}
عروض

"الفقيه": الرواية التاريخية وتوازن التخييل والتوثيق

محمد الوردي

16 يوليه 2025


يسعى حسن أوريد، في مجمل تجربته الروائية، إلى تشكيل توجّه سردي، يؤلف بين اهتمامه بالتاريخ، وآرائه السياسية، ورغبته في إيصال مواقفه من خلال وسيط جمالي. لذلك أضحت الرواية عنده أداة تواصل ناعم، تُمرّر، أدبيًا، قضايا إنسانية وفكرية، ومواقف سياسية، بطرق خفيفة وغير مباشرة.

وفي هذا السياق، تأتي رواية "الفقيه"[1] مشابهة في فكرتها، لروايته السابقة، "الباشادور"[2]، حيث يقصد إعادة كتابة السير الذاتية لشخصيات تاريخية حقيقية، بتقنيات روائية تخييلية، تملأ فراغات التاريخ، وتمنح الشخصيات حياة سردية جديدة.

غير أن هذا التوجّه، يفتح الباب أمام سؤال جوهري: ما الحاجة إلى إعادة كتابة ما هو مكتوب أصلًا؟ ثم ما هي حدود التخييل والاختلاق، حين يتعلق الأمر بحياة شخصية حقيقية معروفة؟ وهل يملك الروائي حرية مطلقة في إعادة تشكيل الوقائع؟ أم إنه ملزم أخلاقيًا وعلميًا، بالتقيد بما سجل التاريخ، ما لم يكن ثمة فراغ يسمح بالتأويل؟ وكيف يمكننا قراءة مثل هذه الروايات التي تقع في منطقة رمادية بين التاريخ والتخييل؟

مضمون رواية "الفقيه"

تتمحور الرواية حول سيرة شخصية أحمد بن قاسم الحجري، المعروف بأفوقاي، وهو رجل أندلسي عاش في مرحلة سقوط الأندلس تحت الحكم النصراني، وقيام محاكم التفتيش، واضطهادها للمسلمين في النصف الثاني من القرن السادس عشر.

تتبعت الرواية نشأة الحجري في الأندلس وهو يخفي إسلامه ويدعي النصرانية، حيث عاش طفولة مترددة بين هويتين، الأولى مُعلنة والثانية مخفية، يقول: "كنت مسيحيًا إلى اليوم الذي علمت من والدي أن أصولنا المسلمة، لم يكن الأمر رجة فقط، بل مسؤولية. مسؤولية أن أصبح مسلمًا فعلًا، وأن أخفي عقيدتي" (ص: 28). لقد تقاطعت داخل الحجري الهوية النصرانية التي نشأ عليها ومارسها طيلة حياته، ثم الهوية الإسلامية التي اكتشفها وتعلق بها وحاول حمايتها، فعاش مهددًا بالحرق من محاكم التفتيش، وبعد هجرته إلى المغرب، عاش غريبًا أيضًا، ولم يتمكن من الانصهار تمامًا في الثقافة المغربية، وقد علقت به الكثير من خصوصياته الأندلسية التي اقتلع منها. لذلك نراه يستنكر مأساة التخفي والنفي قائلًا: "حتّام كُنا نستطيع أن نتستر على حقيقتنا؟" (ص:29).

ولعل أبرز معالم التشظي الهوياتي في الرواية، تلك الأسماء المركبة لشخصياتها، والتي تحمل بقايا عربية وإسبانية في آن واحد. فالبطل له اسمان، بيدرو وأحمد، لكل اسم منهما فضاء وثقافة، وهو ملزم بالخضوع للسلطة، وإخفاء هوية وإظهار أخرى. هكذا صنعت الرواية معادلة مأساوية، الهوية المسلمة، مقابل الحياة والأرض. وفي الوقت الذي انهارت زهرة أخت البطل، وخضعت للهوية النصرانية المفروضة عليها، قاوم أحمد من أجل الحفاظ على إسلامه، إلى أن رحل إلى المغرب. وحينها، لم ينته اغترابه كما توهم، بل عاش الرفض والإقصاء مع أهل الأندلس، الذين طُردوا بدون أن يتقنوا العربية أو يعرفوا شيئًا عن الإسلام، فعاشوا مطرودين من الأندلس والمغرب، فلا هم مسيحيون معترف بهم، ولا هم مسلمون يتقنون الإسلام واللغة العربية.  

وهكذا صوّرت الرواية محنة الطرد والنفي المزدوج، النفي من الوطن الأصلي، والحياة في الهامش داخل وطن غريب ومختلف، يقول السارد عن أحد الأندلسيين المطرودين: "كيف لبلامينو أن يلتئم مع نظام الحياة في بلاد البربر، أو بلاد المغرب، هو الذي لم يغادر قبل قريته من وادي أيورا؟ نُصّر فتنصر، وهل كان مسلمًا أصلًا لكي يصبأ؟" (ص:170). وقد أمعن السارد في وصف معاناة الاغتراب والنفي، حين صوّر نظرة المغاربة للوافدين من الأندلس: "كانت ساكنة سلا القديمة تنظر إليهم نظرة زراية وتوجس، وتنعتهم فيما هو استصغار وقدح، بمسحيي قشتالة، أو فيما هو تورية بمسلمي الرباط..." (ص:223). وهكذا تنامى الشعور بالاختلاف ليضاعف محنة الطرد والنفي، ويرسخ الشعور بالاقتلاع والاغتراب. وقد ختمت الرواية بنداء، يلخص امتداد محنة الطرد والاغتراب، حيث ناشد السارد إسبانيا بأن تعيد الاعتبار للمطرودين من الأندلس، في سياق تأكيد الرغبة القائمة في العودة إلى الوطن المفقود، يقول السارد: "وكم ستكون إسبانيا عظيمة إن عمدت في يوم ما إلى استعادة أبنائها... آنذاك ستختفي كل الآلام التي عانينا كما تبدّد الشمس الغمام، حركة بمثابة تكفير عن المآسي التي تعرضنا لها. التفاتة من أجلنا ومن أجل إسبانيا ومن أجل علاقة هادئة بين العدوتين..." (ص:300).

الرواية بوصفها كتابة ثانية

افتتح حسن أوريد الرواية بإشارة إلى أنها إعادة لكتابة عمل سابق له باللغة الفرنسية عنوانه "Le Morisque" والذي تُرجم إلى العربية، ترجمة لم تُرضه، فقرر أن يعيد كتابته بالعربية، لا ترجمة بل إنشاء جديدًا، هذا ما يجعل الرواية طبقة ثالثة من النصوص، فهي كتابة أدبية معاصرة، لسيرة تاريخية أصلية كتبها الحجري عن نفسه في مؤلفه "ناصر الدين على القوم الكافرين"[3]، وقد سبقها نص تخييلي باللغة الفرنسية. ويظهر من هذا أن حسن أوريد يُلح على فكرة الصياغة وإعادة الصياغة، حيث فقدت حكاية الحجري جاذبيتها عندما انتقلت من الفرنسية إلى العربية، كما أن النسخة الأصلية التي كتبها الحجري، كانت في حاجة إلى التخييل لتتجدد وتصير ملائمة للقارئ المعاصر، لكن هل هناك غاية من تأكيد مرجعية الأحداث في صناعة نص تخييلي؟ أم إن الكاتب يقصد تشويش ذهن المتلقي بنصّ يتردّد بين الحقيقة والخيال، بحيث يقدم أحداثا مؤثرة وقابلة للتصديق المرجعي، وفي الوقت نفسه، يصنع امتدادات معاصرة لهذه الحكاية، من حيث الأسلوب والرؤية المعاصرة لقضايا مثل الوطن والهوية المتعدّدة، بل وتحيي جذور نزاعات الجوار الممتدة بين المغرب وإسبانيا.

وبالرغم مما قد يثيره تداخل التخييل والتاريخ، في بناء الحبكة الروائية، من تردد وارتياب لدى المتلقي، فإنه يتيح للروائي أن يصنع رؤية بديلة للتاريخ، تنقل السؤال من: "ما الذي حدث؟" إلى سؤال: "ما الذي يُحتمل أنه حدث؟" وهذا التحوّل من الحدث الموثّق إلى الحدث البديل، هو تحوّل من التوثيق إلى التخييل. والرواية بهذا المعنى، تُسهم في بناء وعي جديد بالتاريخ من داخل تجربة فردية حقيقية، وهذا ما يجعل القارئ أكثر قربًا وتعاطفًا، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمأساة جماعية كبرى، مثل طرد المسلمين من الأندلس.

إن تجسيد المأساة من داخل وعي الشخصية، وتمكينها من التعبير عن مشاعرها وأحلامها وخيباتها، يجعل التأثير مضاعفًا. ولأن القارئ يُدرك أن شخصية الحجري عاشت فعلًا هذه الوقائع، فإن استيعابه للألم يصبح أعمق، خاصة وأن آثار الأندلس ما زالت حاضرة، تُذكرنا بما فُقد، وتُبقي الجرح مفتوحًا في الذاكرة الجماعية.

إن الرواية التاريخية تكتسب فعالية أكبر في إحداث الأثر البليغ، حيث تشعرنا بأننا نقرأ عن تجربة إنسانية حقيقية نابضة بالحياة، وهكذا يزيد قربنا من الشخصية ويتضاعف شعورنا بالمأساة وقابليتها للتكرار في وقتنا الراهن. فالقارئ يتعاطف أكثر مع ما يقتنع بأنه حقيقي، بينما تخف تفاعلاته العاطفية كلما تذكر بأن مضامين السرد من اختلاق الكاتب وتخيلاته.

الشكل واللغة

اختار أوريد في "الفقيه" أسلوبًا لغويًا هادئًا، ينسب إلى السارد أحمد بن قاسم الحجري، حيث يُشعرنا بأنه يحكي قصة حياته بضمير المتكلم، ويصف الأحداث التي شهد عليها، سواء في ذلك محنة الأندلس، والتقلبات السياسية في المغرب، بعد التحاقه بمراكش وتقربه من السلطان. وقد كان الأسلوب، في الغالب، أقرب إلى السرد التوثيقي، المزاوج بين الذاتي والتاريخي، وقد برز الإيقاع البطيء، الذي قد يدل على رغبة السارد في تعميق النظر والتأمل في مأساة الإنسان الأندلسي، بالرغم من أن الرواية تتضمن الكثير من الرحلات، التي تتسم بالتحوّل وقد تستحمل تسريع الإيقاع السردي، الذي بلا شك قد يضيف للنص حماسا وجاذبية أكثر. وعمومًا، يلاحظ أن الانتقاء السردي، كان موجها بمحطات جغرافية مر منها السارد من الأندلس إلى مراكش، ومنها إلى شمال أوروبا، وعودة إلى مراكش ثم سلا ثم إلى الحج وتونس الذي اتخذها مستقره الأخير.

إن الرواية تقدم أحداثها في خطين سرديين، الأول خارجي، متعلق بتحوّلات السارد بين البلدان والثقافات، والثاني داخلي، يصوّر محنة النفي والبحث عن الهوية والانتماء البديل. وقد يستحمل كل خط إيقاعًا سرديًا مختلفًا، فالأحداث الحركية المتعلقة بالرحلات والطرد والهروب، ربما من الأفضل أن تكون أسرع وأكثر دينامية من المحطات التأملية التي تستدعي العمق والهدوء.

ومن جانب آخر، يُلاحظ أن الرواية كُتبت بلغة فصيحة وبليغة، لكنها مع ذلك، تثير سؤالًا مهمًا: هل يروي الكاتب الأحداث بأسلوبه؟ أم يحاول محاكاة صوت البطل التاريخي؟ من المعلوم أن الحجري لم يكن متمكنًا تمامًا من العربية، وكانت لغته أندلسية هجينة، فهل كان من الأجدر أن تأتي الرواية بلغة تعكس هذا التوتر بين العربية والإسبانية، لتعبّر بصدق عن اهتزاز الهوية، أم إن المنزع الأدبي كان أقوى، في تغليب الأسلوب الفصيح، على التصوير السردي المقنع؟

إحالات: 

[1] المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2025.
[2] المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2024 (تعيد الرواية كتابة سيرة "أبو القاسم الزياني" الذي عاش بين القرنين 18 و19).
[3] منشورات تطاون أسمير، تطوان، 2019.


الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.