كان قادمًا لتوّه من باريس ومن جامعة مسرح الأمم، أخرج مسرحية "من الأعماق" في دمشق أوائل الستينيات ومثّل فيها دور البارون الأرستقراطي. فيما كان يمشي يومًا في ممرات التلفزيون السوري حيث عمل، سمع صوتًا من الخلف: "يا بارون!". كان الضابط البعثي سليم حاطوم الذي خصص لنفسه مكتبًا في التلفزيون، مع المصفحات التي تحميه لمراقبة ما يُقدَّم على الشاشة، يستدعيه. كاد يختنق، فقد كان وصف بارون في ذلك الوقت يعني الأرستقراطي. وما أدراك ما كانت توحي به هذه الكلمة للبعثيين!
ذكريات كتلك يحفل بها كتاب "مسافر زاده الخيال: حوار مع شريف خزندار"، الصادر عن دار أطلس في دمشق (2025). الكتاب مجموعة حوارات بين صديقين كلاهما يهوى المسرح وكرَّس له حياته، أُجريت خلال فترة الكوفيد، ودامت سنة ونصف السنة اعتبارًا من 2020. فترة ذهبية للبعض، فكم من مشاريع حوتها أدراج أو عبرت أذهانًا بدون أن تملك وقتًا لتظهر وسمحت لها فترة العزل بالتحقق. حنان قصاب حسن، أستاذة المسرح في جامعة دمشق وجامعات لبنانية والتي شغلت مناصب ثقافية عربية وأجنبية وحاليًا خبيرة في مركز شؤون المسرح في الدوحة، استغلت الفترة في محاورة عبر الإنترنت مع المسرحي السوري الفرنسي شريف خزندار. في الواقع يصعب حصره بتعريف إذا عرفنا عن قرب مسيرته الطويلة والغنية في مجال الثقافة والمسارح التي أدارها والمسرحيات التي أخرجها، وإدارته الثقافية لعديد من المؤسسات في بلدان عربية وأجنبية، واهتمامه العميق بالتنوع الثقافي والتراث اللامادي للشعوب. فهذا غيض من فيض في سيرة هذا المثقف السوري الذي ولد في حلب (1940) لأب سوري وأم فرنسية وحيث كانت ثنائية الهوية واللغة أمرين طبيعيين جدًا كما يقول. أتاحت له دراسته في مدرسة "اللاييك" الدمشقية التعرف على شخصيات كان لها دور كبير في حياته وفي الحياة الثقافية السورية واللبنانية حينها وفيما بعد. لكن لو لم يكن خزندار موهوبًا ومثقفًا وجادًا في مشاريعه وتدفعه رغبة مخلصة في العمل لما استفاد حقًا من هذه المعرفة. هو رجل كما تصفه المحاوِرة "قليل الكلام خافت الصوت لا يذكر إلا ما تسأله عنه"، والأهم أنه لا يتباهى بما يعرف وبما يفعل رغم أنه يعرف الكثير وفعل الكثير.
منذ البداية كان شريف خزندار مؤسسًا، سمة رافقته حتى تقاعده قبل سنوات قريبة. فبعد أن درس إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية ببيروت أسس مركز المسرح في مدرسة الآداب. ثم عمل بوزارة الثقافة والإرشاد القومي كما كانت تُسمى حينها، في دمشق بين عامي 1963 و1964، وشارك في إدارة مركز الدراسات العليا المسرحية في تونس والمركز الدولي في الحمامات، وصار مسؤولًا عن دراسة الأعمال الدرامية في راديو فرنسا بين عامي 1968 و1973. وكان أهم ما أسسه مهرجان الفنون التقليدية ومن ثم بيت ثقافات العالم بباريس ومهرجان المتخيل. هذا إضافة إلى تسلمه مناصب عديدة منها في المجلس الوطني للغات والثقافات المناطقية بفرنسا، ورئاسة اللجنة الثقافية في اللجنة الوطنية الفرنسية في اليونسكو، ومستشارًا حكوميًا في الشؤون المتعلقة بالتراث الثقافي اللامادي في منظمة اليونسكو بباريس.
يجد كل غايته في هذا الكتاب الذي يسرد ذكريات شديدة الغنى، بدءًا من دمشق وبيروت وحتى فرنسا مرورًا بعدة بلدان أخرى قصدها للعمل (تونس والمغرب...) أو البحث عن عروض ليست عروضًا، بل جزءًا من فهم العالم لما تُعرِّف به من فنون العالم التقليدية لتُقدَّم على مسارح فرنسا. ويكتسب الكتاب أهمية خاصة حين استعادة أيام عمل خزندار في وزارة الثقافة والإرشاد القومي أيام حزب البعث السوري وإشرافه على المسرح السوري في الستينيات. لقد كان أحد الذين لعبوا دورًا في تأسيس الحركة الثقافية السورية وربما، كما تقول الكاتبة، تدين له سورية ولأمثاله بوجود مسرح متميز في البلد. لهذا يُعتبر الكتاب وثيقة مهمة عن الحياة الثقافية في سورية ولبنان تلك الفترة، لإنسان عايشها وشارك فيها بفعالية والتقى كثيرًا من شخصياتها، التي علَّمت تاريخ البلدين الثقافي أثناء دراسته وخلال عمله في ملحق أدبي بالفرنسية في بيروت كان يُشرف عليه الشاعر صلاح ستيتية. فيحكي عن لقاءاته مع ستيتية وأدونيس وكوليت خوري وفاتح المدرس. ويذكر العلاقة القوية التي جمعته مع الفنان التشكيلي السوري لؤي كيالي لما في شخصيتهما من تشابه؛ "كلانا يحمل شيئًا من الخفر والتحفظ وقلة الكلام، أنا الذي ينفر من كل ما هو فجّ وسوقي" كما قال. ومعًا اكتشفا رسومات أبو صبحي التيناوي حيث كان كيالي يشرح له الشبه بين لوحات التيناوي العفوية وبعض أعمال الفنانين الإيطاليين. ويذكر خزندار تنظيمه وكتابته عن أول معرض للفنانين السوريين التشكيليين في بيروت عام 1962 والذي شارك فيه المدرس وكيالي ومحمود دعدوش ومحمود حماد وأحمد دراق السباعي. ويروي ذكرياته مع فاتح المدرس وتأليفهما معًا لكتاب "القمر الشرقي على شاطئ الغرب" الذي احتوى أشعارًا ورسومات لكليهما بالعربية والفرنسية.
من مزايا الكتاب الأخرى مشاركة المحاوِرة بذكرياتها، ما كان يُحفّز ضيفها على إعطاء تفاصيل أكثر لا سيما عن الحياة المسرحية في سورية ذلك الوقت حين التقى بوالدها المسؤول عن مديرية الفنون. فيروي ذكرياته كمخرج وخبير في المسارح في وزارة الثقافة، والمناخ السائد وجولته على الفرق المسرحية التي كانت "بلا تأهيل" في شتى أنحاء سورية مقترحًا الإشراف عليها. وعن هذا يقول "خلقت نوعًا من الرقابة ندمت عليه". لكنه يصف الفترة حينها بأنها لا مثيل لها، منفتحة حيوية حافلة بنشاطات في مجالات التشكيل والنشر والترجمة والمسرح والندوات مع وجود صحافة معارضة وحرية تعبير، "إنه مناخ الديمقراطية الذي كان سائدًا في الخمسينيات واستمر بعد استلام البعث لفترة مع طبقة وسطى مدينية مستنيرة ومثقفة غير البرجوازية الإقطاعية التجارية التي تركت سورية بعد التأميم".
ويتعمق الحوار في الحديث عن توجهات المسرح السوري آنذاك مع تيارين خلقا نهضة مسرحية. وهما المسرح القومي الذي كان يُعجب المثقف والإنسان العادي، ومسرح رفيق الصبان الذي كان يعمل بشكل مستقل ويهدف لعرض الكلاسيكيات لجمهور نخبوي، ويبتعد عن أعمال كرَّستها مصر مثل مسرح نجيب الريحاني ويوسف وهبي وتابعتها في سورية فرق خاصة مثل حكمت محسن. وكان الصبان ينفر من عروضهم مطلقًا، عليها "التسلية على الطريقة المصرية"، "فكل شيء كان يأتي من مصر حينها حيث يتم تمصير الثقافة الغربية وإرسالها لنا". وتُدافع حنان عن مصر التي لعبت دورًا مهمًا في ثقافة هؤلاء الذين لم يذهبوا للخارج حيث كان لها الفضل في اطلاعها على مسرح العبث ويونسكو وبيكيت من مجلة المسرح المصرية. ويتطرق الحديث إلى انتقادات سادت الأجواء حينها كانتقاد سعد الله ونوس لاستخدام العامية في المسرح، والشتائم (حمار) في مسرحية "فتى الغرب المدلل".
ويغتني الكتاب برسومات (لفرنسواز غروند شريكته) وصور من الأرشيف له ولإعلانات عن مسرحيات أو مقالات كتبها شريف أو كُتبت عن مسرحياته، لنكتشف مدى النشاط والاهتمام منذ الشباب والإخلاص الكامل للعمل، عوامل لعبت دورها في صقل شخصيته وحبه للبحث والتجديد اللذين دفعاه للسفر من جديد إلى فرنسا.
تصعب الإحاطة بكل ما فعله شريف خزندار في مجال الثقافة والمسرح والكتابة وإدراك معرفته العميقة بثقافات العالم اللامادية ومتابعة عمله الدؤوب عبر مناصبه ولا سيما في اليونسكو، لنشر التراث الثقافي غير المادي والاعتراف به. لكن الكتاب يجول في كل هذا بتعمق ولا يُفلت تفصيلًا عبر حوار بين صديقين غني وممتع ومشوق يتشاركان فيه ذكريات مدهشة ومعلومات قيّمة يسافر عبرها القارئ في رحلة ممتعة عبر الكلمات. فشريف خزندار من المثقفين الحقيقيين، كما تصفه قصاب حسن وكما نعرفه، وكان له الفضل الأكبر في تعريفنا في دار ثقافات العالم ومهرجان المتخيل بباريس على فنون الشعوب التقليدية الحيّة الموسيقية والمسرحية بعيدًا عن الفولكلور وصنعته. ولطالما أدهشنا مع رفيقة دربه، الفنانة فرنسواز غروند، والتي يجيء ذكرها مرارًا في الكتاب لعملها معه ومساهماتها الدائمة ودورها المحوري في الإشراف على خيارات الدار الفنية، بعملهما معًا لنشر ثقافات العالم بعيدًا عن أي مقاربة كولونيالية. وجاء عنوان الكتاب، ملائمًا لشريف خزندار، هو الذي لم يتوقف خلال رحلاته التي لا تُحصى ومناصبه عن البحث عن تجليات وتلوّنات المخيلة البشرية بكل ما فيها من غنى لا يدركه إلا من كان منفتحًا على الآخر ومحبًا لكل جديد.
نال خزندار الاعتراف بأهمية دوره في نشر ثقافات العالم وحصل على تقدير هيئات ثقافية مهمة ونال الجوائز والأوسمة من بلدان عدة، وهناك اليوم جائزة باسمه تمنحها دار ثقافات العالم في فرنسا. نشاط مكثف عاشه، وتركه اليوم من دون حنين ليعيش في الريف الفرنسي: "لقد قمت بكل ما كنت أحلم بالقيام به، وحان الوقت لعيش فترة هادئة مستقرة مليئة بالراحة والسعادة".


تحميل المقال التالي...