبيّة العظمى من الأهالي لا يعرفون القراءة. لكنّه ظلّ حريصًا على أن يُطلِع الناس على صور الطائرات والدبّابات والصواريخ أولًا بأول".
يتحكم الخوجة كذلك في حركة البيع والشراء، ويشرف على تجنيد الشباب للقتال، مما يجعله في موقع مركزي يربط بين الاقتصاد والدعاية والسلطة. إنه لا يكتفي بإدارة النجع، بل يُعيد تشكيل وعي سكانه على صورته، ويُحكم قبضته على سردية الواقع التي يتلقونها ويعيشون وفقًا لها، حتى أنه بعد موت الزعيم جمال عبد الناصر أخفى الخبر عن الجميع، وصنع له تمثالًا ليصبح زعيمًا خالدًا، أضفى عليه ثوب القداسة فآمن الناس بذلك "حتى اقتنع الصنم ذاته بقداسته، فشرع يتجول بين رعيته ويعيث في رعيته رعبًا ومجونًا".
إلى جانب الشخصيات المحورية، تتشكل لوحة روائية مكتظة بشخصيات أخرى، مثل شواهي الغجرية، ووداد الداية، ونوح النحال، ومحروس الدباغ، وزكريا النساج، وعاكف الكلاف، ومحجوب النجار، وحكيم ابن الخوجة، والولي جعفر. شخصيات تنتمي إلى هامش الحياة، لكنها في الرواية تحتل مركز العالم. وكل واحدة منها تمثل بعدًا من أبعاد المجتمع، وتعكس صراعًا داخليًا بين الخضوع والمقاومة، بين الوهم والمعرفة، ننسحق معها، نتتبع أخبارها، ونلتمس لها الأعذار، حتى يصل الأمر بأن نرى أنفسنا فيها.
تنوعت أساليب السرد في الرواية بين تعدد الأصوات (الرواة المتناوبون)، وراوٍ عليم يتداخل أحيانًا مع تلك الأصوات، ليكشف بعض الخفايا، أو يفسّر بعض الأحداث، وقد جرى اعتماد "الجلسات" كإطار سردي أقرب إلى طقس جماعي للاعتراف أو البوح، ويتم التمهيد لكل جلسة بمقطع من أحد الأغاني الوطنية لعبد الحليم حافظ، عبر سنوات الحكم الناصري وبعده، ومن ثمَّ يتحول النجع إلى مسرح مفتوح للسرد، وتتحول الشخصيات إلى رواة يملك كل منهم جانبًا من الحقيقة، أو ما يظنه كذلك.
يتحدث في هذه الجلسات ثمانية أشخاص، يتناوبون على السرد بضمير المتكلم، كل منهم يروي من موقعه ومهنته، وهي مهن تنتمي إلى نسيج الحياة في المجتمعات المعزولة. يمنح هذا التعدد السردي الرواية بُعدًا دراميًا، ويحوّل النجع إلى فضاء خصب تتجاور فيه الحكايات مع الخرافات، والأحلام مع الكوابيس، في توليفة تُشبه الحياة نفسها حين تُروى من زوايا متعارضة ومتشظية.
نجد أن السرد فجأة يكسر نمطه بعد الجلسة الخامسة، ويبدأ الراوي في تقديم مشاهد من الخارج، ورصد ما يفعله هؤلاء حين لا يتكلمون. ثم تعود الكلمة إلى شواهي، الراقصة الغجرية، لتروي بضمير المتكلم، قبل أن ينقطع السرد مرة أخرى بمقطع مباشر عن "مناسك صلاة القلق". يعود السرد لاحقًا مع زكريا النساج، ثم ينتقل إلى جعفر الولي، ويُخيَّل إلى القارئ في لحظة ما أن التعدد السردي قد بلغ منتهاه. غير أن الرواية تُحدث قطيعة سردية مباغتة تكشف عن كاتبها الحقيقي، وذلك في فصل ما قبل النهاية المعنون بـ"هوامش كاتب الجلسات".
هذا الانكشاف لا يكتفي بإعادة تأطير الأحداث من زاوية جديدة، بل يعيد توجيه قراءة القارئ بأثر رجعي، ويُبرز تدخل الراوي كسلطة خفية ظلّت تدير خيوط السرد طوال الوقت، متنقلًا بمهارة بين الشخصيات ومواقفها، بما يشكّل تعليقًا على فعل الكتابة ذاته.
كأن الكاتب، بهذا التنوع في السرد وتعدّد الأصوات، أراد أن يمنح الراوي العليم الذي عاش بلا صوت؛ ألسنةً عديدة، وأصواتًا لم تستطع الحروب، ولا الخوف، ولا القلق، إسكاتها. لقد تمرد بذلك على زمن الصوت الواحد، والنبرة الواحدة، والنشيد الواحد، والصحيفة الواحدة.
تفتح رواية "صلاة القلق" أفقًا مختلفًا لفهم السرد بوصفه مقاومة، مقاومة للطمس، للتاريخ الرسمي، للمقدسات المفروضة، وللرؤية الواحدة للعالم. إن تعدد الأصوات في هذا النص ليس مجرد تقنية روائية، بل هو موقف وجودي وأخلاقي، تتجسد فيه الرغبة في إعادة الاعتبار للمهمَّش والمقموع والمسكوت عنه. هي رواية عن الإنسان حين يُجبر على أن يصدق كل ما يُقال له، لأنه لا يملك وسيلة للسؤال، ولا طريقًا للهروب، ولا يقينًا إلا في قلقه.
* شاعرة وروائية مصرية.


تحميل المقال التالي...