}
عروض

عن مأزق "الحل الصهيوني" لـ"المسألة اليهودية"

مدخل
يؤشر كتاب "المسألة اليهودية في عصر الطوفان" للدكتور الحبيب الشوباني (286 صفحة، في طبعته الحادية عشرة الصادرة عن دار الخيام 2025)، على رواج الكتاب، وكثرة الطلب عليه.
يبحث الكتاب في تاريخ المسألة اليهودية، الذي يشكل معضلة كبيرة في سياسة أوروبا لقرون عدة، حيث شكل المكون اليهودي قلقًا مستمرًا للحضارة المسيحية الأوروبية لأكثر من ألفي عام، وصولًا إلى ميلاد الحركة الصهيونية في سياق بحث اليهود عن هُويتهم الدينية، وبحثهم المستمر عن مكان يلمّ شعثهم ويجمع شتاتهم.
توزعت مادة الكتاب على ثمانية فصول وخاتمة لخّصت، بشكل محكم، التحولات التاريخية لليهود، وتياراتهم، ووجودهم في أوروبا، مع الغوص العميق في تمفصلات الصيرورة التاريخية لاستعراض مأساة اليهود في أوروبا قبل عصر النهضة الحديث، حيث عاشوا في ذل ونبذ مستمر، حتى نشأة الدولة الحديثة في أوروبا ونهوضها، منذ معاهدة وستفاليا؛ عندما تحولت وضعية اليهود من النبذ والاضطهاد إلى الاستيعاب والاندماج في عصر المساواة، وخدمتهم خبرة النبذ فأخرجت منهم قوة عاملة حيوية وطموحة، وذات خبرات في جمع المال، وإقامة الخدمات، والتوفير... ومع أنه لم يكن لهم سابقًا حق التملك العقاري في المدن الكبيرة فقد دخلوا السوق بسرعة فائقة، واستفادوا من خبرتهم في كنز المال والتعامل بالربا في مراكمة ثروات سريعة.
وكما ساهموا في فكر النهضة وفلسفته ساهموا أيضًا في نشأة الحركات والمنظمات في ظل الدولة الحديثة؛ فانتقلوا من حياة الجماعات المضطهدة إلى ميلاد "الحركة المضطهدة". وباستثمار قوة المال والمعرفة، منحت قيم الانعتاق والتحرر للحضور اليهودي في مجال السياسة والحكم تناميًا متسارعًا للنفوذ الموجه لسياسات الدول الكبرى وصناعة قراراتها الاستراتيجية، على الرغم من أن ذلك لم يكن يسير بالسرعة نفسها في كل بلدان أوروبا... فقبل هذه التحولات كان اليهودي يعرف بدينه حصريًا (أي كونه يهوديًا أولًا وأخيرًا)، لكن مع التحرير صارت لليهودي صلة قرابة قانونية بالوطن تمنحه حق أن يعرف بصفة اليهودي الفرنسي، أو اليهودي الروسي، ومع الوقت أضحت صيغة "فرنسي ذو ديانة يهودية" أكثر تحضّرًا!... اللافت للانتباه أن "العناد اليهودي"، حسب مفهوم أبرونو باور، في كتابه "المسألة اليهودية"، جعل عصر التنوير يطوي صفحة القرون الوسطى بمآلين متعارضين: أولًا، مآل تحرر اليهود من الاضطهاد المسيحي، لكن من دون تفريط غالبيتهم الساحقة في دينهم. وثانيًا، مآل تحرر غالبية المسيحيين من عدائهم لليهود ولدينهم أيضًا: بعبارة أدق وأوضح: لم يشكل التنوير إصلاحًا لأعطاب المسيحية وتهذيبًا لانحرافاتها؛ بل قام بشبه إبادة ثقافية لها... وفي المقابل، شكل التنوير عصر ترسيخ لسيادة الهُوية اليهودية المستقوية بمكتسباته على المسيحية المهزومة في عقر دارها.

مفاهيم أساسية في وعي المسألة اليهودية
حاول مارتن لوثر استمالة اليهود للمسيحية عبر عدد من كتبه، ولما فشل هاجمهم (Getty)


حاول الكتاب الإجابة عن جملة من الإشكالات المرتبطة بالمسألة اليهودية، حيث يطلق مصطلح "المسألة اليهودية"، أو "المشكلة اليهودية" على النقاش الخاص بجدل المواقف الواجب اعتمادها في التعامل مع يهود أوروبا، باعتبارهم مجموعات عصية على الاندماج في المجتمعات المسيحية، نشأ هذا النقاش الخصب بأبعاده الدينية والفكرية والسياسية والقانونية في ألمانيا، في القرن التاسع عشر، ثم انتشر منها نحو باقي المجتمعات الأوروبية، حيث تعيش جماعات يهودية كثيرة ومتنوعة.
تاريخيًا، ثار هذا النقاش الخاص بعلاقة اليهود بالمسيحيين، بسبب عائقين دينيين كبيرين؛ يحولان دون اندماج أتباع الديانتين وتعايشهما بشكل طبيعي: أولًا، عائق نظرة المسيحيين لليهود؛ لأن المسيحيين يجرّمون اليهود تجريمًا أبديًا بسبب اتهامهم بصلب المسيح (الإله ـ في اعتقادهم)، فقد تحولت جريمة قتل المسيح إلى تهمة تلاحق اليهود، في المجتمعات المسيحية، وصاحبتها عقيدة ـ وتصوّر ـ عن اليهود بأنهم مصدر الشرور والآثام، مما اضطر اليهود للعيش في معازل (غيتوات) خاصة بهم!




ثانيًا: عائق نظرة اليهود للمسيحيين؛ لأن اليهود يَعدّون المسيحيين من جنس الغوييم/ الأغيار، وهو اعتقاد توراتي استعلائي ينظر به "شعب الله المختار!" لباقي الشعوب نظرة دونية، من داخل مجتمع يهودي يتصوره طاهرًا ومغلقًا ومتعاليًا بنرجسيته الدينية!

الثورة الرقمية تعولم مشاهد الهولوكوست
في الفصل الثاني حاول الكاتب أن يقدم استعراضًا لمعالم الجريمة الصهيونية الماثلة، التي يشاهدها العالم أجمع؛ حيث مكنت ثورة التواصل الرقمي من النقل الحي والمباشر لفظاعات معسكر الاعتقال والإبادة الجماعية في غزة، وهو نقل مباشر صَنعَت به مشاهد "الهولوكوست الفلسطيني" وجدانًا إنسانيًا عالميًا موحدًا، وعابرًا للحدود والثقافات... ولقد أدى التقاسم اللحظي لملايين المَشاهد الحية من الهولوكوست الفلسطيني إلى توحيد مشاعر الذهول والاشمئزاز لدى شعوب العالم ضد ممارسات الصهيوني النازي الجديد؛ لتفجّر مشاهد التوحش في إبادة المدنيين مشاعر الكراهية النفسية العميقة ضد الصهيوني المخادع.

أسئلة مفتاحية لفهم تاريخ ومآلات المسألة اليهودية في عصر الطوفان
للإجابة على مجموعة من التساؤلات المفتاحية المنهجية والجوهرية، اخترنا صياغة مادة هذا الكتاب وفق مقاربة فكرية تتصدى لاستشراف المآلات الاستراتيجية للمسألة اليهودية في عصر الطوفان. وسيقودنا تجميع وتركيب الإجابات المحصلة للأسئلة المطروحة لوعي تحولات ومآلات المسألة اليهودية، تاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا، وهو ما سيسعفنا (يقول المؤلف) في بناء سردية منسجمة وذات مصداقية علمية، لمأزق الحل الصهيوني وبعده الوجودي في السياق الطوفاني الجديد.
لقد انتهى واقع المشروع الصهيوني إلى مأزق وجودي لا يخطئُه نظر التحليل الاستراتيجي الرصين، كما أن الصراع مع المشروع الصهيوني أخذ بُعدًا حضاريًا إسلاميًا واضحًا، بعد ضمور بُعده القومي العربي... يعضُد هذا الضمور ويدل عليه حالة الوهم والتفكك التي انتهى إليها النظام الرسمي العربي، لدرجة تماهي بعض مكوناته مع المشروع الصهيوني بالخضوع والتحيّز إلى جانبه!

تمفصلات أساسية في صيرورة تاريخ الطبيعة المأساوية للمسألة اليهودية
يستعرض الكاتب في هذا الفصل حالة المأساة اليهودية؛ فقبل حوالي عشرين قرنًا، كانت المجتمعات الأوروبية تعيش حياة دينية مسيحية أكثر انسجامًا، قبل أن تنشأ فيها حارات/ أحياء/ غيتوهات/ ghettos لليهود، وتتوسع فيها تجمعاتهم المعزولة بسلطة النبذ والإكراه؛ لأن اليهود في اعتقاد عموم المسيحيين مُذنبون ملاحقون بجريمة "قَتل الرب"، وهم بذلك ليسوا مذنبين فقط، في مخيالهم الشعبي العام؛ بل قادرون على ارتكاب أسوأ الجرائم والشرور!!

المسألة اليهودية من خلال نصوص ثقافية وسياسية أوروبية شهيرة
يستعرض الكاتب في الفصل الخامس عددًا من الأعمال الروائية والأفلام التي كتبت إبان القرون الأربعة الأخيرة من الألفية الثانية، والتي عكست الحقيقة الفعلية لحالة نبْذ اليهود، التي كانت ممارسة واقعية في مجتمعات أوروبا المسيحية.
وأهم هذه الأعمال مسرحية ويليام شكسبير "تاجر البندقية"، التي تدور أحداثها في مدينة البندقية الإيطالية، وقد ضمنها صورة سلبية للتاجر والشخصية المتصفة بالغدر والخيانة.
وإضافة لهذه الرواية، استعرض الكاتب الوثيقة التاريخية الهامة للأب غريغور لبرلمان الثورة الفرنسية "الكائن المضطهد"، وهو نص وزعه غريغور على أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية، داعيًا فيه لمزيد من إنصاف اليهود المضطهدين في فرنسا وأوروبا، وقد كان لهذه الوثيقة دور كبير في التحول الذي دفعت به الثورة الفرنسية للحياة الأوروبية الجديدة؛ حيث اتجهت لمزيد من تقليص الفوارق، وتحييد دور الدين في الحياة العامة للدولة الجديدة، وهو النهج نفسه الذي ستسير عليه دول أوروبا من بعد ذلك.

الأصول الدينية والسياسية للحل الصهيوني للمسألة اليهودية
من حقائق التاريخ المؤكدة أن أول دعوة دينية لهجرة اليهود إلى فلسطين وتجميعهم في "وطن قومي" هناك خرجت من ألمانيا في القرن السادس عشر. صاحب الدعوة لم يكن سوى "رجل الدين" المتمرد على الكنيسة الكاثوليكية، ومؤسس المذهب المسيحي البروتستانتي الكاهن مارتن لوثر/Martin Luther (1483 ــ 1546). ألف لوثر ستة كتب أشهرها كتاب "عيسى وُلد يهوديًا"، وكتاب "روما والقدس" سنة 1520م، دعا فيهما إلى التبرؤ من العقيدة الكاثوليكية، بالكف عن اضطهاد اليهود، وضرورة إقامة علاقات صداقة معهم. كما دعا إلى الانفتاح على اليهود لقبول المسيحية (البروتستانتية الجديدة) تمهيدًا لدعوتهم إلى اعتناقها.
أيضًا، شرح لوثر النبوءات والأسس الدينية الموحية بضرورة العمل على "عودة اليهود إلى فلسطين"؛ والحقيقة أنه ألف هذه الكتب طمعًا في تحول اليهود للمسيحية، "لكنه لما يئس في أواخر حياته منهم، ألف كتابه السادس والأخير في شتمهم، تحت عنوان: ’اليهود وأكاذيبهم’"، ولهذا انشقت الكاثوليكية عن البروتستانت تمييزًا من هذه "الانتكاسة" تجاه اليهود. وقد عقد اجتماعًا أراده أن يكون تاريخيًا سنة 1997 بمناسبة مرور مائة عام على مؤتمر "بال" برئاسة تيودور هرتزل، في القاعة نفسها التي عقد فيها هرتزل مؤتمره، وحضر الاجتماع اللوثريون والكاثوليك من البروتستانت من أجل الاعتذار لليهود على شتم مارتن لوثر لهم.

في تفكيك وإعادة تركيب الأساطير المؤسسة للحل الصهيوني للمسألة اليهودية

إطلالة غيتو يهودي في وارسو عاصمة بولندا على العالم خارجه (Getty)  


في الفصل السابع يستعرض الكاتب الكتابات النقدية التي قدمها غير اليهود، مشيرًا إلى أنه: منذ أن بدأ التفكيك النقدي الحديث لسرديات "الحل الصهيوني للمسألة اليهودية" في علاقته باحتلال فلسطين احتلالًا استيطانيًا عنصريًا، لم تقتصر دراسة وتحليل ظاهرة الأساطير المؤسسة لهذا "الحل" على عمل المفكرين غير اليهود، من أمثال الجزائري مالك بن نبي في كتابه "المسألة اليهودية" (1952)، والمغربي إدريس الكتاني الذي خصص في كتابه "المغرب المسلم ضد اللادينية" (1958)، فصلًا للمسألة اليهودية، والفرنسي روجيه غارودي في كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسات الإسرائيلية" (1986)، والمصري عبد الوهاب المسيري في موسوعته الضخمة (من 8 مجلدات) "اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد" (1999)، وكتابه "الأدب الصهيوني من بداية الاستيطان حتى انتفاضة الأقصى" (2013)، بل ظهر أيضًا تيار جديد يقوده يهود بالدين نفسه، يطلق عليهم ما يُعرف بجماعة "المؤرخون الإسرائيليون الجدد"، والذين يعَدّون جُزءًا من تيار فكري يُنسب لمرحلة "ما بعد الصهيونية/ post-Sionisme"، ظهر في أواخر الثمانينيات في "إسرائيل".

سردية المأزق الوجودي لـ"الحل الصهيوني للمسألة اليهودية"
يشير الكاتب إلى أنه، خلال استعراضه المركّز لمسيرة "المسألة اليهودية"، خلص إلى أن تعايش الجماعات اليهودية في أوروبا مع "الأغيار" حوالي عشرين قرنًا من الزمن، كان تاريخ فشل مأساوي عاشه الإنسان اليهودي الأوروبي الإشكنازي في بناء واضطهاد ومناجاة وسعي دائم للتخلص من وجوده، لأنه جُسد في العقل الجمعي للإنسان الأوروبي المسيحي صورة قابلة للازدراء، وانحراف الشر والمقارنة، ونفسية الاستعلاء والبخل، وسلوك الغدر والخيانة.




وتأسيسًا على ما سبق أُنشئت نماذج تحليلية تحاول أن تشرح مسيرة "الحل الأوروبي للمسألة اليهودية"؛ حيث تم تقسيمه إلى سبع حقب متميزة زمنًا، حسب خصائصها، نحتت عنها سبعة حلول فاشلة، لا يُمكن ــ بسبب سِميَة مآزقها ــ أن تُكرّر الجدلية نفسها، وتُكرّس الأوهام نفسها إلى أن نصل إلى تأكيد ثابت بأنَّ الاستعصاء البنيوي للمسألة اليهودية لا يمكن أن يُحلّ داخل الدائرة الأوروبية.

الخاتمة
بعد الفشل التاريخي المأساوي للحل الصهيوني، هل يوجد حل حضاري إسلامي لـ"المسألة اليهودية"؟
في خاتمة الكتاب يحاول الكاتب تقديم ما تصوره الحل الحضاري الإسلامي وآفاقه؛ مبرزًا رؤية تفسيرية ملهمة ومبدعة، من خلال القراءة التشخيصية التي تقدم بها لنموذج الأحواض الحضارية:
إن الحوض الحضاري تشكيل متناغم ومتآلف من نسيج جماعات بشرية متباينة الأصول، أنتجه جريان روافد قبائلية وشعوبية متعددة صبت فيه، وامتزجت في جغرافيته، وتشكلت منها خصائصه التي تميزه عما سواه. غير أن هذا التوصيف لا يعني أن الأحواض الحضارية منغلقة المسام ولا تنافذ بينها، بل إن حركة المد والجزر التاريخية في مياه هذه الأحواض أنشأت مجالات تداخل وتفاعل نتج عنها تشكل أحواض جغرافية وثقافية ذات خصائص مشتركة فرعية، لكنها مهمة.
من ذلك على سبيل المثال:
ــ الحوض الحضاري لشعوب البحر الأبيض المتوسط، الذي اغتنى بتداخل تفاعلات وصراعات قرون خصبة من مساهمات الحوض الحضاري الإسلامي.
ــ والحوض الحضاري الغربي المسيحي؛ ومثله تفاعلات الحوض الحضاري الإسلامي مع الحوض الحضاري الأفريقي، أو مع الحوض الحضاري الكونفوشيوسي، أو البوذي.
وهذه خاصية لافتة للحوض الحضاري الإسلامي، بحكم طبيعته الوسطية الجغرافية. لذلك وجب التأكيد على أن كل حوض حضاري يمتلك جاهزياته الإدراكية الخاصة به، سواء لتفسير الأحداث الكبرى أو لفهم العالم، كما يختزن في وجدانه الجماعي والتاريخي استعداداته الروحية المستقلة عند مواجهة أي تحدٍّ يفرض عليه إنتاج حلول للمعضلات التي تهدد وجوده، أو تهدد السلم في العالم الذي يتقاسمه مع الأحواض الأخرى.

ملحوظات لا بد منها
1 ــ من أخص الخصائص التاريخية لـ"المسألة اليهودية" أنها نشأت قبل نحو عشرين قرنًا في الحوض الحضاري الغربي المسيحي، وفي ذلك شاهد من التاريخ على أن لهذا الحوض نصيبًا مفروضًا من روافد الجماعات اليهودية التي هي جزء من هُويته وطبيعته، كما أن لبقية الأحواض جزأها المقسوم من هذه الروافد، والتي هي أيضًا جزء من هويتها وطبيعتها.
2 ــ لقد أنتج الحوض الحضاري الغربي المسيحي، برافدين شديدي العداء والتنافر، أجوبته الخاصة والنهائية في مواجهة تحديات: المسألة اليهودية طوال قرون، فكانت خلاصة اصطراعهما سلسلة من الحلول التي فشلت في تحقيق التعايش والتساكن بين اليهود والمسيحيين.
3 ــ في البدء كان الحل اللاهوتي حلًا بالكراهية، والعزل في الغيتوهات، والاضطهاد؛ وبعد قرون جاء الحل التنويري بفكر الاستيعاب، والإدماج، والانعتاق؛ ثم بعد فشله جاء الحل النازي بصفقات التجارة والتهجير والإبادة؛ وفي منتصف القرن العشرين، وبعد حصول اليقين باستحالة التعايش، تضافرت إرادة القوى المهيمنة والنافذة في الثقافتين المتنافرتين دينيًا في الظاهر، ولأسباب شتى من التنافس الكامن وراء المظاهر، على دعم الحل الصهيوني الذي نشأ بوعد سياسي ديني، وقضى بإبعاد الرافد اليهودي خارج أوروبا، وتوطينه في "أرض الميعاد".
4 ــ لقد تخلصت القوى المهيمنة في الحوض الحضاري الغربي المسيحي من رافدها اليهودي، وألقت به في فلسطين قلب جغرافيا الحوض الحضاري الإسلامي، بوعد بلفور سنة 1917. ومنذ تلك اللحظة، لم تنفع كل قرارات المؤسسات الأممية التي يهيمن عليها التحالف الاستعماري الغربي في تحصين أي حق من الحقوق الثابتة والمعترف بها للشعب الفلسطيني.
5 ـ لقد جاء الدور على شعوب ودول الحوض الحضاري الإسلامي لتقول كلمتها وتواجه التحدي. جاء دورها لتعلن للعالم جدارتها وجاهزيتها لإنتاج الحل الحضاري الإسلامي العادل للمسألة اليهودية.
إن الأحداث الجسيمة المتسارعة منذ انفجار طوفان الأقصى (7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023)، ومشاهد الإبادة الانتقامية الجذرية في غزة، يؤكدان أن الحل الصهيوني وكيانه الاستيطاني الذي يحمي به الحوضُ الحضاري الغربي الإمبريالي مصالحَه الاستعمارية، في انتهاك سافر لحرمات الوجود الفلسطيني كافة، ولمصالح شعوب الحوض الحضاري الإسلامي، انتهى إلى حالة تأزّم وجودي يدل ربما على قرب انتهاء صلاحيته بصفته كيانًا وظيفيًا؛ فالتحولات الجذرية الجارية في محيط "دولة اليهود" تؤكد استحالة استمرار وجودها.
6 ــ إن الحل الحضاري الإسلامي للمسألة اليهودية حل له أسسه وخصائصه وآلياته، وهي التي تظل منبع تشكل الشروط التاريخية لتحققه الحتمي.
استعرض الكاتب الحلول المتصورة لهذه المعضلة عند جملة من الفلاسفة اليهود من أبرزهم:
كارل ماركس، مارتن بوبر، ليو شتراوس، حنه أرندت (وهي أميركية)، جاك دريدا (وهو فرنسي)، إدغار موران (فرنسي ولد 1921)، جيل دولوز، فيفان دريفوس، جوديت بتلر، شلومو ساند.

أسس الحل الحضاري الإسلامي
1 ــ الأرض عقار إسلامي لا يجوز التنازل عنه، وما تم من التصرف فيه لحد الساعة تم بالاغتصاب والجور، هذه حقيقة ناصعة... نعم يجوز لليهود، كما للنصارى والمسلمين، زيارة الأماكن المقدسة؛ فالحق الروحي مصون، ولم يتعرض للاعتداء أبد الدهر، طيلة ألف عام من حكم الدول الإسلامية!
2 ــ منذ حوالي 70 عامًا لا توجد علاقة تملك عقاري، ولا وجود سياسي منظم، أو غير منظم، يربطان الجماعات اليهودية المنتشرة بين مختلف شعوب البشرية في بأرض فلسطين.
3 ــ الأساس التاريخي للصراع: تم تنفيذ الحل الصهيوني للمسألة اليهودية في فلسطين وهي قلب الحوض الحضاري الإسلامي، باستغلال مرحلة تفكك آخر خلافة إسلامية (في العقد الثاني من القرن العشرين). وتزامن الأفول الحضاري الإسلامي مع تصاعد أطماع الرأسمالية الغربية ذات الميول الاستعمارية المعلنة، في إرث الخلافة الآفلة.
3 ــ الأساس الحضاري الإسلامي للحل: لم تنشأ في الحوض الحضاري الإسلامي "مسألة يهودية شرقية"، أو "مسألة يهودية إسلامية"؛ فالإسلام يرفض الاضطهاد على أساس الدين، أو العرق، أو اللون، والشريعة الإسلامية انطوت على منظومة قانونية ضابطة للعلاقة والحقوق الأساسية للمِلل.
4 ــ الأساس الوحدوي للحل: إن الحل الحضاري الإسلامي المؤهل لتغيير حركة التاريخ، سيتحقق بالضرورة مع ميلاد وحدة إسلامية شعورية أولًا، تتلوها وحدة أممية تمتلك الأهلية الوجدانية، والفكرية، والعلمية، لتعبئة جهود شعوب ودول الحوض الحضاري الإسلامي، في جبهة الدفاع عن حقوقهم وكرامتهم، وفي جبهة موازية لبناء التعاون الضروري مع أحرار العالم، من كل دين وفكر وثقافة، في سبيل تعزيز العدالة وحكم القانون كونيًا.

خصائص الحل الحضاري الإسلامي
يقوم الحل الحضاري الإسلامي على أساس الوحي الإلهي، وقيم العدل والإنصاف، ومبدأ الواقعية، ومبدأ الشراكة العالمية في إقرار هذا الحل، الذي يجب أن يستند للحكم الرشيد؛ فتحرير فلسطين تحرير للعالم.

آليات الحل الحضاري الإسلامي
وبالجملة، فتحريك الحل الحضاري الإسلامي، بأسسه ومنطلقاته وخصائصه، يبقى هدفًا كبيرًا للأمة: أنظمةً، وتياراتٍ فكريةً، ومبادراتٍ شعبية ورسمية، للوصول لحل ينهي مأساة الشعب الفلسطيني، وحتى اليهودي، الذي تختطفه الحركة الصهيونية نحو حروب أبدية، وفقًا لأخبار ورؤى وتعاليم دينية لم تكن يومًا ملزمة كفرائض دينية، وإنما كانت إخبارًا عن وقائع قد تقع في الزمن المقبل، ولو بعد قرون!

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.