تعود بدايات ظهور مصطلح "الجندر" إلى القرن التاسع عشر، لكنه استُخدم بقوة منذ سبعينيات القرن العشرين الماضي لتمييز الجنس من حيث الذكورة والأنوثة، وللإشارة إلى التقسيمات الموازية وغير المتكافئة اجتماعيًا بينهما. وبرز مفهوم الجندر في الدراسات الثقافية لتبيان الفروق بين الرجل والمرأة الناتجة عن الدور الاجتماعي المنوط بكل منهما، والمنظور الثقافي ووظيفة كل منهما. وهي فروق أفرزتها جملة عوامل دينية وثقافية وسياسية، وصنعها البشر عبر العصور. ونشأت منظمات نسوية حقوقية، ضمن تيارات اجتماعية وسياسية، خاصة في أوروبا؛ لتنخرط في شبكات ضغط على الحكومات والمنظمات الدولية إلى درجة تحوّلت فيها المسألة النسوية إلى قضية لها تأثيرات جدية على نطاق عالمي، وتمكنت في كثير من الأحيان من إصدار تشريعات حكومية أسهمت في تغيير منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية.
وتقدم الباحثة والناشطة النسوية ماري هولمز في كتابها "ما الجندر؟ مقاربات سوسيولوجية" (ترجمة مازن مرسول محمد، تقديم عمرو بسيوني، ابن النديم ودار الروافد، بيروت، 2024) تحليلًا لمفهوم الجندر، وكيفية تفاعل الأفراد من خلاله مع بعضهم، ومع المؤسسات الاجتماعية، والتغيرات التي حدثت له، إلى جانب تقديمها تفاصيل كثيرة حول مفهوم الجندر وعلاقته بالمجتمعات، والكيفية التي نظّر له علم الاجتماع وسوى ذلك من مقاربات معمّقة تدخل ضمن الدراسات الثقافية التي تصدت للعلاقة بين الرجل والمرأة داخل المجتمع.
يختلط مفهوم الجندر مع مفهوم الجنس، لذلك تنبغي الإشارة بادئ ذي بدء إلى أن مفهوم الجنس يشير إلى الفروق البيولوجية بين الذكر والأنثى، أما الجندر فيُستخدم لتبيان الفروق التي تؤسسها الأدوار الاجتماعية والثقافية المنوطة بكل من الذكر والأنثى، لذلك يُطلق عليه تعبير النوع الاجتماعي وليس البيولوجي. وبناءً على ذلك تحاول التيارات النسوية الكشف عن أن الثقافة البشرية صِيغت بطريركيًا منذ نشأتها، فأعلت من شأن الرجال، وجعلت لهم اليد الطولى في كل شيء، فيما جعلت النساء يأتين بالمرتبة الثانية بعد الرجال وفق اعتبارات اجتماعية. ولم تنقطع الدراسات النسوية التي تريد إقناع العالم بأن الأُنوثة بحاجة إلى أن تُصاغ وفق مسارات أخرى مختلفة عن المسارات المتبعة في الماضي والحاضر، وتقدم تفسيرات لما مرّت به الأنوثة، والكيفية التي تشكلت وفقها، وأُريد لها أن تكون بهذه الصورة السائدة.
تتمحور أطروحة الكتاب حول تفحص الافتراضات التي تدعي أننا نعيش في عالم منظم حول فكرة أن النساء والرجال لديهم أجساد مختلفة، وقدرات مختلفة، ورغبات مختلفة، وذلك بالاعتماد على المقاربات السوسيولوجية ذات العلاقة، بغية فهم الكيفية والأسباب التي يتم تنظيم العالم الاجتماعي حول مثل هذه الفروق الجندرية. ويقتضي ذلك تبيان الأساس لفهم الجندر كمفهوم سوسيولوجي، واستعراض تطوّره التاريخي في الدراسات الأكاديمية، ومناقشة الفروق الأساسية بين الجنس والجندر.
ينصب الاهتمام على تناول الجندر كبنية اجتماعية من استعراض الكيفية التي يتجاوز وفقها الجندر كونه خاصة فردية، ليصبح بنية معقدة تشكل الهويات والأدوار داخل المجتمع. ومناقشة الآليات التي من خلالها تُنشئ المؤسسات الاجتماعية مثل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام. وعليه، يجري التطرق إلى كيفية تأثير الجندر على توزيع السلطة والقوى داخل المجتمع، حيث لا يُنظر للجندر كمحور للتمييز، بل كميكانيزم يحدّد الوصول إلى السلطة والموارد. وهذا يستدرج الانتقال إلى نقد الثنائية الجندرية التي تسهم في استمرار الأنظمة الاجتماعية القائمة على الهيمنة والإقصاء، وتبيان أن الفهم المعمق للمسألة سوف يحقق مجتمعًا أكثر عدالة وشمولية من خلال تحدي الأدوار النمطية والتوقعات الصلبة للجندر. فضلًا عن مناقشة الافتراضات الشائعة حول الفروق بين النساء والرجال في الدراسات التي اهتمت بالاختلافات البيولوجية والنفسية والسلوكية، وكيفية تشكيل هذه الفروق ثقافيًا واجتماعيًا عبر التاريخ، من خلال إبراز التأثيرات المتقاطعة بين الجندر وعوامل أخرى مثل الطبقة والعرق في تحديد هوية الفرد.
يُنظر إلى الجندر من خلال نظرية الأداء الجندري ليس بوصفه مجرد صفة نمتلكها، بل هو سلوك نمارسه بشكل يومي، يتجلى في كيفية تجسيد الأفراد للجندر في سياقاتهم اليومية، حيث إن الأفراد، من خلال اختياراتهم وتصرفاتهم، يسهمون في تغيير أو استمرارية الأدوار الجندرية المتوقعة، فالجندر هو أداء يتطلب "جمهورًا" يعترف بهذه الأدوار ويقوم بتعزيزها أو تحديها، وتعمل المؤسسات على تعزيز الأدوار الجندرية من خلال السياسات والممارسات التي تشكل السلوك الجندري المتوقع.
وقد قدمت النظريات النقدية في علم الاجتماع تفسيرات معاصرة للجندر، مثل النظرية النقدية ونظريات ما بعد الاستعمار، وأسهمت هذه النظريات في تعزيز فهمنا للجندر كتفاعل معقد بين الأفراد والمجتمع. أما النظرية النسوية، فتنظر إلى الجندر من منظور القوة والهيمنة، وتكشف عن التحيزات المؤسسية التي تعزز الهيمنة الذكورية في مختلف السياقات، فيما ركزت البنيوية على كيفية تأثير البنيات الاجتماعية في تحديد الجندر، وذهبت نظريات ما بعد البنيوية إلى تحليل الجندر كبنية مفتوحة للتفاوض والتغيير.
تركز المؤلفة على تحليل العلاقة المعقدة بين الجندر والجسد، مبينة كيف تتشكل الأجسام وفقًا للمعايير الجندرية المجتمعية، إلى جانب الكيفية التي يمكن للأجسام أن تعكس وتتحدى الأعراف الجندرية، فالجسد هو موقع للتعبير عن الجندر وأداة للمقاومة والتغيير الاجتماعي. ووفق هذا المنظور، يجري توضيح دور الرياضة في تعزيز الأفكار الجندرية من خلال قواعدها وفئات المنافسة والتوقعات المطلوبة من الرياضيين. وقد مالت النسويات والباحثون في العلوم الاجتماعية في أواخر القرن العشرين إلى رؤية الأجساد ككيانات بيولوجية طبيعية نُقشت عليها المعاني الثقافية "الجندرية". ثم تطوّرت تحت تأثير ما قدمه ميشيل فوكو، الذي تناول كيفية إنتاج المعاني والممارسات الثقافية للأجساد بطرق معينة.
بالانتقال إلى الديناميكيات السياسية للجندر، فإن البحث يشير إلى كيفية تأثير الجندر على السياسات العامة والنضالات من أجل المساواة، من خلال تناول تأثير الجندر على العلاقات السلطوية داخل الدولة والمؤسسات، حيث تروج السياسة السائدة لأصناف هوية متشظية أو مثيرة للقلق، فيما المطلوب هو تحطيم الأفكار حول الأنوثة والذكورة، وأن يفكر الناس بالتصرف بطرق لا تتناسب مع تلك الأصناف أو تتجاوز الحدود. لكن المؤلفة تقرّ بأن إمكانية المقاومة ستختلف كثيرًا من مكان لآخر، إذ عندما يكون هناك نظام "عدائي" في مكان فقير لكنه مهم استراتيجيًا مثل أفغانستان، سيكون القلق كبيرًا على النساء. أما على الطرف الآخر، فقد شهد النظام الأميركي الحالي قيودًا كبيرة على حرية النساء فيما يتعلق بعمليات الإجهاض، وبالتالي فليس من المؤكد بأي حال ما ستكون عليه الآثار الجندرية والآثار الأخرى للعمليات المعقدة والفوضوية في الأغلب المُشار إليها باسم الإمبريالية الأميركية أو النزعة العسكرية الأندونيسية أو الإسرائيلية أو رأسمالية الشركات العالمية أو التدهور البيئي.
ترى المؤلفة أنه من الضروري إدراك أن التمييز الجنسي العنصري قد اكتسب الكثير من أهميته في خدمة الربح الاقتصادي، من خلال التوسع الرأسمالي عبر الاستعمار، وينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن تأكيد هويات غير البيض لا يتعلق بإعادة اكتشاف النقاء المفقود، لكنه يتعلق بإعادة معرفة ما قد تعنيه الانتماءات العرقية المختلفة بالنسبة للنساء، إذا كُنّ قادرات على الوجود في ظروف أكبر من اختيارهن الخاص. كما ينبغي الإصرار على أن مثل هذه الكفاحات من إعادة المعرفة هي ضد المعارف المهيمنة التي تميز الفكر والأطر الأوروبية للبيض. إضافة إلى أنه ينبغي الاعتراف بالفاعلية الشخصية التي تمارسها النساء غير البيض في كفاحهن المستمر ضد العنصرية والتمييز الجنسي. أما فيما يتعلق بالتقاطع بين الجندر والطبقة الاجتماعية، فإن البحث يجهد في تبيان كيف تتشكل الهويات والتجارب الجندرية من خلال السياق الطبقي، من خلال تناول تأثير الطبقة على الأدوار الجندرية والفرص المتاحة في مجالات مثل العمل والتعليم والعلاقات الأسرية، ومناقشة الكيفية التي يمكن للتفاوتات الطبقية تعزيز أو تقويض المساواة الجندرية. وسبق أن أحدث المنعطف الثقافي العام ورؤى علماء الاجتماع مثل بيير بورديو إعادة للتفكير في الطبقة.
الخلاصة هي أن الجندر ظاهرة مركبة، لذلك انصب جهد المؤلفة على تحديد تعقيد الجندر عبر مواجهة تحدي الحتمية البيولوجية الشائعة في التفكير اليومي حول الاختلافات بين الرجال والنساء. ولعل التأكيد على أن هذه الاختلافات هي اجتماعية أكثر من كونها طبيعية يتيح إمكانية تعيين خريطة مفيدة أكثر بكثير من الناحية الاجتماعية لنظريات الجندر، والانتقال من التركيز على المادة إلى التركيز على المعنى. وهذا التحوّل لا يعني رفضًا شاملًا لأهمية المادة في البناء الاجتماعي للجندر، بل في إتاحة طريقة لإعادة تقييم الأجساد في التفكير بالجندر.


تحميل المقال التالي...