}
عروض

"مغامرة صحافي": هل أميركا أرض الأحلام؟

صدام الزيدي

28 أغسطس 2025




حصيلة سنوات من الكتابة عن أميركا وتدوينًا لرحلة امتدت ثلاثين عامًا، وما تزال مستمرة، ينقل الكاتب والصحافي اليمني المقيم في الولايات المتحدة، محمد الجرموزي، مشاهداته وتجربته الصحافية في بلاد العم سام، إلى القارئ اليمني والعربي، في كتاب صدر حديثًا عن الدار اليمنية للكتب والتراث في القاهرة ومكتبة خالد بن الوليد في صنعاء، جزء من محتواه كان قد نشر في صحيفة "الثورة" اليمنية بعنوان: "رسالة أميركا"، وهي زاوية أسبوعية انتظمت في السنوات الماضية. أما بقية المحتويات فلم تكن منشورة من قبل ودفعت بها الضرورة ليكتمل الكتاب الذي يقول صاحبه إن فكرة تأليفه وإخراجه إلى النور، بدأت في غرفة الرئيس الأميركي توماس جيفرسون في قصره بولاية فيرجينيا والمعروف  بـ"مونتشيلو"، والذي أصبح متحفًا يرتاده الكثير من السياح الأميركان والأجانب، عندما انتظم الجرموزي في رحلة سياحية لمجموعة من الصحافيين الأجانب في أميركا سنة 1994، نظمها مركز الصحافة الأجنبية بالعاصمة واشنطن.

حمل الكتاب عنوان: "مغامرة صحافي إلى أرض الأحلام"، ويتصدره عنوان: "تجربة ناجحة مع القانون وحياة ممتعة في ظل الحرية"، وهو حافل بمشاهدات ومقالات كتبت بلغة صحافية ساخرة منذ عتبة العناوين فالمحتوى. وأتى الإهداء مباشرة إلى والدة الكاتب التي توفيت في اليمن بعيدة عن ابنها، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا في نفسه، فآثر أن يكون الإهداء كله لها: إلى أمي التي توفيت بأزمة دماغية في اليمن وأنا بعيد عنها خلف البحار والمحيطات.

في مطلع تسعينيات القرن المنصرم، ذهب الجرموزي إلى السفارة الأميركية في صنعاء وهو يحمل رسالة من رئيس تحرير صحيفة "الثورة" الحكومية التي يعمل ضمن هيئة تحريرها، طالبًا الحصول على فيزا لقضاء إجازة مع أسرته في أميركا مدتها شهر واحد، لكن خلال شهر الإجازة اندهش الجرموزي بهذا البلد، ووجده أفضل مما تخيل، كما يقول: "أعجبني مناخ الحرية والديمقراطية، كما جذبتني ضخامته وروعة التكنولوجيا وتناغم إيقاعات الحياة اليومية، وخصوصًا طيبة الناس وبساطتهم، أما جمال الطبيعة فقد فاجأني أكثر مما توقعت، وبالخصوص منطقة نيو إنغلاند (التي تضم ست ولايات) في الشمال الشرقي لأميركا ومن ضمنها ولاية ماساتشوستش، التي عدت للاستقرار فيها صيف 1995، حتى لحظة كتابة هذه السطور".

بعد تلك الإجازة، عاد الجرموزي إلى اليمن، حاملًا خبرة معرفية مهمة وذكريات رائعة عن أميركا، أفادته كصحافي، وإثرها كتب انطباعاته في صحيفة "الثورة" ومجلة "معين" (نصف شهرية تصدر عن مؤسسة الثورة للصحافة والطباعة والنشر)، التي كان يتولى إخراجها وتنفيذها، وأحيانًا يرسم ويصمم غلافها.

ثم بدأ يفكر في مواصلة الدراسات العليا بأميركا، في مجال تخصصه (الصحافة)، وكانت الخطوة الأولى تطوير مهاراته اللغوية حيث التحق بالمعهد البريطاني في صنعاء ودرس فيه ثلاثة فصول والتحق أيضًا بالمعهد الأميركي (يالي) وحصل على التوفل. وحينها تم ترشيحه من المعهد لدراسة الزمالة في الصحافة في الولايات المتحدة تحت مظلة برنامج هيوبرت همفري الذي تتبناه الحكومة الأميركية، ليسافر في مطلع العام 1994، وكان محظوظًا إذ حصل تمهيدًا لذلك على منحة ستة أشهر دراسة في جامعة أريزونا ثم الدراسة الأكاديمية في كلية الصحافة بجامعة ميريلاند بضواحي العاصمة واشنطن.

ومن بين تدوينات الكتاب، ينقل الكاتب لحظة مشاهدته للزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا شخصيًا، وحضوره إحدى محاضراته في أميركا، أثناء دراسة الجرموزي للصحافة في جامعة ميريلاند وحصوله على عضوية المنتدى الأميركي للصحافة، ونظمت المحاضرة في العاصمة واشنطن آنذاك، تحدث فيها مانديلا عن نضاله ضد الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا. ثم، حصل الجرموزي على عضوية منتدى (نيوز غالريز)، مما أهّله رسميًا لحضور المؤتمرات الصحافية والفعاليات في مبنى الكونغرس والبيت الأبيض.

وأهم ما يقاربه كتاب الجرموزي، يرتبط بحياة المهاجرين، وخصوصًا اليمنيين والعرب، ما يقترفونه من أخطاء في المراحل الأولى من إقامتهم في الولايات المتحدة، ناقلًا تجربته وخبرته للقراء لكي يستفيدوا منها في حال أخذت الأقدار بعضهم إلى أميركا للإقامة والسكنى هناك. وتبدأ تلك المواقف من التعرف على أسرة أميركية ثم زيارات بين الأسرتين وخروج إلى حدائق ومتنزهات وتبادل هدايا، بعد أن كان الكاتب يتوجس من احتمال أن تكون كل هذه الصداقة غير حقيقية وأن الأمر في باطنه (شغل مخابرات): "لا أدري لماذا فسرت الطيبة الزائدة من قبلهم بسوء نية (بأنها مخابرات)، ومع الأيام اتضح أنها لا مخابرات ولا يحزنون". ويستدرك هنا تحديدًا: "ولكن ماذا أقول. إنها الطبيعة العربية في سوء النوايا".

وتتميز كتابات الجرموزي بأنها ساخرة ومراوغة ولا تلتزم ببروتوكولات مهنية، ابتداء من عناوين ما يكتبه من مقالات أو استطلاعات أو حتى تغطيات صحافية؛ يكتب بأسلوب أقرب إلى العنونة الأدبية، والسردية منها، في جمل هي أقرب إلى العنونة القصصية الصحافية التي تثير الانتباه بإيحاءات لم تكن هي موضوع الكتابة، وتأتي من كاتب تمرس كثيرًا في هذه المواضيع، فهو ساخر ومُلغِز في ما يكتب ويعنون، مثالًا: "طالبة إسرائيلية تصعقني بتيار كهربائي"، بينما الذي حصل هو أنه في اليوم الأول من حضوره للمحاضرات في كلية الصحافة بجامعة ميرلاند، طلب أستاذه البروفيسور روبرت من كل الطلاب التعريف بأنفسهم بعد أن عرّفهم بالجرموزي، ومضت الأمور طبيعية "حتى وقفت إحدى الطالبات معرفةً بنفسها: اسمي بروك من إسرائيل. حينها أحسست بتيار كهربائي صعقني!".

وتتوالى عناوين مثل: "فخورٌ بشنبي اليمني العربي؛ تاريخ عريق وأفضل جامعة وغبار أخضر؛ تجربتي الفاشلة في العمل بتوزيع الخبز؛ من خادم في بيت القنصل إلى أكبر جراح؛ لماذا أنا معجب بالرئيس الأميركي (ابن حسين) (يعني: باراك أوباما)؛ من يكتب خطاب الرئيس الأميركي؛ هاي وباي...؛ كيف يتم إجبار البرلماني؛ متعة القراءة وسط منهاتن؛ مات فقيرًا بأحد الفنادق".

ويختم الجوموزي كتابه بصور تلخص حياة مواطن عربي هاجر إلى أميركا قبل ثلاثة عقود فأصبح أحد مواطنيها. والكتاب في مجمله عباره عن نص سردي- صحافي، ممتع، يلقي ضوءًا على بلاد مترامية خلف البحار والمحيطات، يهاجر إليها الناس من كل الدنيا وكثير منهم لا يعودون.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.