يوحي اسم الكتاب، وخصوصًا عندما يعرف القارئ أن مؤلفه فيزيائي، بأنه يتحدث عن أكوان فضائية تشبه الكون الذي نعيش فيه، إلا أن القارئ سيكتشف القصد الحقيقي من وراء هذا العنوان كلما تقدّم في القراءة ونهل من بحور المعرفة التي تُمنح له بسخاء. فهذا الكتاب يتحدث عن عوالم فضائية وعوالم مجازية موجودة في الحياة بجميع مفاهيمها.
يقع الكتاب في 300 صفحة يحاول من خلالها المؤلف الإجابة على أسئلة معظمها جديد، فرضتها الاكتشافات المذهلة في علم الفلك، وبعضها قديم، ولكن المستجدات قد منحتها أبعادًا مثيرة.
قد لا نتوقع أن نجد في كتابٍ كهذا فصولًا كاملةً عن مواضيع من علوم الأحياء والكيمياء، لكن المؤلف وضع نصب عينيه أن يتحدث بتوسع وتعمق عن إمكانية وجود حياة في أماكن أخرى من الكون. ولذا فهو رأى من المناسب أن يفسّر معنى الحياة ويشرح عن المركبات الأساسية المسؤولة عن عمل الخلايا الحية، وكيف تؤثر المباني الكيميائية لهذه المركبات على وظائف الأخيرة، وكيف يتعلق كل ذلك بقوانين الفيزياء. كما يشرح الكتاب العلاقة العميقة بين الفيزياء والحياة عن طريق ظاهرة التولّد أو الانبثاق، ويعطي لذلك أمثلة من مختلف العلوم وحتى من الحياة اليومية.
وتميّز الكتاب بأسلوبه الشيّق والمُبسِّط لأكثر الأمور تعقيدًا، حتى بدا الأمر وكأنه أخذنا في رحلة مثيرة من أقصى المجرات إلى داخل الذرات.
الكتاب حافل بالمصطلحات العلمية من جهة، والأدبية الجميلة من جهة أخرى، كُتبت جميعها بلغة عربية سلسة، بل وعذبة أحيانًا، في وصف الظواهر والمواد، وهو غني أيضًا بعنصر التشويق لما سيأتي في الفصول اللاحقة. فمثلًا بعد أن ينهي الفصل الذي يشرح العوامل التي تجعل الأرض ملائمة للحياة، ككونها تدور حول الشمس على بعد معيّن، ووجود الماء بنسبة معيّنة، ووجود آلية لضبط الحرارة، يعتقد القارئ بأنه قد أخذ الإجابات الكافية والوافية. إلا أنه يجد المؤلف قد دعاه لرحلة جديدة من البحث حيث يذكر موضوعًا جديدًا وهو دور القمر في نشوء وتطور الحياة على الأرض، ويذكر ذلك بطريقة تملأ القارئ شغفًا بمعرفة هذا الدور. بالإضافة لذلك يُبدي المؤلف حماسًا للاكتشافات الفريدة، كتقييمه مثلًا لإحدى وسائل البحث أنها "قد أوصلتنا لنتائج ثورية لم يكن أحد يتخيلها".
يحتوي الكتاب على العديد من الاقتباسات الرائعة لأهم الكُتاب والمفكرين. فمثلًا في بداية الفصل الخامس الذي يتحدث عن الأسس الفيزيائية للحياة، اختار المؤلف اقتباسًا للكاتب وليام شكسبير يقول فيه: "إن في السماء والأرض يا "هوراشيو" أمورًا... أكثر بكثير مما تحلم به فلسفتك". هذا الاقتباس يَعِد القارئ بأن هذا الفصل يحمل له مثل تلك الأمور الكثيرة، ويصدق الوعد. ولذلك فمع كون الكتاب غنيًا بالمعلومات من المواضيع العلمية المختلفة الغريبة عن القارئ غير المتخصص، إلا أن هذه الأساليب المميّزة التي اعتمدها المؤلف قد تجعل القارئ يشعر بالراحة والمتعة خلال قراءة الكتاب، بل وقد يرغب بمعرفة المزيد.
ومع ذلك، ومع أهمية أساليب السرد، علينا التركيز على أن المؤلف كتب كتابه هذا أولًا وقبل كل شيء كعالِم مُلم بمجالات شتى، وكباحث ملتزم بقوانين البحث العلمي.
من أجل إظهار أهمية العلوم والمعرفة التراكمية في إظهار الحقيقة، يحتوي الكتاب على عشرات الأمثلة لطروحات واكتشافات خيرة المفكرين والعلماء منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا. ويبيّن لنا المؤلف كيف تغيّرت معرفتنا للكثير من المواضيع العلمية وتغيّر إدراكنا للكثير من المفاهيم، بعد أن جمعنا المعرفة بشكل أوسع وأعمق وكشفنا الستار عن أمور كانت في الماضي في عالم الغيب. يتحدث أيضًا كيف تجعل المعرفة أساليب البحث متطوّرة أكثر، لتُعمّق تلك الأساليب بدورها المعرفة وتغنيها في رحلة مثيرة وغير نهائية. هذه المعرفة التي جعلتنا ندرك، كما ذكر في الكتاب، "أنه لا يمكن فهم الحياة بدون فهم الارتباط الوثيق بين البيولوجيا والجيولوجيا وعلم الفلك وقوانين الفيزياء والكيمياء، أي من دون التعامل مع الطبيعة كوحدة واحدة، تتفاعل عناصرها المختلفة بعضها مع بعض بشكل متناسق، ومتكامل ومُكتفٍ بذاته، من غير الحاجة إلى تدخلات خارجية".
أحد المواضيع المثيرة التي يتطرق إليها الكتاب هي الأبعاد، والتي من الصعب استيعابها لأننا لا نواجه مثلها في حياتنا على الأرض. فمثلًا، يطرح المؤلف أول أسئلته حول العلاقة بين الحياة وقوانين الفيزياء لدى ملاحظته أن معدل قُطر الخلية الحية (عشرات المايكرو مترات) يقع في المتوسط الهندسي بين أكبر الأبعاد في الكون وهو قطر الكون المرئي، وأصغر الأبعاد التي يمكن وصفها فيزيائيًا، نصف قطر بلانك. ومع كون هذه العلاقة قد تكون محض صدفة، إلا أن الحياة متعلقة فعلًا بما يحدث في الكون على أكبر الأبعاد وأصغرها. والمثير أيضًا أن العمليات المهمة في الحياة تحدث على امتدادات زمنية مختلفة تتراوح بين أجزاءٍ صغيرة من الثانية، ومليارات السنين.
إذًا في ظل هذا التعقيد، يمكننا التساؤل: ما الذي جعل الباحثين يشحذون الهمة من أجل البحث عن حياة في كواكب أخرى في الكون؟ قد يبدو الجواب بديهيًا، فالكرة الأرضية تنوء بحملها، وقد يحتاج الإنسان مكانًا آخر للجوء إليه في المستقبل القريب. ومع ذلك هذا السبب وحده ليس كافيًا، فالبحث عن مكان كهذا بين مليارات الكواكب هو كالبحث عن حبّة رمل على الشاطئ. إذًا فالسبب كما يوضحه المؤلف هو "قناعة مبنية على أسسٍ علمية بأن الحياة هي ظاهرة طبيعية متولدة تنشأ في ظروفٍ معينة، بشكل تلقائي، تدفعها إلى ذلك قوانين الطبيعة". هذا الطرح يصنع الفارق، لأن البحث في هذه الحالة لن يكون عشوائيًا، ولكنه سيتركز في مناطق داخل الكون تتواجد بها تلك الظروف، وبالاعتماد على تلك القوانين، وعلى الأسس المتينة لتجربتنا العلمية، الغنية والخصبة.
وإذ يقنعنا المؤلف بأهمية هذا الموضوع من الناحية العملية ينتقل بنا مرة أخرى للسؤال: "ما هي الحياة؟"
حين يسأل الكاتب سؤالًا كهذا فهو يدرك بأنه أمام تحد كبير، فلن يتجرأ على محاولة الإجابة عليه إلا من يثق بسعة معرفته. ولربما تأثر المؤلف بالفيزيائي إرفين شرودنجر، والذي كما ذُكر، تحول كتابه الذي يستخلص فيه بعض أهم الصفات العامة للحياة، إلى أحد أكثر الكتب تأثيرًا في هذا الموضوع، بالرغم من أنه بدأه بالاعتذار عن كتابته في موضوعٍ بعيدٍ عن اختصاصه. في ذكره لما منحه هذا الباحث لمعرفتنا التراكمية، يأخذنا المؤلف لنقطة مهمة جدًا في رأيي، وهي الجرأة على الكتابة في مواضيع متنوعة ومعقدة كالتي يطرحها هذا الكتاب. فهذه المواضيع لن يكون بقدرة أي شخص أن يصيغها بشكل مقنع، مرتكزًا على أسسٍ علمية مُثبتة، إلا إذا كان فعلًا واسع الإدراك وجامعًا للكثير من المعرفة. من جهة أخرى فهو يوصل رسالة مهمة، وهي السعي لتطوير معرفة أبناء شعبنا وتشجيع الأجيال القادمة على الخوض في مسارات دراسة غير مألوفة، نحن بأمس الحاجة إليها، بل وتشجيعهم على التجرؤ على مشاركة الآخرين بما جمعوه من معرفة. فالجرأة على المبادرة للكتابة أو لأي مشروع آخر هي من أهم ما ينقص مجتمعاتنا في جميع بلدان العالم العربي، وفي رأيي هذه نقطة جديرة بالاهتمام.
في حثه للقارئ على البحث عن المعرفة، يطرح المؤلف نقطة مهمة وهي أن الأسئلة التي نسألها تتغيّر مع الوقت، بحسب ما جمعنا من العلوم حتى ذلك الحين. ولذلك فهو ينوّه بأن عدم القدرة على الإجابة عن سؤال علمي في وقتٍ ما لا تعني بأنه لن يكون هنالك من يستطيع الإجابة عليه في المستقبل، بعد أن يجمع قدرًا أكبر من المعرفة مهما بلغت صعوبة الإجابة عن هذا السؤال.
من حيث كون المؤلف باحثًا ملتزمًا بقوانين البحث العلمي، أولى النقاط الجديرة بالذكر هي تحفيز القارئ على التفكير الموضوعي في أي مجال، كسِرّ الوجود مثلًا. فهو يقول في نهاية الفصل الرابع: "هناك أهمية كبرى لاكتشاف وجود حياة بدائية في مكان آخر في المجموعة الشمسية، لعدة أسباب، أهمها أنها تثبت أن عملية نشوء الحياة هي عملية طبيعية، وليست عجيبة لا نستطيع تفسيرها". من هذا المنطلق فهو يحث على التفكير الموضوعي البعيد عن الغيبيات، ويشجع على طرح الأسئلة والتعمق بها، ربطها بمواضيع ذات علاقة، إبقاء المكان للشك، وتوخي الحقيقة. ويؤكد على أنه ليست هنالك أسئلة غير شرعية، بل أننا إن منعنا الأجيال القادمة من طرح بعض الأسئلة المتعلقة بعالمنا وبحياتنا فيه، لأسباب دينية مثلًا، فنحن نستعمل أسلوبًا لكم الأفواه، ونجعل بذلك التفكير والبحث من الممنوعات والمحرمات. من المعروف أن من أهم التحديات التي يواجهها الكاتب الباحث الحديث عن الظواهر التي تتعارض مع قصص الخلق كما تعرضها كتب الدين. هنا نجد المؤلف ينحاز للعلم الذي يؤمن به بشكل واضح وتام، كما يظهر مثلًا في عرضه لقصة رحلة داروين في سفينة "البيغل" ولنظرياته وكتبه، بشكلٍ مفصل. أود هنا أن أضيف من رأيي الخاص، أن في ذكره لتفاصيل هذه الرحلة وإنجازات هذا العالم وتفاصيل من حياته الشخصية، فهو يبعث برسالة أن أهم العلماء هم بشر مثلنا، لهم ظروفهم كما لنا ظروفنا، وبإمكان كل واحد منا أن يصبح مثلهم إن ثابر واجتهد، ولا يوجد سبب لإبقاء المواضيع العلمية بعيدة عن مجال اهتماماتنا.
يحث المؤلف القارئ على التفكير العميق، فعندما يسأل: "ماذا كان سيحدث لو كان الجليد أكثر كثافة من الماء السائل؟" يمكننا الإجابة بشكل سطحي، كأن نقول: "في هذه الحالة سوف يتجمع في قاع المحيط". ولكن في جملته "لنفكر قليلًا"، يقصد "لنفكر عميقًا"، لأننا فقط إن فكرنا عميقًا سوف نصل للاستنتاج بأن ظاهرة تبدو بسيطة كانخفاض كثافة الماء مع تحوله لجليد، هي التي سمحت ببدء الحياة على الأرض في أولى أشكالها! فالتفكير العميق يأخذ أهمية خاصة في عصرنا هذا، الذي يقدم لنا كل شيء تقريبًا جاهزًا، حتى أصبحنا بحاجة ماسة لأن نُذوِّت التفكير العميق، ونحميه من كل ما يستهدفه وبذلك يستهدفنا...
طرح الأسئلة العميقة إذًا هو ليس مجرد محفز للبحث عن الحقائق، بل هو الآلة التي تكسر الحاجز النفسي الذي يمنعنا من الاستمرار بالبحث، ويوقفنا في مكاننا بدون قدرة على كسب المعرفة؛ حاجزًا تكوّنه الأجوبة الجاهزة التي تربينا عليها. ولأهمية هذا الموضوع عند المؤلف، فلقد اختار لافتتاحية الفصل الأول اقتباسًا لكارل ساغان يقول فيه: "من الأفضل بكثير أن نفهم الكون على حقيقته بدل الإصرار على أوهام كاذبة حوله، مهما كانت تلك الأوهام مُرضية ومُطمئنة".
يستعمل زاروبي الكثير من الصور والبيانات التوضيحية، يوجه القارئ لأهم المصادر التي اعتمدها في نصوص الكتاب، يذكر أهم الأوراق البحثية التي نشرت عن مواضيع الكتاب، ويعطي الكثير من الأمثلة لتوضيح وجهات نظره. بل يمكننا القول إن الفصل التاسع هو مثال لبحث علمي يبدأ بتعداد الفرضيات ثم بناء الحجج حتى الوصول إلى النتائج. وبما أن من أهم ما يتميّز به الباحث هو الشك، فالمؤلف حتى بعد أن يستفيض في شرح نظريته أن وجود ظروف مؤاتية في أماكن أخرى في الكون سوف تؤدي لخلق حياة هناك، إلا أنه يترك مجالًا للشك حين يقول بأنه ليس بالضرورة أن تكون الحياة هناك مشابهة للحياة على كوكبنا. بل إنه يعتمد النهج العلمي في النقد الذاتي للتحاليل، حين يعترف أن هنالك جانبًا تكهنيًا في بعض ادعاءاته.
بهذه القدرات العلمية والبحثية عرض المؤلف أفكاره في هذا الكتاب المميّز بقيمته المعرفية، وبقدرة المؤلف على تبسيط أصعب المعلومات وتقديمها للقارئ غير المتخصص بأسلوب سلس ومحبب. وبعد عرضه لماهية الحياة من مختلف الاتجاهات، والشرح الوافي عن بداياتها وتطوّرها على كوكب الأرض، وتطوّر المخلوقات حتى وصولنا للإنسان، يصل في النهاية للتعريف عن الإنسان العاقل. يُجري المؤلف تحليلات عميقة للصفات الإنسانية التي ساهمت في تراكم المعرفة التي أوصلتنا للفضاء، ومن أجل تحديد توقعاتنا من إحياء آخرين في عالمنا، لنجد بأنه حتى الأخلاق والعواطف، بل والقدرة التقنيةـ لها تفسيرات علمية، وأنها لا تقتصر فقط على الإنسان. وبعد شرحٍ مفصل عن روعة هذا العالم بشكل عام، والكرة الأرضية بشكلٍ خاص، تحتوي الفصول الأخيرة من الكتاب على أسئلة ذهنية تحمل معاني أخلاقية رائعة، وتُخبئ طي سطورها توصية لكلٍ منا بأن يتحمّل مسؤولية المحافظة على ما يخصنا جميعًا ويهمّ كل واحد فينا، وبدوري أترك للقارئ متعة اكتشافها.


تحميل المقال التالي...