}
عروض

بيوتات دمشق العلمية وإسهاماتها الحضارية

عمر كوش

27 أغسطس 2025
 

 

تواتر في السنوات القليلة الماضية إصدار دراسات وأبحاث تتناول التاريخ السوري والمجتمع السوري والأنظمة السياسية، وذلك على خلفية ما عصف بالسوريين من أحداث جسام، خاصة بعد قيام الثورة السورية بمنتصف آذار/ مارس 2011. وغالبًا ما كانت العودة إلى تاريخ سورية بمثابة استحضار له كي يساعد على فهم الحاضر فيها، وتنمّ عن عجز أو هروب من أسئلته، حيث تجري عملية إعادة قراءة ما حصل في الماضي، وخاصة الماضي القريب، بوصفها ضرورة أساسية لإيجاد حل لمشاكل الحاضر. ولعل أغلب الدراسات التي تناولت تاريخ سورية كان تدور حول إبراز الوجه المشرق لها خلال حقبة معينة، شكلت فيها بؤرة حضارية وثقافية. ووفق هذا المنحى، يسعى الكاتب رياض سالم عواد في كتابه، "بيوتات دمشق العلمية واسهاماتها الحضارية من القرن الخامس الهجري حتى القرن العاشر الهجري" (دمشق، صفحات للدراسات والنشر، 2024)، إلى تبيان اسهامات بيوتات دمشق العلمية في النظم الدينية والسياسية والعسكرية والإدارية، خلال الفترة الممتدة من القرن الخامس الهجري الذي يمثّل نقطة انطلاق النهضة العلمية في دمشق، وتنتهي عند القرن العاشر الهجري. تلك البيوتات التي شملت إسهاماتها الحضارية العديد من البلاد العربية الإسلامية، ولم تقتصر على دمشق فقط، لكنه يكتفي بدراسة تلك الاسهامات في هذه المدينة تسهيلًا للدراسة.

يهدف الكتاب إلى إظهار دور دمشق الحضاري خلال الفترة المدروسة، وتبيان دور الملوك والسلاطين والأمراء والأعيان في دعم بيوتات دمشق العلمية، من حيث إِنشائهم ودعمهم للمؤسسات التعليمية في دمشق، ودعمهم وتقريبهم علماء البيوتات العلمية، مثل إعطائهم المناصب، وبذل الأَموال عليهم، وإجلالهم وتعظيمهم لتلك البيوتات، إلى جانب تبيان دور الأسر الإسلامية وحرصها على دعم وتطوير هذا العلم وديمومة ازدهاره، من خلال إنجابها علماء كرّسوا جهودًا جليلة خدمة لعلم التاريخ على اختلاف مجالاته من جهة، فضلًا عن اسهاماتهم في العلوم الأخرى كالعلوم الدينية والإنسانية والعقلية من جهة أخرى. إضافة إلى ما تركه هؤلاء العلماء من بصمات حضارية،  تمثّلت في دعمهم للنظم السياسية والقضائية والإدارية مع بيان دور المدينة الحاضن للبيوتات العلمية، التي عملت على دفع عجلة الازدهار الحضاري في الدولة العربية الاسلامية عمومًا، ومدينة دمشق على وجه الخصوص، والحيلولة دون تعثّرها بالاضطرابات السياسية، والأمنية، والاقتصادية التي عصفت بالدولة في ذلك الوقت، إذ توزّعت هذه الإسهامات على مختلف المجالات الحضارية كالدينية، والسياسية، والعسكرية، والإدارية، والعلمية في دمشق، من خلال تقلّد علمائها أَرفع المناصب الدينية في دمشق كمنصب قضاء القضاة، وقضاء العسكر، وإفتاء دار العدل، فضلًا عن منصب الحسبة، كما تولّى علماء البيوتات الدمشقية المناصب السياسية والعسكرية كمنصب نائب الملك أَو السلطان، ومنصب الوزير، ووظيفة شحنة دمشق، ونظر ديوان الجيش، وغيرها من المناصب، إِلى جانب اسهامات بيوتات دمشق العلمية في النظم الإدارية فيها، بتصدرها لأجلّ الوظائف الإدارية بدمشق منها نقابة الإشراف، ووكالة بيت المال، وكتابة ديوان الإنشاء وغيرها.

نشأت في دمشق بيوت كثيرة تعنى بالعلوم في القرن الخامس للهجرة، وخاصة علم الحديث والعلوم الشرعية، ورحل إليها طلاب علم يأخذون عن الشيوخ في تلك البيوت، فجاءها الحافظ البغدادي والحافظ ابن حجر وسواهما، وتسلسل فيها العلماء، لكن العطاء العلمي لم يقتصر على العلوم الشرعية، بل امتد إلى سائر العلوم مثل علم الفلك، وعلم الساعات الذي اشتهرت به دمشق شهرة خاصة، وتجسّد ذلك في ساعة ابن الشاطر في الجامع الأموي التي وصفها الرحالة في رحلاتهم، وكذلك الساعة الشمسية التي صنعها الشيخ محمد الطنطاوي.

استمر العطاء العلمي بدمشق في القرون المتتالية بكل تخصصاته، وعني العلماء الدمشقيون بأبنائهم، فتخرّج من بينهم علماء تابعوا الآباء والأجداد وخدموا العلم. وبرع أبناء دمشق في علم الهندسة والعمارة، وأشادوا مساجد ومدارس، بعضها ما يزال قائمًا حتى اليوم، وبرزت أسرة ابن المهندس الذي أشرف على عمارة المدرسة الظاهرية (دار الكتب الوطنية حاليًا) وغيرها من المدارس.

برزت أسرة ابن المهندس الذي أشرف على عمارة المدرسة الظاهرية (دار الكتب الوطنية حاليًا) 


أما في الطب فقد عرفت دمشق أطباء كثرًا، جرى ذكرهم في كتب التاريخ، بالنظر إلى ما صنعوه في مهنتهم، وما أبدعوه، من أمثال ابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، وابن البيطار، الذي برع في علم الأعشاب، وابن أبي أصيبعة، صاحب كتاب طبقات الأطباء وغيرهم، وأشرفت الأسر الطبية على رعاية البيمارستانات (المستشفيات) التي كانت تمثل كل منها جامعة للطب والصيدلة، حيث يتلقى فيها الطلاب علم الطبابة نظريًا وسريريًا. ويرجع الفضل في نشوء الأسر المتخصصة إلى حرص الآباء على تعليم أبنائهم منذ صغرهم، الذي يبدأ في حفظ القرآن، ثم تعلّم مبادئ العلوم الإسلامية والعربية، وبعدها يأتي التخصص العلمي.

وشهدت دمشق في تلك الفترة تدفق بيوتات علمية إليها، بدوافع دينية، وسياسية، وعسكرية، فضلًا عن الدوافع الاجتماعية. واتجهت تلك البيوت إلى دمشق آتية من العراق، وبلاد الشام، والجزيــرة، ومصـــر، والمغرب والأندلس، وكان أبرزها بيت البرزالي الأشبيلي، وهو بيت علم دمشقي أصله من أشبيلية ساهم في دعم الحياة العلمية في دمشق، وتميّز بكونه بيت الرواية والفقه والتاريخ والرئاسة، وبيت ابن الصائغ الأنصاري، الذي يعدّ من البيوتات العلمية الكبيرة في دمشق التي استقبلتها مدارس السلطان نور الدين محمود زنكي، وأسهم علماؤه في الحياة العلمية والإدارية فيها، فاشتهروا بعلوم الحديث الشريف والفقه والحساب والشعر.

كما تولى علماؤه المناصب القضائية والإدارية المهمة في المدينة كقضاء القضاة، وقضاء العسكر، والشهادة، ووكالة بيت المال، وكتابة الديوان الخاص، ونظر الأسرى. واضطر بيت ابن الحاج القرطبي الأندلسي، وبيت الضياء محمد المقدسي، للهجرة إلى دمشق بعد استيلاء الصليبيين على بيت المقدس، حيث اضطر علماؤه للهجرة إلى دمشق سرًا وخفيةً بسبب ملاحقة الإفرنج لهم، وكان من بينهم الشيخ المحدث الفقيه المصنف بهاء الدين أبو محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسي (ت 1226م)، أو بسبب الدوافع الاقتصادية. ووفرت لهم السلطة الدمشقية المسكن والرواتب والجرايات.

تعدّ إسهامات بيوتات دمشق العلمية في النظم الدينية والسياسية والعسكرية والإدارية في دمشق بارزة، وذلك في الحقبة الممتدّة من القرن السادس إلى القرن العاشر للهجرة، التي كانت واحدة من أزهى الحقب، حيث شهدت تطوّرًا حضاريًا ملموسًا لا سيما في الجانب العلمي للدولة العربية الإسلامية حينذاك، من خلال ما شهدته من ازدهار ملحوظ في مختلف العلوم كالعلوم الدينية، علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه ومذاهبه، والعلوم الإنسانية كاللغة العربية والتاريخ والجغرافية وغيرها، والعلوم العقلية كالطب والرياضيات والفلك والفلسفة.

وطرأ في تلك الفترة تطور على علم التاريخ، حيث ازدهرت المكتبات بأشهر الموسوعات التاريخية العربية الإسلامية المصنّفة في تاريخ السير والمناقب والتاريخ العام والتراجم والطبقات وتاريخ المدن. وساهمت في النهضة الفكرية الحضارية التي شهدتها دمشق آنذاك، وذلك على الرغم من الأوضاع المضطربة التي مرت بها الدول العربية الإسلامية بسبب الحروب الصليبية (1095-1291م)، حيث استطاعت دمشق أن تصمد طويلًا لحصار الصليبيين عددًا من المرات بعد أن كادت تسقط بأيديهم، وتحّدت تلك الظروف وسعت بجهد حثيث لتهيئة هذه البيئة في دمشق بغية دعم البيوتات العلمية فيها.

لا يهتم الكتاب بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أدت إلى ازدهار البيوت العلمية الدمشقية، وذلك على الرغم من أن العديد من المصادر التاريخية والعلمية يمكن الاستعانة بها في هذا الصدد، فضلًا عن عمليات الدعم والتشجيع والمكافآت التي أدت إلى نشوء بعض فروع المعرفة العلمية، مع أنه يركز على دور أهل السلطة الذين تولوا حكم دمشق كالزنكيين والأيوبيين وصولًا إلى المماليك، الذين حرصوا على إشراك أبرز علماء دمشق في بعض المناصب السياسية والإدارية وحتى العسكرية،  حيث حظي القضاء برعاية واهتمام السلطان نور الدين زنكي، الذي كان أول من أنشأ محكمة عليا سماها (دار العدل) بمثابة دار للمظالم، للنظر في القضايا التي تخص كبار رجال الدولة، وعندما لاحظ عدم قدرة القاضي على مجابهتهم، جلس في دار العدل برفقة القاضي والعلماء والفقهاء ليستشيرهم بما يعرض أمامه من قضايا.

وبناء على نظام القضاء في بيوتات دمشق، كانت وظائف ومهام مختلفة، مثل  قضاء القضاة، قضاء العسكر، إفتاء دار العدل. وجرى اجتراح وظائف عديدة مثل نيابة الملك أو السلطان. وهي أعلى وظائف أرباب السيوف بدمشق، وأرفع النيابات في بلاد الشام. وكان يُعيّن صاحبها بتقليد سلطاني يصدر من ديوان الإنشاء. ومن صلاحياته وواجباته أنه يصدر مراسيم التعيين باسم السلطان بتواقيع منه من أجل التعيين في الوظائف الدينية وغيرها في دمشق، كوظيفة إفتاء دار العدل والحسبة، كما يقوم صاحب هذه النيابة بالإشراف المباشر على العساكر وتفقد أحوالهم، وجعلهم في حالة الاستعداد الدائم. ويتولى صاحبها تحديد وتوزيع الإقطاعات على الجند، فضلًا عن قيامه برئاسة اجتماعات ديوان الجيش، وقيادة الفرق العسكرية. ومن ثم الوزارة، وكذلك النظم العسكرية مثل شحنة دمشق والمقصود هنا شرطة دمشق. وكانت هناك نظم معقدة تراقب وتنفذ في البيوتات من قبل الشيوخ والأمراء.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.