ابتداءً، فإنّ "الفلسطينزم"، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الفلَسطنة"، هو، كما يقول المؤلّف الباحث الدكتور إياد البرغوثي، المصطلح الذي يسعى هذا الكتاب ليكون حجرَه الأساس، وشرارة انطلاقه، ودعوةً للبناء عليه، ليكون على قَدر المهمة الإنسانية النبيلة والعظيمة التي يمثلها. وهو يمثل ارتقاءً بالوعي، من حالة شكّلت فيها الوطنية الفلسطينية نقيضًا للصهيونية والصّهينة (zionizm)، كمشروع لإقامة دولة يهودية في فلسطين، كما قال إدوارد سعيد، إلى نقيض لها كمشروع للهيمنة على الإنسان أينما وُجد. وهي بالنسبة إلى الفلسطينيّ، الأساس الفكري والمرجعية الأخلاقية لمشروع التصدي للصهيونية المهيمنة على العالم، استراتيجيًا وسياسيًا واقتصاديًا وفكريًا. وهي النظرة الأشمل للتخلص من العنصرية "الخبيثة"، باعتبارها منهجًا وضرورة لتفكيك الصهيونية. هي الوعي النقيض للصهيونية خاصة بشكلها "الترامبي"، واللغة المشتركة لأحرار العالم، والبوصلة الفكرية والأخلاقية لكل من سعى للحرية والإنسانية "الطبيعية".
هذا الكتاب للبرغوثي يناقش، ما بين السياسة والفكر السياسيّ، تطور الوعي بفلسطين، من قضية "الفلسطيني" الذي اغتُصبت حقوقه صعودًا إلى قضية "الإنسان" الذي سُلبت حريته. ومن حركة مقاومة لاستعادة حقوق شعب، إلى منظومة فكرية لتحرير البشرية. فنحن هنا حيال محاكمة للمفاهيم وإدانة للسياسات الفلسطينية والعربية والعالمية، في ما يخصّ القضية الفلسطينية والمتاهات والمؤامرات التي طاولتها، منذ نكبة 1948 عمومًا، ولكن منذ انطلاق منظمة التحرير والثورة (المقاومة) الفلسطينيّة والكفاح المسلح في 1965 خصوصًا، ووصولًا إلى محطة اتفاقية أوسلو وتبعاتها، وهذه هي المحطة الأخطر بين محطات النضال الوطني الفلسطيني. ولكنّ الأشدّ خطورةً هو ما جاء به "طوفان الأقصى" الشهير (7 أكتوبر/ تشرين الأول) وارتداداته.
فصول ومحطّات من الكفاح
كثيرة هي الفصول والمحطّات والتفاصيل التي يتناولها الباحث والأكاديمي الدكتور إياد البرغوثي في كتابه "من فلسطين إلى الفلسطينزم: قول في الوعي والمعنى" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 298 صفحة، عام 2025)، وبقدر كبير من التدقيق، ومن التعمّق أيضًا، وهو ما يصعب الوقوف عليه جميعًا، إذ يكفي الوقوف على المحطّات الرئيسة في هذه المسيرة، ولعلّ من أبرز المحطّات ومراحل النضال التي يقوم المؤلّف بـ"تشريحها" هو ما جاء في عنوان "فلسطين: بين الدولة والقضية"، وخصوصًا ما يتعلق بالعنوان "منظمة التحرير الفلسطينية... وحدانية الشكل وازدواجية الجوهر"، حيث كان ثمّة جوهران ودوْران... وكيان واحد للمنظمة: وجرى الانتقال من "الكفاح المسلّح" إلى المفاوضات بوصفها الحل الوحيد. ويتوقّف المؤلّف مطوّلًا عند انتقال منظمة التحرير الفلسطينية من منظمة "تحرير" إلى منظمة تكتفي بأي وسيلة لإقامة "دولة"، تسمّى دولة فلسطينية، وليس فيها أيّ من مقوّمات الدولة، المقصود "دولة أوسلو".
هنا، يضعنا المؤلّف أمام منظّمتين، تقودهما مركبة واحدة، واحدة تريد الحقّ الفلسطينيّ "المطلق"، متمثّلًا في التحرير الكامل، والثانية تكتفي بما هو "ممكن" من خلال المفاوضات، والمفاوضات فقط، نحن أمام طرفين أحدهما لا يرى أي حق خارج المطلق، والثاني لا يرى الحق إلا ضمن ممكِنِه، وكلاهما كانتا في يدي القائد ياسر عرفات ومن حوله، مع ما يحيط به من ظروف عربية ودولية، بدءًا من وقائع أيلول/ سبتمبر الأسود في الأردن 1970، مرورًا بحصار بيروت 1982، ثم الانتفاضة الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 1987، وحتى توقيع أوسلو 1993، كانت محطّات انتهت بـ"الطوفان" الذي ترك - بحسب المؤلّف- بصماته على موضوع العلاقة بين شرعيّات شخصيتَي المنظمة، فما جرى في ذلك التاريخ، كان عاصفة مضادة لأوسلو، استحضرت مجددًا عوامل سابقة للشرعية، لها علاقة بالصمود والتضحية والإبداع، فضخّت حياة جديدة في الشخصية الأولى- الكفاحية- للمنظمة، في حين كادت تُجْهز على الثانية.
لكنّ المؤلّف الذي يرى إلى "الطوفان" بهذه الرؤية، لا ينسى الإشارة إلى أنه في كل مرحلة من مراحل تطور النظام الفلسطيني، منظمة التحرير الفلسطينية، بشقَّيه "الثائر" القضية والحلم والتحرير، من جهة، والنظام السياسي/ الواقعي اليومي والباحث عن الحلول، من جهة مقابلة ونقيضة، كان التنظيم المقاتل يمثل الأول، وكان المهادن يمثل الثاني... هذا ما جرى مع فتح في السابق، وما يجري مع حماس الآن. أي إنّنا نكرّر تجاربنا ولا نستفيد منها كما ينبغي. ومن دون حكم نهائي على الطوفان ومآلاته، ينظر برغوثي في علاقات الفلسطينيين في ما بينهم، خصوصًا فتح وحماس، وموضوع الصراع والمصالحة، وضم حماس إلى المنظمة، وما إذا كان هذا جائزًا أو ضروريًّا، فهو جمع بين النقائض، بين شحم ونار.
إسرائيل الدولة "الحَرام"
وإذ ينتهي البرغوثي من فصل فلسطين، المنظمة والدولة، ينتقل إلى الكيان الصهيوني، وما يمثّله من "أداة استعمارية" للهيمنة الإمبريالية- الأميركية والغربية عمومًا، على المنطقة وعلى العالم، خصوصًا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وسيادة القطب الواحد، وانفراد أميركا بالهيمنة والقيادة، وشروع الدولة الصهيونيّة في الخروج العلنيّ على القانون الدوليّ، وما يسمّى قرارات الشرعية الدولية، فقد أصبحت دولة التناقضات، ذات الوجود الصاخب، والصورة المتوحشة. بل التي تصرّ على إظهار توحّشها ليخاف الجميع من الاقتراب من "حدودها" غير المحدّدة حتّى الآن، فحدودها مفتوحة بين النيل والفرات حتّى مكّة ربما!
فهي "الدولة" الاستثنائية في العالم، وقد تهاون وتعاون معها الغرب وساسته في ما يخص تلك القرارات، وهي الدولة التي تعبث بالعالم: دولة "مخلوقة" من لا شيء، إذ لم يكن متوفرًا أي من عناصر قيامها أو "وجودها" عند بداية "التنفيذ"، فكان لزامًا توفير كل شيء، الأرض والشعب والنظام والجيش والثقافة واللغة والقوانين... كل شيء والدولة "الروبوت" صفر مشاعر وصفر تسامح، فليس لغيرها أي حق، وإن أعطت شيئًا لسبب ما فذلك بالنسبة لها امتيازات تمنحها وليست حقوقًا تعيدها... باختصار هي لا ترضى إلا بصهينة العالم... وهي تهين العالم، تهين الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لكنّها إسرائيل "المرعوبة والمهزوزة والمنتشية"، في الوقت نفسه.
يرتبط هذا السلوك الإسرائيليّ- بالطبع- بالنزعة الإمبرياليّة الصهيونية المذكورة، والمتّصلة بقوّة مع مشروع الهيمنة الإمبريالي المعروف منذ عقود من الزمن، لكنّه الآن يأخذ في التصاعد على نحو صارخ غير مسبوق من قبل. لقد غدت الصهيونية ومن خلفها أو أمامها الإمبريالية العالمية قادرة على القتل والتدمير بلا أي محاسبة من أي طرف. ما يجري في غزة ليس سوى جانب من جرائم الصهيونية/ الإمبريالية. ثمة جرائم في رام الله ونواحيها، وما يتم الإعلان عنه من الحق في ضمّ الأردن والشام ولبنان وغيرها. هذه كلّها مخطّطات استعمارية، وليست مجرد أحلام توراتية.
من التخلّي إلى التواطؤ
بعد ذلك، وفي ما يشبه الخلل الفنيّ، يورد المؤلّف فقرات عن "المثقفون الفلسطينيون... الارتقاء بالمهمة" عن "حالة الوعي العالمية الجديدة؟"، فقرات تبدو شاذّة عن السياق العامّ للبحث. ولكن المؤلّف سرعان ما ينتقل إلى الشأن العربي والدوليّ في ما يخصّ فلسطين. وهو يعرض أزمة النظام العربي في علاقته مع الاستعمار الذي "صنعه"، وبات هذا النظام "تابعًا" وخاضعًا، ويؤدّي الجزية، ليحصل على الحماية، وممّن؟ حماية المستعمِر من الشعب! ثمّة دولة ثريّة- نفطية تدفع مئات المليارات من الدولارات لتأمين الحماية "الغامضة" من أي انقلاب/ هجوم عليها، داخلها أو خارجها!
هذا فحوى ما ينطوي عليه خطاب دول عربية كبرى، تستطيع أن تكون من أعظم الدول في المنطقة والإقليم، لكنها تفضّل الركون إلى حماية الهيمنة الأميركية ومتطلبّاتها، خصوصًا في عهد اللصّ الكبير ترامب وغطرسته فوق هذا العالم. وفي هذا العالم، لا تكتفي هذه الدول بالتخلّي عن فلسطين، قضيّة العرب الأولى، ولا عن غزة وما يجري فيها من مذبحة، بل هي تتخلّى عن عروبتها لمصلحة "قُطريّتها" الضيقة، فكلّ ما يعني هذه الدولة "القُطرية" أو تلك هي مصالحها الضيقة، وما يكفل عدم "الثورة" على النظام الحاكم، النظام المستعدّ لمواجهة الشعب بكلّ ما لديه من بطش ودمويّة.
هذه هي حال فلسطين وحال العالم العربي وحال العالم كلّه. هذا بعض ما يعرضه دكتور برغوثي، في نظام عالمي منزوع الضمير، تلاشى فيه آخر ما تبقى من قيم إنسانية. نحن أمام أكبر مسؤول عن العالم لا يملك أي حس بالمسؤولية، كل ما يدركه أنه الأقوى، وما دام كذلك يحق له أن يفعل أي شيء. والمشكلة أنه فعلًا الأقوى لكنه الأكثر رعونة، فأي مصير للعالم يمكن تخيله في ظل هذه القيادة؟ وأمام حالة استعصاء عميقة تتطلب من القوى "الإنسانية" في العالم العمل على تجاوزها بالسرعة الممكنة، فالبشرية لم تعد فقط أمام سؤال مصير النظام العالمي، بل أمام سؤال مصير العالم نفسه الذي بات على كفّ "رئيس" كما يرى المؤلف.
هنا يأتي دور "الفلسطينِزم" لتكون، كما يقول المؤلف حرفيًّا، "فكرًا لتغيير العالم"، وهو الذي أقرّ به ترامب ضمنيًّا عندما وصف سلفه بايدن في إحدى المناظرات بأنه "فلسطيني سيء". صحيح أن ترامب يعبر بهذا عن صهيونيته وعنصريته الواضحة، ولكنه في واقع الأمر، يعترف ضمنا أن "الفلسطينِزم" باتت النقيض الأوضح والأكثر حضورًا للصهيونية الجاثمة على صدر البشرية.


تحميل المقال التالي...