}
عروض

"أثر الصورة": عن الفوتوغرافيا وتاريخ فلسطين المُهمّش

يوسف الشايب

28 يوليه 2025


تُعدّ الصورة وثيقة تاريخية بالغة الأهمية، إذ تُجسّد الجوانب الاجتماعية والثقافية والسياسية للحياة الفلسطينية، مُقدّمةً رؤىً قد لا تُجسّدها السجلات المكتوبة وحدها، كما تُساعد على إعادة بناء الحياة اليومية والتقاليد والعلاقات الاجتماعية للفلسطينيين، مُثريةً فهم تاريخهم بما يتجاوز الروايات الرسمية التي تُهيمن عليها النخب والقوى الاستعمارية، فيما تُقدّم الأرشيفات البصرية، وخاصةً ألبومات العائلة والمجموعات، منظورًا متعدّد الأبعاد للأحداث والتجارب الشخصية، مُتيحةً للمؤرخين ربط الصور بالتعليقات والمذكرات لتكوين سياق تاريخي أكثر شمولًا، عبر التركيز على سبعة ألبومات فوتوغرافية جمعها واصف جوهرية وحافظ عليها منذ أواسط عشرينيات القرن الماضي وحتى أواسط ستينياته.
بهذه العبارات يمكن محورة الكتاب التوثيقي المهم "أثر الصورة: الفوتوغرافيا وتاريخ فلسطين المهمّش"، لمؤلفيه عصام نصّار، وإسطفان شيحا، وسليم تماري، الذين حوَّلوا صُور جوهرية إلى سند ملكيّة (كوشان) لا يمكن الاستغناء عنه في فلسطين، التي شددوا، عبر ما قدموه في الكتاب من دراسات متصلة منفصلة، على كونها جغرافيا تتواصل رغم الصدمات، ولا يمكن محوها بأفعال الصهيونية، أو السردية الغربية، أوروبية وأميركية، فهو كتاب في القضية الفلسطينية كما في التصوير الفوتوغرافي.

صندوق العجب ـ القدس نحو عام 1910. الصورة لخليل رعد من أرشيف واصف الجوهرية ــ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت


والكتاب الصادر بالإنكليزية أولًا، وصدر أخيرًا بالعربية بترجمة لسعود المولى عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ورام الله، يفتح فصلًا جديدًا في تاريخ التصوير في الشرق الأوسط، مقدمًا رؤية مُعاكسة للتحليلات التقليدية السابقة، والتي هيمنت على السردية بصوت أميركي أوروبي يتكئ على إنجازات المُصوّرين من المستشرقين، لجهة التركيز على المصوّرين المحليّين، أي أبناء المكان جغرافيًا، واجتماعيًا، وثقافيًّا، ليغطي، عبر صور جوهرية، جانبًا مِحورّيًا من تاريخ فلسطين السياسي والاجتماعي والثقافي من منظور غير مُمّثل، أو مُهمل، بقصدٍ أو من دونه، خلال فترات حاسمة من التحوّل في المسألة الفلسطينية.
وفي أمسية إطلاقه، التي شارك فيها اثنان من مؤلفيه، هما عصام نصّار، وسليم تماري، واحتضنته "عليّة" مركز خليل السكاكيني الثقافي في مدينة رام الله، تمحور النقاش حول الأرشيفات الفوتوغرافية والذاكرة التاريخية للقدس وفلسطين خلال أواخر العهد العثماني وأوائل القرن العشرين، وسلّط الضوء على جهود واصف جوهرية، الموسيقي والمؤرخ، الذي جمع ووثّق بدقة الصور والأحداث والحياة الاجتماعية في القدس، مُنشئًا أرشيفًا بصريًا وسرديًا غنيًا.





واستكشفت الحواريّة حول الكتاب أهمية هذه الصور في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي الفلسطيني، وتحديات الحفاظ على الأرشيفات في ظلّ الاضطرابات السياسية، والتعقيدات التفسيرية للأدلة الفوتوغرافية، فيما تأمل المتحدّثون في التفاعل بين الحنين والواقع التاريخي، والأبعاد الأيديولوجية لجمع الصور، والنهج العلمي التعاوني لدراسة هذه المواد من منظورات تخصصية متعددة، كما تناولوا الطبيعة المتنازع عليها لـ"الاكتشافات الفوتوغرافية"، ودور المصادر البصرية في فهم الحياة اليومية، وأهمية حماية الأرشيفات العائلية للحفاظ على التراث الفلسطيني، من دون إغفال تلك التأملات حول أساليب التأريخ الحديثة، والطبيعة المتطورة للتصوير الفوتوغرافي، والتوترات بين الروايات التاريخية الرسمية والشعبية.

زيارة الإمبراطور فيلهلم الثاني للقدس عام 1898 ـ ألبوم جوهرية 1 ـ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت


ويشير الكتاب إلى أنه، وفي النصف الأول من القرن العشرين، جمع واصف جوهرية، "الموظف البسيط في إدارة الانتداب البريطاني"، ما يقرب من تسعمائة صورة فوتوغرافية من مصوّرين أوروبيّين ومحليّين، في سبعة ألبومات وضع لها عنوان "تاريخ فلسطين المصوّر"، وهي ليست إلا مُكونًا واحدًا من مجموعة أكبر، بحيث جرى ترقيم صور هذه المجموعة والتعليق عليها وترتيبها، مرفقة بثلاثة مجلدات من مذكرات مكتوبة بخط اليد، وكتالوغ مرجعي لألبومات الصور من ثمانٍ وسبعين صفحة، وفهرست مكون من أربع عشرة صفحة وملخص للكاتالوغ المرجعي، وملف يحتوي على صور غير مُفهرسة، لكن هذه المجموعة كانت جزءًا من مجموعة أكبر جمعها جوهرية في منزله بالقدس قبل عام 1948، وتضمنت قطعًا من الفن الفلسطيني والعربي، والمنسوجات الأثرية والأثاث والآلات الموسيقية، والصور بطبيعة الحال، وتؤكد رغبة واصف في الجمع والتنظيم، أي الأرشفة، في إطار من "حمى الأرشفة" التي سادت أوساط الفلسطينيين في ربع القرن الماضي.

واصف جوهرية ووالده


ومع وجود استثناءات ملحوظة، فإن معظم الصور جرى إنتاجه، كما يتضح في الكتاب، في عدد متنوع من الاستديوهات الخاصة بأبناء فلسطين والأجانب المقيمين فيها، أو في جوارها. وعلى هذا النحو، فإن الحرفة الفوتوغرافية التي تؤطر هذه الألبومات، سواء بشكل فردي، أو باعتبارها أثرًا فنيًّا، أو أرشيفًا، تجعلنا نفكّر في كل من تاريخ التصوير الفوتوغرافي في فلسطين، وأيضًا في تاريخ فلسطين من خلال الصورة، ما يجعلنا أمام اعتبار الصور الفوتوغرافية والسرد البصري فعلًا ووثيقة وشهادة، بشكل أو بآخر.
وأهم ما يؤكده الكتاب هو حالة الوصل بين تاريخ التصوير الفوتوغرافي في فلسطين وبين تاريخ فلسطين من خلال التصوير الفوتوغرافي، بحيث يُقدّم لنا دليلًا على المجال غير المنقطع للتجربة المادية والتاريخية والجماعية التي تشكل مسارًا مُتواصلًا لا جدال فيه لفلسطين العربية، من ماضيها الحي إلى حاضرها الحي، بعيدًا عن أي قراءة نوستالجية لصور جوهرية، تفترض ضياع فلسطين وزوالها كحقيقة تاريخية وحاضرة.

جمال باشا على حصانه عند البحر الميت (1915) ـ ألبوم جوهرية/ مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ بيروت 


إن المساهمات الثلاث التي يشتمل عليها الكتاب، ورغم كونها تاريخية في طبيعتها، تحدد معنى الحياة الاجتماعية للتصوير الفوتوغرافي في فلسطين المعاشة، وعليه، فإن قراءة ألبومات جوهرية الفوتوغرافية بتمعّن ودقة وفحص عميق، تؤكد على حياة الفلسطينيين الاجتماعية وواقعهم المادي، بما يعطّل حتمًا منطق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، بل ويسقطه.
ولمؤلفي الكتاب ثلاث خلفيات أكاديمية حقلية متباينة، ولذا تعامل كلّ منهم مع المجموعة الجوهرية الفوتوغرافية وفق وجهة نظره: تاريخ ثقافي، وسياسي، واجتماعي، وبالتالي فإن الكتاب يُقدّم ثلاث مقاربات بشأن موقف هذه الألبومات حيال الحياة الاجتماعية والسياسية لفلسطين العثمانية المتأخرة ولفلسطين الانتدابية، من دون إزاحة الفوارق المتناقضة في ذلك التاريخ المضاد الذي يسعون لبلورته، أو إغفاله.





ورغم أن ألبومات واصف انتقائية، لكن تنوّع المنهجيّات والتخصّصات التي يقدمها مؤلفو الكتاب يُقدّم صورة فريدة من نوعها، لجهة التعامل بطريقة مُبتكرة مع هذه الألبومات، عبر عددٍ مُتنوّع من العدسات التخصّصية، ومن خلال دراسة كل من التصوير الفوتوغرافي، والتاريخ، وعلم الاجتماع التاريخي.
ويتوزع الكتاب على مقدمة وفصول خمسة وخاتمة، تتطرق إلى محاور رئيسية حملت عناوين: "طُرق في رؤية الأرشيف البصري الفلسطيني"، و"الألبومات الفوتوغرافية بصفتها أرشيفًا وسردية"، و"فاصل بصري: صور فوتوغرافيّة من فلسطين العثمانية وفلسطين الانتدابية"، و"مشهدية الفرجة ومشهد الحرب"، و"في المجال الحسي ورفض التقسيم"، مُشتملة على تفاصيل مثيرة حول جوهرية إنسانًا وموظفًا في حكومة الانتداب البريطاني، وموسيقيًا، وقبلها كلها مُصورًا فوتوغرافيًا، ودوره كمُصور ومُقتنٍ للصور في التصدي، المقصود أو غير المقصود، للسردية الصهيونية حول فلسطين وأهلها، ولو بعد قرن ممّا قام به.
ويخلص المؤلفون في الكتاب والنقاش حوله أيضًا، إلى أن واصف جوهرية كان شخصيةً محوريةً جمعت بين الموسيقى، والتصوير، والكتابة، لتوثيق الحياة الفلسطينية خلال العهد العثماني، وأن ألبوماته الفوتوغرافية، التي يعود تاريخها إلى عام 1924، سردًا ثلاثي الأبعاد، وفريدًا، يربط الصور بتعليقات ومذكرات مفصلة، كاشفًا أن الحفاظ على الأرشيفات الفوتوغرافية واجه تهديداتٍ كبيرةً خلال حرب 1948، حيث فُقدت، أو تفرقت، مجموعات عديدة، ما يُبرز هشاشة التراث الثقافي.
كما أكدوا على كون الصور الفوتوغرافية ليست محايدة؛ فهي قابلة للتضليل، أو التلاعب، ما يتطلب تحليلًا نقديًا لفهم سياقها التاريخي وإطارها الأيديولوجي، وعلى أن التعاون العلمي متعدد التخصصات أثرى دراسة هذه الأرشيفات، مُقدِّمًا تفسيراتٍ متنوعةً، من التاريخ، وعلم الاجتماع، ودراسات ما بعد الاستعمار، وإلى أنّ الحنين إلى الماضي قد يُشوّه الفهم التاريخي، مُركّزين على رؤية مثالية تتجاهل التفاوتات الاجتماعية وصعوبات ذلك العصر.
وكَشَف المؤلّفون دور واصف جوهرية، كمُشارك ومُراقب في توثيقه الفوتوغرافي، عن العلاقة المعقدة بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي، فإقحامه نفسه في المشاهد يطمس الخط الفاصل بين الشاهد والفاعل، متحديًا بذلك المفاهيم التقليدية للموضوعية التاريخية، وأن ألبومات الصور الفوتوغرافية تعمل كنصوصٍ تاريخية متعددة الطبقات، تجمع بين الأدلة البصرية والتعليقات السردية لإنشاء سرد متعدد الأبعاد للحياة الاجتماعية والسياسية في فلسطين عامة، والقدس خاصة.
ويُظهر جوهرية، من خلال تحليله لموضوعية الصور، أن الصور الفوتوغرافية، وإن كانت تُعدُّ موضوعية في كثير من الأحيان، تخضع للتأطير والرقابة والإخراج، وهذا يستلزم نهجًا تاريخيًا نقديًا يُسائل إنتاج الصور واستقبالها.
وخلص مؤلفو كتاب "أثر الصورة: الفوتوغرافيا وتاريخ فلسطين المهمّش" إلى أن دمج المصادر البصرية في السرديات التاريخية يُثري تأريخ فلسطين من خلال توفير رؤى ملموسة للحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والممارسات الثقافية، والتي غالبًا ما تكون غائبة عن الوثائق الرسمية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.