}
عروض

"رفيف الفراشة": الرواية كطريقة تفكير وأسئلة عن العالم

علي صلاح بلداوي

22 يوليه 2025


تبدأ رواية "رفيف الفراشة" للروائي العراقي زهير كريم (1965) بهبّة ريح تعبر النافذة، لكنها لا تمرّ مرورًا عابرًا، بل تكون الشرارة التي قد تطيح بعالمٍ كامل. هذا المدخل الرمزي، الذي يستحضر ظلال "أثر الفراشة" ومجازاته الكارثية، يفتح الباب على حكاية رجل غامض ترك قصته مكتوبة على لفافة، عثر عليها زهير داخل حقيبة جلدية تحت سرير في غرفة مستأجرة في طرابلس عام 2005. من هذه اللحظة تبدأ اللعبة السردية: مَن الراوي؟ ومَن المروي عنه؟ مَن هو المؤلف الحقيقي؟ ومَن البطل؟ ومَن القارئ الفعلي لهذه الحكاية التي تقاوم التحديد وتتحرّك على تخوم الواقع والتخييل؟

في هذا العمل، يواصل الكاتب، الذي خبر المنفى وقضى فيه شطرًا طويلًا من حياته، ترسيخ مشروعه السردي، الذي ينصبّ على التقاط الذوات المكسورة، المنفية، المطاردة، تلك التي ترتجف تحت وطأة الخوف والعنف والتهميش. لا ينشغل ببناء حبكة تقليدية ذات تصاعد وذروة، بل يفكك الحكاية كما يُفكك العالم نفسه، ليعيد بناءها من شظايا حيوات متكسّرة تنتمي إلى الهامش وتحيا فيه.


مناطق سردية ملتبسة

تتحرك الرواية ضمن مناطق سردية ملتبسة، بين المؤلف الحقيقي، والكاتب المتخيل، والبطل الذي يدوّن حكايته. هذا التداخل في الأصوات يُنتج سردًا ذكيًا يزعزع مركزية الصوت الواحد، ويفتح فضاءً للتعدّد والشك. التجربة لا تُقدَّم هنا كخطاب نهائي، بل كسؤال مفتوح، يتجلى في البناء الفني المضطرب، وفي توتر الشخصيات وتجريبها، وقلق اللغة. هنا يقول زهير كريم في دردشةٍ حول الرواية، أنها: "لم تعد مجرّد حكاية منبسطة تنزلق بسهولة بين يدي القارئ، بل صارت خطابًا نقديًا، ومنظومة أفكار، وطريقة للإجابة عن أسئلة الوجود الشائكة. نحن كأفراد ومجتمعات في تحوّل دائم، والرواية بوصفها ظاهرة اجتماعية، واكبت الكوارث دومًا، وفي الوقت ذاته تسعى في اشتغالاتها الجديدة للتعبير عن أزمة الفرد. لكن ذلك لا يعني تخلّيها عن الأسئلة الكبرى للجماعات؛ فأزمة الفرد هي صورة مصغّرة لأزمة العالم".

استعارة عن التجربة الإنسانية

منذ الصفحات الأولى، يتجسّد "الخوف" لا بوصفه حالة نفسية فقط، بل ككائن مادي يتنفس ويراقب ويلازم الشخصيات كما يلازم الظل الجسد. "كامل"، الطالب الحالم ببناء بيت يستلهم فيه رؤى المعماري رفعت الجادرجي، ليس سوى مرآة لهشاشة داخلية تتعرى أمام مشهد بسيط: جندي مبتور الساق في مستشفى. هذه الصورة العابرة تتحوّل إلى كابوس دائم، كأن البتر أصابه هو لا الجندي، فتبدأ ذاته في التآكل لا المقاومة. الخوف هنا لا يُجابَه بالشجاعة، بل بالصمت والانكسار، بالتفكك والانسحاب من العالم.

وعلى حافة هذا الخوف، يتشكل الحب، لكنه لا يُقدَّم كخلاص أو ترياق، بل كملاذ هشّ أو حتى كخديعة نبيلة. يلتقي كامل بـ"حنان"، فتاة تعرضت للتعذيب وفقدت إحدى عينيها في زنازين السلطة، رغم ضعفها الظاهري، تمثل الفعل والمواجهة، وتدفع كامل إلى امتحان قناعاته عندما تطلب منه توزيع منشورات سياسية. يتردد، ثم يستجيب مدفوعًا بالحب لا بالقناعة. لكن هذه الخطوة الصغيرة تفتح أبواب الانهيار: لا البيت يُبنى، لا الحب ينجو، ولا الذات تبقى على حالها.

تُبنى الرواية على تناوب الأصوات بين كامل وحنان، مما يمنحها طيفًا داخليًا متعدد الأبعاد، يكشف الهشاشة النفسية والفكرية للشخصيتين. لا يقدّم زهير كريم بطلًا ولا ملحمة، بل فردًا تائهًا، هشًا، يتشبّث بحلمه الصغير وسط عالم يتحطم من حوله. السرد يسلّط الضوء على تلك الحيوات المنسيّة، التي لم تُروَ من قبل، يشير كريم في حديثه: "على الرغم من أن الحدث في ’رفيف الفراشة’، والشخصيات، وحتى الأزمات، ترتبط بالعراق، فإنها في جوهرها رواية عن الإنسان في مواجهة الأزمة. الأدب، عمومًا، استعارة عن التجربة الإنسانية. نحن نتحدث عن الديكتاتورية في العراق، لكن هناك مئات النصوص عن تلك المرحلة، وآلاف النصوص الأخرى عن ديكتاتوريات في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية. ومع ذلك، عندما نقف أمام أي نص من بين هذه الآلاف، نجد تجربة العراق فيه: الألم نفسه، السخرية، القسوة، العبث، وأيضًا التضحيات والمقاومة". ويضيف: "فيما يخص تجربتي مع الحرب، ظل تأثيرها واضحًا ومكثفًا في معظم نصوصي. أقول دائمًا: الحرب عندما تتوقف كعمليات عسكرية، تنتقل إلى أعماقنا، تتغلغل في نسيج وجداننا. نحن نسعى، جميعًا، نحو السعادة، الطمأنينة، السلام. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. ذكرى الحروب تجعلنا دائمًا تحت قبضة الكابوس. الحرب لا ترحل أبدًا، والسلام ليس كذبة، بل حلم إنساني لا يمكن التنازل عنه. والكتابة هي تنشيط لهذا الحلم".


أطياف فكرية واستدعاءات ثقافية

تحضر في الرواية أطياف فكرية وثقافية: بيكيت، كافكا، شاغال، دوستويفسكي، هايدغر، كامو، أنسي الحاج، وأسطورة جلجامش. هذه الاستدعاءات لا تأتي بوصفها زينة معرفية، بل امتدادًا لذات مهزومة تحاول، عبر التأمل والقراءة، إعادة تشكيل عالمها بعدما عجزت عن تغييره. إنها مقاومة داخلية، مقاومة بالخيال والثقافة، لا بالفعل.

يرى كريم أن قوة الأدب تتجلى في النصوص المؤثرة، في الأعمال أو الشخصيات التي تخيط جراحنا، أو تخلخل تصوراتنا عن العالم. ولهذا يكون استدعاء بعض النصوص رحلة بين الوعي واللاوعي لترميم الواقع. تتسم النصوص التي يستدعيها كامل في الرواية بالكثافة العاطفية والرغبة في المقاومة. فهو قارئ امتزجت حياته بحيوات الكتّاب الذين رافقوه منذ صباه. واستدعاءاته تمتد إلى قراءات الطفولة، والميثولوجيا، وما تنطوي عليه من أسئلة الموت والحياة، الإيمان واللاإيمان، الحب والكراهية. في النهاية، تبدو هذه الاستدعاءات تعبيرًا عن الينابيع التي غذّت شخصيته. ومن جانب آخر، تُظهر هذه الإشارات دور الفن في تشكيل التجربة الإنسانية. كامل شخصية مقاومة في جوهرها، حوّل الهزيمة التي سبّبتها الغفلة أو القدر، أو حتى "رفّة جناح فراشة"، إلى محاولة للنجاة في مساحة آمنة يواصل فيها رحلته.

نسق تراجيدي وشعرية سردية

تتوالى فصول الرواية في نسق تراجيدي، يعكس هشاشة الإنسان وسط آلة القمع، وحصار الحرب، وذاكرة الخسارات. كامل، الذي يتنقل بين طهران وإسلام آباد وطرابلس، لا يبحث عن وطن بقدر ما يبحث عن حنين، عن أثر حبٍ غائب، عن بيت لم يُكتب له أن يُبنى، عن ظلّ يشبهه في كتب الفلسفة أو في جسد أنثى. أما زهير كريم، فلا يكتب بوصفه راويًا محايدًا، بل كمنفيٍّ مجروح، يُمسك بالقلم كما يُمسك بطوق نجاة.

اللغة في الرواية شعرية، غرائبية، تمزج بين الواقعي والحلمي، وتعيد تشكيل الزمن لا كخط مستقيم، بل كدوائر من التأمل، الحنين، والانكسار. الخيال لا يهرب من الواقع، بل يحتضنه، يحاول تخفيف قسوته، يمنح كامل وطنًا داخل الكتب والحكايات. هذا التكثيف الأسلوبي هو انحيازٌ لعالم شعريّ متكامل - كما يقول كريم - ومحاولة من اللغة لتلطيف حدة الدراما. يقول كريم حول تقنية السرد: "أفكّر دائمًا في الأسلوب الذي يخفف من كثافة المأساة، في الطريقة التي تجعل من التعبير عن الألم أقلّ سيلانًا. هناك نصوص تفتح مساحات واسعة للبكائيات المبتذلة في تناول الألم الإنساني. لكنّي أعتقد أن الفن هو قدرة اللغة على تحويل المأساة إلى سؤال، والجرح إلى أغنية. أما الوظيفة السردية في الرواية، فلم تتأثر بالكثافة الأسلوبية؛ لقد حافظت على خطها الدرامي، لكنني رغبت في تقديم نصّ لا تغادر لغته الشعر تمامًا، ولا يتحوّل إلى كتلة صلبة وجافة. الشعر هو زيت اللغة، هو المركب الأسلوبي الذي نعبر به إلى شواطئ التشكّلات السردية كلها".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.