}
عروض

"خريف آخر": الحياة والحب والمعتقلات في ظل الاحتلال

راسم المدهون

29 يوليه 2025




علاقتي بتجربة محمود شقير الأدبية بدأت كـ"إشاعة" منذ حدّثني الكاتب الروائي والقصصي يحيى يخلف مطلع سبعينيات القرن الماضي عن قصته "خبز الآخرين" وأيضًا عن قصص أخرى كتبها أحد مجايليه وهو ماجد أبو شرار وجمعها يخلف نفسه بعد ذلك في مجموعة قصصية وحيدة للكاتب وحملت عنوان "الخبز المر".

قابلت محمود شقير لأول مرة في "مكتب منظمة التحرير الفلسطينية" في برلين الشرقية عام 1975 وكان قادمًا لتوه من فنلندا بعد أيام قليلة من خروجه من المعتقل الإسرائيلي وإبعاده من الضفة، هو الذي يقترن اسمه حتى هذه اللحظة في ذهني بدخول المعتقل، وأيضًا بالإبعاد.

ربما نجحت تلك "الاعتقالات" و"الإبعادات" المرتبطة بها في تأخير تجربته الإبداعية لكنها حملت أيضًا وهج حضوره بعد ذلك. كتبت عنه مرّة باعتباره "حارس القدس" وكانت تلك ولم تزل علامة على ارتباطه الحميم بمدينته القدس كفاحيا، غير أنها تشير أيضًا إلى حضور المدينة في وعيه وإبداعه على نحو لم يحضر في أدب كاتب آخر، خصوصًا وأن محمود شقير يقف اليوم في رأس هرم الإبداع الفلسطيني وهو الذي نجح في مواكبة الحداثة تمامًا مثلما نجح في مواصلة مدّ جذوره في تربة فلسطين فحقق ارتباطًا حيويًا بأجيال الفلسطينيين المختلفة في كل ما كتبه وأبدعه في العقود الماضية.

روايته الجديدة (نوفيلا) بعنوان "خريف آخر" (منشورات مكتبة كل شيء – حيفا – 2025) تأخذنا بدورها إلى التاريخ. هي أولى تجارب شقير الروائية، إذ كتبها في ثمانينيات القرن الماضي ولكنه لم ينشرها، وكان لا ينساها تمامًا، لكنه كان في الوقت نفسه يراها تحتاج إلى تعديلات جعلته يحذف قسطًا وافرًا من صفحاتها، ثم يجري عليها تعديلات رآها ضرورات فنية وموضوعية لينشرها بعد ذلك على صورتها التي بين أيدينا اليوم. وهي في سرديتها واكبت أحداثا كبرى عشناها في عقد السبعينيات من القرن الماضي.

هي بهذه "الحيثيات" تحمل بصمات "التجربة الروائية الأولى"، لكنها أيضًا ابنة الوعي والخبرة الروائية التي تراكمت ومنحته مكانته المرموقة اليوم بين زملائه من الروائيين الفلسطينيين والعرب، وهي أيضًا ثمرة التجربة الطويلة في الكفاح على مستوييه الوطني - السياسي، والأدبي الإبداعي الذي تضيف له هذه الرواية القديمة - الجديدة لوحة أخرى في بانوراما هذه التجربة الأدبية المتميزة والتي يكتبها محمود شقير وكأنه يتلو سيرة شخصية أو بعض فصول منها. هي رحلة إلى المعتقل قد تطول وقد تقصر بينما تظل الحياة خارجها "إجازات" خاطفة يعيشها بطل الرواية بعض الوقت، ويعلم أنها ستتوقف في لحظة ما يقررها الاحتلال، ويفرضها بالقوة الجبرية والقهر كي تصبح واقعًا يوميًا مسيطرًا.

في "خريف آخر" يفتح شقير نوافذ على الحياة اليومية للناس البسطاء من الفلسطينيين العاديين، ويرسم لوحات تعكس تصورهم ورؤاهم لموضوعات أساسية كالحب والجنس والعائلة والعمل والحياة المتوترة العاصفة بكل تلك المفاهيم والمقولات. هنا وأمام تلك الموضوعات يبدو شباب فلسطين، بأفكارهم البكر والفطرية، يذهبون للحياة بأحلام بسيطة ترى كل شيء مؤجلًا بانتظار خلاصهم العام الذي تطحنه حالة الاحتلال، وتضعه في صورة مستمرة أمام وجع مختلف يجعل البلاد وأهلها في "حالة طارئة" تؤجل كل شيء، وتسمه بالغرابة واللاجدوى، مهما تكن أهميته وحضوره في نفوسهم وأرواحهم.

ينتبه شقير للجيل الجديد وما يحمله من أهواء ورغبات تعصف به وبيومياته فيقدّم لوحات عن ذلك في سياق سردية بطله الروائي الذي تثقله تكاليف الحياة اليومية وترهقه تكاليف مواجهة الاحتلال. هي بمعنى ما رواية الحياة في القدس وتفاصيل العصف الهائل الذي يداهم أرواح أبنائها على نحو دائم ومتواصل. والكاتب خلال ذلك يعيد قراءة التطورات التي عصفت بالحياة الفلسطينية في القدس والضفة الغربية والتي جعلت البلاد تتضاءل بقدر اتساع المساحات التي زحف عليها الاستيطان، وجعل الفلسطينيين يقبلون - بعد امتناع وصل حد التحريم- على العمل في مناطق الاحتلال الأول (وراء الخط الأخضر) وما فعله العاملون من تغيرات اجتماعية باتت سمة الحياة اليومية وطابعها الجديد. هي لوحات تجيء لاهثة وتفيض بدلالاتها كما بتفاصيلها التي تبدو للقراءة العابرة هامشية وقليلة الأهمية لكنها تحتل مكانتها البارزة في أرواح الفلسطينيين اليوم.

"خريف آخر" هي رواية حب؛ إنها سيرة بطل الرواية مع ابنة عمه "حليمه" التي تبدأ من رفضه فكرة الزواج منها بقرار العائلة باعتبارها ابنة عمه لكنها مع ذلك تمنحه نفسها بدون أن تلزمه بأي موقف، وتذهب إلى حدود مواقف جميلة ومشرقة لم يكن يتوقعها منها. محمود شقير يكتب هنا عن الحب الصافي الذي تشكلة حالة واقعية، لكنه في الوقت ذاته يحمل رمزيته وبعده الوطني والإنساني الغني بالمعاني الكبرى من دون شعارات. هو عشق يعيد صياغة مفاهيم بطل الرواية ويمنحه رؤى تأخذه في اتجاه جمال جديد، مختلف ومفتوح على المستقبل والانحياز لتكوين عائلة تقوم على الحب والتفاهم.

"خريف آخر" موشور هادئ عن حياة عاصفة فيها الكثير مما هو ليس عاديًا ولا طبيعيًا ويشير إلى بؤرة الحزن المعتق التي خلقها الاحتلال كندبة ثقيلة وبشعة في أرواح الفلسطينيين ونفوسهم، تمامًا كما في مدنهم وقراهم على حد سواء. وأعتقد أن "خريف آخر" بهذا "الشكل الأخير" الذي استقر عليه الكاتب رواية تستحق ما بذله من جهد حميد لاستعادتها من أدراج مخطوطاتها وإطلاقها كطائر جميل في فضاء حياتنا الأدبية لتضاف إلى تجاربه الكثيرة في الرواية والقصة القصيرة بالذات.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.