في روايته الحادية والعشرين، "شخص آخر" (Quelqu'un d'autre) التي صدرت ترجمتها بالعربية عن دار نوفل- هاشيت أنطوان تحت عنوان "فتاة المتاهة"، يعود غيوم ميسو إلى كوت دازور، مسقط رأسه في أنتيب، لينسج لغزًا نفسيًا يتمحور حول جريمة قتل وحشية. مستلهمًا بوضوح من الدراماتورجيا المسرحية وفيلم "غارد أ فيو" في بناء سرده المشوّق، من خلال الجمع بين التشويق الشعبي والطموح الأدبي، مقدمًا رواية تأسر بإيقاعها السريع وتعدد وجهات النظر. لكنه هذه المرة كما هي الحال في روايته "أنجليك" يتعثر في استعارات متكلفة، وبشخصيات سطحية نسبيًا، موظفًا حبكة متوقعة بالنسبة للقراء المخضرمين ممن سبق لهم قراءة أعماله، وهو ما قد يثير فيهم إحباطًا، لا يقل عن إحباطهم بخاتمة روايته هذه، والتي لا يمكن وصفها إلا بالمخيّبة، كلّ ذلك مع التأكيد على أن "فتاة المتاهة" نجحت في جذب القارئ العادي، لكنها فشلت في إثارة الدهشة الحقيقية أو ترك أثر دائم.
الجمال المشوب بالعنف
تبدأ الرواية بمشهد يجسد التناقض بين الجمال والفجيعة: يخت فاخر يطفو على مياه البحر المتوسط الفيروزية قبالة جزر ليرين، حيث تتعرض أوريانا دي بيترو، وريثة إمبراطورية صناعية إيطالية وصحافية حربية سابقة، إلى هجوم وحشي بقضيب حديدي. هذا العنف، الذي ينتهي بموتها بعد غيبوبة عشرة أيام، يحطم سكينة المشهد المتوسطي. ميسو، الذي سبق أن استحضر هذا الإطار في "الفتاة والليل"، يبرع في تصوير كوت دازور بحنين شخصي، حيث تصبح جزيرة سان أونورا، بأديرتها المحصنة وإدارتها الرهبانية، رمزًا للنقاء المهدد. هذا الفضاء ليس مجرد خلفية، بل فاعل رمزي يعكس التوتر بين الظاهر المصقول والمستور المضطرب، كما لو كان البحر نفسه مرآة تخفي الفوضى تحت سطحها الهادئ.
هذا التوتر الرمزي هو أحد أقوى عناصر الرواية، بالإضافة إلى الإطار المكاني الساحر الذي اختاره ميسو لأحداث روايته، لكنه توتر لم يكف وحده لحمل العمل، إذ سرعان ما يتحول الجمال إلى ستار للحدث الوحشي، بدون أن يُمنح المكان عمقًا إضافيًا يتجاوز دوره الزخرفي. هنا تظهر براعة ميسو في خلق أجواء مبهرة خارجيًا، لكنه يعجز في منح خلقه عمقًا تأمليًا أو دلالات فكرية كما كان يفعل في رواياته الأولى.
لعبة الأصوات أم تكرار الحيل؟
تتبنى الرواية هيكل "من فعلها؟" (Whodunit)، مقدمة أربع روايات متضاربة من أدريان، زوج أوريانا وعازف جاز شهير؛ أديل، عشيقته الشابة التي تعاني من الاستياء الاجتماعي؛ جوستين، الشرطية المحلية التي تتصارع مع انهيار زواجها؛ وأوريانا، التي تروي أسابيعها الأخيرة عبر استرجاعات سردية. هذه الأصوات، المتناوبة عبر ثلاث سنوات (2022-2024)، تخلق لغزًا محكمًا يحتفظ بتشويقه، كما يعد ميسو في مقابلاته، حيث يصف الرواية كـ"لعبة" مع القارئ، يُمنح فيها أدلة مبعثرة تدعوه لإعادة القراءة لفك الشيفرة.
هذا الهيكل، المستوحى من الدراماتورجيا المسرحية وفيلم "غارد أ فيو"، يُتقن بنيويًا، خاصة في مشاهد التحقيق بين جوستين وأدريان، التي وصفها أحد القراء بـ"حوارات مكثفة" تشبه "مسرحية مغلقة". لكن القراء المخضرمين، كما أشارت قارئة قرأت سبع عشرة من روايات ميسو، وجدوا الحبكة متوقعة. فقد كتبت: "خمنت الحيلة في منتصف الكتاب، مستحضرة أول رواية قرأتها له". هذا التكرار، خاصة في استخدام اضطراب الشخصية كمفتاح للحل، المستوحى من أعمال كلاسيكية مثل "دكتور جيكل ومستر هايد"، يجعل الرواية أقل إثارة لمن هم على دراية بحيله السردية.
الأسلوب: بين الإدمان والزخرفة المتكلفة
ميسو سيد التشويق الشعبي، و"فتاة المتاهة" تثبت ذلك بإيقاعها السريع وحواراتها الديناميكية. النص يُقرأ بنهم، كما يؤكد قراء وجدوها "مسببة للإدمان"، خاصة في النسخة الصوتية بصوت ريمي بيشيه. لقد تخلى ميسو عن العناصر الخيالية لأعماله المبكرة، مفضلًا نهجًا واقعيًا يركز على تعقيدات العلاقات الزوجية. فكرته المحورية – "هناك ثلاث حقائق: حقيقتي، حقيقتك، والحقيقة" – تتجلى ببراعة، حيث يتلاعب بالمعلومات بدون كذب صريح، مما يجعل القارئ شريكًا في حل اللغز.
لكن الأسلوب يعاني من عيوب واضحة. استعارات مثل "الخوف يُزَيِّن الجلد بصدمات كهربائية" أو "الحقيقة تتدفق كالصديد من دمل" تبدو متكلفة، كما لو كانت محاولة لإضفاء عمق شعري لا يخدم النص. جيمس وود قد ينتقد هذه الزخرفة كتشتيت عن القوة السردية. كذلك، استخدام مقالات صحافية ومقتطفات من ويكيبيديا لتأصيل الواقعية بدا "باردًا ومفتعلًا"، كما وصفه أحد القراء، مشيرًا إلى أنها "أبطأت الدخول في القصة". هذه العناصر تعكس معضلة ميسو: كيف يحافظ على أسلوب جذاب من دون التضحية بالكثافة الشعورية؟
الشخصيات: كيانات للحبكة أم أرواح ناقصة؟
تتألق الرواية في تنوع شخصياتها، لكنها لا تصل إلى العمق المطلوب. أدريان، عازف الجاز، يجسد تناقضًا بين السحر والصراعات الداخلية. جوستين، الشرطية، تضيف بعدًا إنسانيًا بحياتها المضطربة. أديل، العشيقة، تعبر عن الرغبة في "أن تصبح شخصًا آخر"، وأوريانا تمنح طابعًا تراجيديًا عبر استرجاعاتها، لكنها تبقى شخصيات غير منحوتة جيّدًا بل سطحية أيضًا، يستحيل بسبب قلّة الاشتغال عليها التعاطف معها أو الارتباط بها، فميسو، رغم ما يشعره سرده من طموح لاستكشاف الروح البشرية، كتب شخصياته لتكون مجرّد أدوات تخدم الحبكة أكثر من أن يجعلها كيانات مستقلة، وكأننا أمام سرد ميكانيكي يضحي بالتعقيد الإنساني لصالح الإثارة، وهو بالضبط ما قد يفعله أي كاتب تخلى عن طموح كتابة نص يبقى، في صالح كتابة عمل مشوق يجذب القراء ويبيع. على سبيل المثال، علاقة جوستين وأدريان، التي كان يمكن أن تكون دراسة للعلاقات المعقدة، تُعالج بشكل سطحي، كحيلة درامية لا كتأمل نفسي، وهو ما يُظهر غلبة المحرّر الأدبي، الذي هدفه جلب المزيد من القراء، على الروائي المبدع الذي يهدف إلى خلق رواية خالدة، ولو بتنفير قراء يفضلون التشويق والمتعة على حساب الأدبية والعمق.
تشويق محكم ينتهي بخيبة
حبكة "فتاة المتاهة" هي قلب الرواية، تقدم تجربة تشويقية تأسر القارئ منذ البداية. تناوب وجهات النظر والانتقالات الزمنية يخلقان غموضًا وترقبًا، خاصة في مشاهد التحقيق المكثفة، ما يجعل الرواية تُقرأ بنهم، لكن الحبكة اعتمدت على حيلة اضطراب الشخصية، التي سبق لميسو استعمالها في أكثر من عمل سابق، وهو ما قد يلاحظه القارئ المخضرم الذي سبق له اكتشاف عوالم غيوم ميسو، الأمر الذي يجعله يحكم على الرواية بالمتوقعة والمألوفة، بل بالعمل الذي يصيب بخيبة أمل حقيقية.
ومع ذلك، تبقى الخاتمة هي العيب الأكبر في رواية "فتاة المتاهة"، فبعد أن قام ميسو ببناء لغز معقد، يُفجر السطر الأخير ذروة دراماتيكية، لكنها تُتبع بخاتمة رومانسية بين جوستين وأدريان تثير الامتعاض، نظرًا لأن الحل المتعلق بأوريانا وأديل، المستوحى من حيل كلاسيكية، جاء مبالغًا فيه وغير محتمل تمامًا، بل كانت تسوية ساذجة، قتلت التوتر السردي لإرضاء الجمهور الشعبي، مفضلة العاطفية الرخيصة على الجرأة والابتكار.
هل قتلت شعبية ميسو طموحه الأدبي؟
لفهم "فتاة المتاهة"، يجب وضعها في سياق مسيرة ميسو، فهو بمبيعات تجاوزت 35 مليون نسخة، يظل الروائي الأكثر مقروئية في فرنسا. أما هذه الرواية، التي صدرت بعد توقف نادر في 2023، فقد كانت مرتقبة بشدة، خاصة أنه في مقابلات كثيرة عبر ميسو عن رغبته في كتابة "أدب متعة" يعيد القرّاء إلى شغفهم المراهق بالقراءة وهو ما يحققه مع كل عمل، لكنه أكّد أيضًا أنه يطمح إلى استكشاف تعقيدات الحقيقة والهوية، والذي يبدو طموحًا بعيد المنال في روايته هذه التي كان بمقدورها أن تجعله يحقق طموحه، إذ كان يكفي أن يسمح لنفسه بالغوص في مناطق فلسفية وأخلاقية، كما نجده مثلًا في أعمال معاصرة مثل روايات بيير لوميتر أو دونا تارت، لكن ميسو كما يبدو اختار في "فتاة المتاهة" أن يجعلها محصورة في دائرة الراحة الشعبية.
"فتاة المتاهة" تؤكد مكانة غيوم ميسو كسيد التشويق الشعبي. إطار كوت دازور الساحر، اللغز المحكم، والإيقاع السريع يجعلونها رواية تأسر القراء الذين يبحثون عن المتعة. ولكن الاستعارات المتكلفة، الشخصيات غير المحبوبة، الحبكة المتوقعة، والخاتمة الركيكة تكشف حدود ميسو كروائي لم يستطع بعد تحقيق حلمه في الجمع بين الإثارة والعمق الأدبي، بين الجماهيرية والكتابة الباقية.


تحميل المقال التالي...