}
عروض

"لا ترفعوا هذه الجثامين": في توثيق السكون

حسام معروف

26 يوليه 2025

كان الحجر الصحي أكثر من مجرّد إجراء وقائي ضد فايروس كورونا القاتل. لقد بدا كأن الطبيعة قررت فجأة أن تُسكِت ضجيج العالم، وأن تترك الإنسان أمام صورته الداخلية، عاريًا من فوضى خارجية، منفردًا بذاته، وخوفه، وعُقَدِه الداخلية، ليبدأ في محاكمة نفسه بصمت. في كتابه "لا ترفعوا هذه الجثامين" الصادر عن مرفأ للثقافة والنشر 2025، ينطلق الكاتب التونسي كمال الرياحي من يومياته الشخصية خلال زمن جائحة كورونا، ليقدم عملًا يمزج بين التأمل الفلسفي والسرد الحيّ والمساءلة الثقافية. النص ليس فقط وثيقة عن العزلة، بل تمرينٌ صارم على الإدراك: إدراك أن العالم لم يكن طبيعيًا حتى قبل أن يتوقف.

إزاحة الستار

في لحظة الحجر، تتوقف الحركة، ويُختزل الفعل إلى مجرد وجود ساكن. لكن الكاتب لا يكتفي بتوثيق السكون، بل يستخرج من هذا التوقّف جوهر الوجود، فيراه كعلامة انكشاف على قلق أعمق، على وحدة لم تكن جديدة، بل كانت كامنة تحت صراخ قديم. كأن الحجر لم يخلق شيئًا، بل أزاح الستار عن مشاهد كامنة، عرّى الأجساد من حركتها اليومية، وأعاد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. يقول في أحد المقتطفات:
"هنا لا تُسجَّل الحركة في المكان، بل الحركة في الذهن؛ تقفز الذات الكاتبة من الملل إلى الخوف، إلى الرعب، إلى اليأس".
يتحول المكان إلى حلبة صراع بين الزمن والوعي. كل ثانية تمر، تجرّ معها صورًا قديمة، وأوهامًا جديدة، وقلقًا متجددًا. يبدو الملل كأداة تعذيب، كحالة من التحلل البطيء للمعنى. الملل لم يكن في الأصل نقصًا في الفعل، بل وفرة مفرطة في الفراغ. ومن هنا، فإن العزلة تأخذ طابعًا تراجيديًا، لكنها تتيح أيضًا إعادة التفكير في موقع الإنسان من العالم.
كمال الرياحي يربط هذه العزلة المعاصرة بعزلات كبرى عبر التاريخ: من عزل الكُتاب والفنانين، إلى عزل السجناء والمجانين، إلى الحصار الداخلي الذي تفرضه السلطة على الفرد. في هذه المقارنات، تتقاطع تجربة الحجر مع آلام وجودية وأيديولوجية، فيتساءل القارئ: هل نحن في عزلة طبية أم في عزلة ثقافية وأخلاقية مستمرة؟

المرض الجسدي والإبداع

يشير الكاتب إلى علاقة المرض الجسدي بالإبداع، حين يربط مصير بعض الكُتّاب مثل مارسيل بروست أو كافكا أو جان دومينيك بوبي، بظروفهم المرضية أو الجسدية، كأن الجسد المنهك يمنح الروح عمقًا جديدًا. يقول مثلًا:
"عندما أُصيب جان دومينيك بوبي بمتلازمة المنحبس، وشُلّ جسده كاملًا، كتب بعينه اليسرى، العضو الوحيد الذي ظل يتحرك".
هنا يتحول العجز الجسدي إلى فعل رمزي، إلى كتابة بعين واحدة في عالم لا يرى، في زمن باتت الكتابة فيه الفعل الوحيد الممكن. إنها مقاومة بطولية ضد الموت عبر اللغة. وهذا تمامًا ما يفعله كمال الرياحي: يقاوم عزلة العالم الخارجي بصوت داخلي عارٍ، خشن، قلق، لكنه واضح.
خلال سرده، يتوسع الرياحي من الخاص إلى العام، ويطرح تصورات حول الجماهير والانصياع والطغيان، راسمًا صورة قاتمة عن الخضوع.
هنا، تنفلت اللغة من قيود المجاز إلى عمق رمزيّ شديد الحدّة. حيث يُعرّي الكاتب العلاقة بين السلطة والرغبة، بين الخضوع الجنسي والخضوع السياسي. الشعب، في هذا المجاز، لم يعد كيانًا حرًّا، بل جسدًا مستعدًا دومًا لتلقي الإخصاب من فحولة السلطة، في مشهد عبوديّ إيروتيكيّ لا يخلو من فزع. وكأن الجماهير تعشق الطغيان لأنه يمنحها شعورًا زائفًا بالأمان.

لغة كثيفة محاطة بأسوار ذاتية

لغة الرياحي كثيفة، ممتلئة بالصور والتأملات والصناعة الشعرية. تشير دومًا بإصبع مخبأ نحو ما هو حي ومثير.
ويحمل الكتاب بُعدًا ثقافيًا متنوعًا حول أسئلة الوجود الإنساني، والعزلة الخاصة، والوحدة، والوعي الجمعي كذلك، وسلطة الإنسان وارتباطه بالآخر.
ومن الواضح اهتمام الرياحي بتفسير تركيبة الحياة، وأصولها والصراع الوجودي برمّته خلال 278 صفحة من القطع المتوسط.
الكاتب، إذ يسرد تأملاته، لا يبقى في أسوار الذات، بل يفتح الباب على مصاريع الألم الجماعي. إنه لا ينظر إلى الجائحة فقط كواقعة بيولوجية، بل ككاشفٍ لواقع ثقافي مأزوم. في عزلة الجسد، تنكشف أمراض الروح. ويصبح الملل مثل آلة تصوير بطيئة للزمن، حيث كل لحظة تمرّ تصبح أكثر وضوحًا وإيلامًا.
من جهة أخرى، لا يتعامل الرياحي مع الوحدة فقط ككرب، بل كلحظة تأمل عالية. ففي قوله:
"كل تلك الأشكال من المقاومة لواقع الحجر سمحت باستمرار الحياة… وأكدت مقولة لارس سفندسن بأن: الوحدة أفضل الأوقات التي نقضيها".

مختبر داخلي

يوظف الكاتب لحظة التوقّف كأداة لفهم الذات، لا للهروب منها. هنا، تتحول العزلة إلى مختبر داخلي، ينمو فيه الوعي ويتعفن فيه الزيف. ليست الوحدة هروبًا من الواقع، بل وسيلة لفهمه. وهذا ما يجعل النص يتجاوز التوثيق، ليغدو نقدًا ثقافيًا للحداثة المعطبة بالتواصل والمخنوقة بالسرعة.
لا يخلو الكتاب من تمثيلات الموت، لا بوصفه حدثًا بيولوجيًا، بل كغياب تدريجي للمعنى. فالكاتب يتناول الانتحار، فقد الأحبة، اختفاء الفرد تحت وطأة اليومي، كما لو أن الإنسان المعاصر يعيش موته مسبقًا. في اقتباس يلامس القلب، يقول:
"الملل والفجر من آثارهما سلبية في الناس عامة، وفي المبدعين خاصة… ولا شيء يعلو على صوت الذات وسيرتها".
هذا الاعتراف هو قاع الوعي؛ حين تصبح الذات آخر شيء يمكن التمسك به في عالم فقد كلّ يقينياته. وهنا بالضبط يظهر صوت كاتب يسكن هشاشته ولا يخشاها، يقف عاريًا أمام القارئ ليقول له: هذا أنا في لحظة السكون العالمي، اسمعني، أو تجاهلني، لكن لا تقل إنني لم أتكلم.
في قراءة هذا النص، لا يمكن الفصل بين الخاص والعام. فاليوميات ليست فقط مرآة ذاتية، بل عدسة مكبّرة لكشف علل المجتمع العربي، من تعطل الفرد، إلى جبن الجماهير، إلى حبّ الطغاة. الرياحي لا يقدّم خلاصًا، بل يقدم مرآة مكسورة، يرى فيها القارئ صورته مفككة، لكنها أكثر صدقًا.
الكتاب فعل بقاء. فعل كتابة ضد الصمت. وهو بهذا يشبه الرسم تحت القصف، أو التنفس داخل الماء. عمل كهذا لا يُكتب إلا في زمن الكارثة. ليس لأنه يشرحها، بل لأنه يكشفها عن طريق الذات. وما الذات إلا صوت يصرخ حين يخرس العالم.
صحيح أن الكتاب وثيقة حجر، لكنه أيضًا بمثابة درس في كيف نحيا حين لا يكون في الخارج ما يستحق الحياة. وكيف نواجه الجبال حين تتهاوى. كيف نكتب ونحن نغرق. وكيف لا نفقد اللغة، حتى ونحن نذوي سريعًا نحو القاع. 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.