تُشكّلُ روايةُ "جمّول" (دار فواصل للنشر، 2025) لمنصور أبو شقرا قراءةً يساريةً في أسبابِ الحرب، بنوعَيْها الداخلي والخارجي. يَتوخّى فيها القارئُ/ الكاتبُ الماركسيةَ مقولاتٍ ومصطلحات؛ فيُغلِّبُ السّببَ الاجتماعيَّ على ما عداهُ في النوعِ الأوّل، ويُغلِّبُ السّببَ الاستعماريَّ الإمبرياليَّ في النوعِ الثاني. ويَخلُصُ، بنتيجةِ هذهِ القراءة، إلى وجودِ عَلاقةٍ جدليةٍ بينَ النوعَيْن، وإلى وجودِ تَلازُمٍ عُضْويٍّ بينَ معركتَيِ التغييرِ والتحرير، وإلى أنّ التنّينَ الداخليَّ المتمثّلَ في الاستغلالِ الطبقي هوَ الوجهُ الآخرُ للتنّينِ الخارجيِّ المتمثّلِ في الاحتلالِ الاسرائيلي، وأنّ القضاءَ على أحدِهِما يَستلزمُ بالضرورةِ القضاءَ على الآخر، وإلّا بقيَ التغييرُ ناقصًا والتحريرُ غيرَ مُنْجَز. وهوَ ما نَتقرّاهُ في أحداثِ الرواية.
في "جمّول" يَرصُدُ أبو شقرا جبهةَ المقاومةِ الوطنيّةِ اللبنانيّةِ في تحوّلاتِها المختلفة، بَدْءًا من ولادتِها في 16 أيلول/ سبتمبر من عام 1982، في منزلِ كمال جنبلاط في بيروت، ببيانٍ تلاه جورج حاوي ومحسن إبراهيم، مرورًا بعمليةِ الويمبي والعمليّات النوعيةِ اللاحقةِ بها، وانتهاءً بعام 1985 الذي تَتحرّرُ فيهِ مناطقُ واسعةٌ من لبنان، حتى إذا ما أزِفَ عام 2000، يَتحقّقُ التحريرُ الكاملُ بفعلِ عملياتِ المقاومةِ الإسلامية. وهوَ ما يَخرُجُ عن نطاقِ الروايةِ الزمني.
هذا النطاقُ الممتدُّ، بينَ عامي 1982 و1985، يُشكّلُ زمنَ الوقائعِ المعيشةِ في الروايةِ التي تَتمحورُ حولَ شخصيّةِ جمّول المحورية، ويَتناولُ الحربَ بنوعِها الخارجي، المتمثّلِ بالاحتلالِ الاسرائيلي، بينما يُشكّلُ عام 1976 زمنَ الوقائعِ المتذكَّرةِ من قِبَلِ جمّول نفسه، ويَتناولُ الحربَ بنوعِها الداخلي، المتمثّلِ بالحربِ الأهليةِ اللبنانية. وبذلكَ، يَتكوّنُ النصُّ الروائيُّ، لا سيّما في نصفِهِ الأوّل، من هذا التأرجحِ بينَ الوقائعِ المعيشةِ وتلكَ المتذكّرة، ما يُحيلُ إلى جدليةِ العَلاقةِ بينَ الحربَيْن، ممّا سبقَتِ الإشارةُ إليه.
في الوقائعِ المعيشة، تَبدأُ الروايةُ بواقعةِ استعادةِ جمّول حادثةَ اقتيادِ المسّلحينَ أمَّهُ عُنْوَةً في عام 1976، في مخيّمِ تلِّ الزعتر، وقيامِ أحدِهِمْ بلطمِ وجهِهِ حينَ حاولَ انتزاعَها منْهُمْ، وَلَهُ من العمرِ أربعةَ عشرَ عامًا، وذلكَ، قبلَ خروجِهِ لتنفيذِ عمليّةٍ عسكريّةٍ ضدَّ المحتلّينَ الاسرائيليّينَ في بيروت، في عام 1982. وتَنتهي بواقعةِ استيقاظِهِ في مستشفى على بترِ ذراعِهِ بعمليّةٍ جراحيّة، في عام 1985، غداةَ تصدّيهِ لقوًى ظلاميّةٍ في شمالِ لبنان، وَلَهُ من العمرِ ثلاثةٌ وعشرونَ عامًا. وبينَ الواقعتَيْن، المستعادةِ والمعيشة، سلسلةٌ من الوقائعِ تُظهّرُ دورَ المقاومةِ الوطنيّةِ في مقارعةِ الاحتلال، وإجبارِهِ على الانسحابِ من بيروتَ والجبلِ ومناطقَ واسعةٍ من الجنوب.
يَلعَبُ جمّول دورًا محوريًّا في هذهِ الوقائع، فَيُشاركُ في صنعِ الحَدَثِ وكتابةِ التاريخ. وهوَ دورٌ أهّلَتْهُ لَهُ تربيتُهُ الوطنية، وشخصيَّتُهُ الشجاعة، وتجربتُهُ المبكّرة، والتزامُهُ الوطني، وعقيدتُهُ الحزبية. ذلكَ أنّهُ يَنشأُ في أسرةٍ مناضلة؛ فأبوهُ حسين، الناجي من مجزرةِ حولا عام 1948، استُشهِدَ في الشيّاحِ في بدايةِ الحربِ الأهلية، وأمُّهُ فاطمة، الناجيةُ بدورِها من المجزرة، عاشَتْ حصارَ تلِّ الزعترِ عامَ 1976، وأخوهُ مناضلٌ في حزبٍ يساري. وهوَ يَعيشُ تجربةَ الحصارِ معَ أمِّه، ويَقومُ، على صِغَرِ سنِّه، بِمساعدةِ المحاصَرينَ في الملجأ. ويَنتسِبُ إلى حزبٍ يساري، ويَخضعُ لدورةٍ عسكريّةٍ طويلة، ويَنخرطُ في أعمالِ المقاومة، فَتَكونُ عمليّةُ "الويمبي" فاتحةَ عمليّاتِهِ الناجحة، ويُعْتَقَلُ في "معتقلِ أنصار"، حتّى إذا ما أُفرِجَ عنْه، يُسهِمُ مع رفاقِهِ في التصدّي لقوًى ظلاميّةٍ في شمالِ لبنان، ما يُؤدّي إلى إصابتِهِ بشظيّةٍ وبترِ ذراعِه.
خلالَ هذهِ الجلجلة، يَنخرطُ جمّول في عَلاقةِ حبٍّ، غيرَ أنَّهُ لا يَضعُها في رأسِ أولويّاتِه، فالأولويّةُ لتحريرِ الأرضِ وليسَتْ لاحتلالِ القلب، ذلكَ أنَّ لقاءَهُ بِسَحَر في ملجأِ البنايةِ في تلِّ الزعترِ يُشكّلُ الشرارةَ الأولى في هذهِ العَلاقة، فَيَنجذبُ أحدُهُما إلى الآخر، وَيَتّفقانِ على الحبّ. ولا يُفْلِحُ خروجُهُما من الملجأِ وانقطاعُ الصلةِ بينَهُما في إخراجِها من قلبِه، فَيَدأبُ على تذكّرِها، ويُحاوِلُ البحثَ عنْها دونَ جدوى، حتّى إذا ما قامَ بِعيادةِ صديقٍ لَهُ في مستشفى يُفاجأُ بها ممرّضةً فيه، وَتَتَجَدّدُ الصلةُ المقطوعة، وَيَنبعثُ الحبُّ حيًّا. غيرَ أنَّ تقديمَ جمّول واجبَهُ الوطنيَّ على حقِّهِ العاطفي، وخضوعَ سَحَر لاعتباراتٍ عائلية، يَحولانِ دونَ أن تُؤتيَ تلكَ العَلاقةُ ثمارَها المرجوّة، فَيَنصرفُ هوَ إلى ممارسةِ مهامِّهِ الوطنيةِ في الجنوب ويُعتقَلُ لسنواتٍ ثلاث، وتُضطرُّ هيَ إلى الارتباطِ بآخر، حتّى إذا ما أُصيبَ جمّول بشظيّة، خلالَ تصدّيهِ لقوًى ظلاميّةٍ في شمالِ لبنان، وجرى نقلُهُ إلى المستشفى الذى تَعملُ فيه، ورأَتْ بِأُمِّ العينِ ذراعَهُ المبتورةَ وحرقةَ أُمِّهِ عليه، تَنْزِعُ خاتمِ الخطوبةِ من إصبعِها وَتَرميهِ جانبًا، وَتَحْضُنُ الأمَّ بيدٍ وجمّولَ باليدِ الأخرى، وتُطلِقُ قولتَها الجميلةَ التي تُشكِّلُ مسكَ ختامِ الرواية: "لا هَمَّ إنْ فقدْتَ ذراعًا يا جمّول ما دُمْتُ متّحدةً بكَ يا حبيبي" (ص 244). وهكذا، يَنتصرُ الحبُّ على الحرب، وَيُحقّقُ جمّول وعدَهُ المزدوجَ لِأُمِّهِ بأنْ يَجعلَها تَفرحُ مرّتَيْن: أولى بِعودتِه، وثانية بِزواجِه.
في الوقائعِ المتذكَّرة، يَستعيدُ جمّول ما عاشَهُ صبيًّا، خلالَ حصارِ مخيّمِ تلِّ الزعترِ الذي استمرَّ لخمسينَ يومًا، في عام 1976. عانى فيه المحاصَرونَ الجوعَ والعطشَ والخوفَ والقلقَ والبؤسَ والمرض، من جهة، وارتكبَ فيهِ المحاصِرونَ أبشعَ الفظائع، من جهةٍ ثانية. وخلالَ هذهِ المدّة، يَتمخّضُ جمّول الذي لم يَكُنْ قدْ تعدّى الرابعةَ عشرةَ من العمرِ عنْ مشروعِ رجلٍ شجاع، لم يَحُلْ صِغَرُ سنِّهِ دونَ المبادرةِ إلى نجدةِ سكّانِ البناية، وتعريضِ نفسِهِ للخطرِ لتأمينِ الماءِ لَهُمْ. هذهِ الذكرياتُ يَستعيدُها جمّول خلالَ استعدادهِ لتنفيذِ عمليّتِهِ الأولى ضدَّ المحتلّين، فَيَستمدُّ منْها القوّةَ والإصرارَ على تحريرِ الأرضِ منْ رِجْسِهِمْ. وهنا، تَقومُ الذكرياتُ بوظيفةٍ تعبويّة، باعتبارِها مِنْجَمًا للتجارب، تَشحذُ همّةَ المتذكِّر، وتَشُدُّ أزرَهُ في مواجهةِ الواقعِ وتحدّياتِه، ما يُشكّلُ خُروجًا عن وظيفتِها التقليديةِ في الروايةِ العربيةِ باعتبارِها ملجًا يَلوذُ بِهِ الهاربونَ منَ الواقعِ ووقائعِهِ القاسية. على أنَّ هذهِ الوقائعَ المتذكَّرةَ تَدخلُ مع تلكَ المعيشةِ في علاقةٍ جدلية، وتُشكّلُ ثنائيّةً رئيسيّة، تَندرجُ تحتَها مجموعةٌ منَ الثنائياتِ الفرعيةِ المتضادّة. نَذكرُ منْها: الحاضرَ/ الماضي، الأنا / الآخر، الاحتلالَ / المقاومة، الحربَ / الحب، السردَ / الحوار، وغيرَها.
يَتحرّكُ النصُّ بينَ أطرافِ هذهِ الثنائياتِ لِيَصنعَ حركيّتَهُ التي هيَ عمادُ الخطابِ الروائي. ذاكَ الذي يَضعُهُ الكاتبُ في فصلٍ واحدٍ يشغلُ 235 صفحة، ما يَعكِسُ طولَ نفسِهِ وقدرتَهُ على التحكّمِ بأدواتِهِ السردية. ويُسنِدُ مهمّةَ الروي فيهِ إلى راوٍ عليمٍ تَقطعُهُ راويةٌ شريكةٌ هيَ الأمُّ فاطمة التي تَروي حكايتَها في ثماني عشرةَ صفحة، وتَقولُ شهادتَها على الأحداث، بَدءًا من مجزرةِ حولا عام 1948، مُرورًا بحصارِ مخيّمِ تلِّ الزعتر عام 1976، وانتهاءً بالاجتياحِ الاسرائيلي عام 1982. وهذهِ الشهادةُ تُثبِتُ بِما لا يَدَعُ مجالًا للشكِّ تداخُلَ النوعَيْنِ، الخارجيِّ والداخلي، للحربِ اللبنانية. وفي إطارِ هذهِ التقنيّةِ من تَداخُلِ الرواة، يتجاورُ في "جمّول" الحكيُ الفردي، والسردُ التاريخي، والتحليلُ السياسي، والتنظيرُ الأيديولوجي، ما يُضيفُ إلى حركيّةِ الخطابِ حركيّةَ الحكاية. هذهِ الحركيّةُ المزدوجةُ تَجعلُ الروايةَ جديرةً بالقراءة، وتُؤكّدُ أنّ منصور أبو شقرا يَتَحَوّلُ بها من روائيٍّ بالقوّة إلى روائيٍّ بالفعل، بِحَسِبِ التعبيرِ الفلسفي. ولنْ يَعودَ قارئُ روايتِهِ منَ الغنيمةِ بالإياب.


تحميل المقال التالي...