في عام 1492، سقطت الأندلس، وسقطت معها تجربة الأمويين الذين عبروا البحار والجبال والأنهار حاملين معهم إرثهم الحضاري والثقافي والمعماري والحياتي، ناقلين له شفاهةً من دمشق وما حولها نحو بلاد إيبيريا، ليعيدوا هناك بناء مدنهم التي حملت الأسماء نفسها التي تحملها في بلاد الشام: حمص، وحلب، ودمشق الجديدة، وغيرها.
ثمانية قرون خاض العرب فيها حياة كاملة في تلك البلاد قبل أن يجبروا على الرحيل. إبراهيم الجبين يلمِح إلى أن السوريين الذين غادروا، مرغمين، بلادهم قسرًا، أعادوا إنتاج تلك التجربة في بلاد لجوئهم الأوروبية وغير الأوروبية. إذًا، هي سورية المتجسدة في الأندلس، أو ربما هي الأندلس التي تجسدت بأرواح أولادها المنفيين عنها، حيث نقرأ سورية في كل سطر في رواية "الخميادو" للكاتب والإعلامي السوري إبراهيم الجبين.
تشكل رواية "الخميادو" للكاتب السوري إبراهيم الجبين تجربة سردية فريدة تندمج فيها الأزمنة، وتتقاطع فيها الجغرافيا والتاريخ واللغة في عمل روائي متشابك، يعيد كتابة الذاكرة الجمعية السورية من خلال استحضار مأساة الموريسكيين في الأندلس. وهي تستعير عنوانها من مصطلح "الخميادو"، الذي يشير إلى اللغة السرية التي استخدمها المسلمون في الأندلس بعد سقوط غرناطة. لغة هجينة كُتبت بالحروف اللاتينية، ونُطقت بالعربية، لحماية الهوية من محاكم التفتيش. بهذا المعنى، تُعَدُّ الرواية استعادة رمزية لمعاناة السوريين في عصر الاستبداد، ومرآة تعكس قهر اللغة والهوية والكينونة.
اللغة السردية وبلاغة النص
يعتمد إبراهيم الجبين في "الخميادو" على لغة مزدوجة المستوى: لغة وصفية تحاكي الحاضر، وأخرى إيحائية تنبثق من عمق التراث. فالسرد لا يكتفي بالوصف، بل يشتبك مع المفردات التراثية والدينية والفلسفية، مما يمنح النص بعدًا دلاليًا مركبًا، فإذا باللغة تتّخذ دورًا تأسيسيًا في بناء العالم الروائي، وتساهم في رسم مشهدية تغلب عليها الرمزية، كما في توظيفه للصور المجازية والمرجعيات الميثولوجية والدينية "أنت لا تقرأ هذه الرواية، بل ما تبقى منها بعد هدمها"، وهي عبارة تمثل مجازًا سرديًا قويًا يحاكي حالة الدمار والضياع بعد الحرب، لكنها في الوقت نفسه تشير إلى فقدان المعنى والانهيار الرمزي للهوية.
يقول البطل: "هناك أسطورة دمشقية تقول إن تحت المدينة سبع مدن تشير إلى حضارات متعاقبة، إنها ليست أسطورة، إنها حقيقة علمية مائة بالمائة"، وهو استخدام صريح لأسطورة مكانية تعكس تراكم الحضارات والذاكرة التاريخية.
تتسم لغة الرواية بنزعتها الشعرية، حيث تتداخل الجمل الإخبارية مع الاستعارات والتشبيهات التي تفتح المجال أمام تأويلات متعددة. تظهر هذه البلاغة بشكل خاص في وصف الأماكن: دمشق، إسطنبول، كوبنهاغن، وفي حديثه عن الخرائط القديمة، والأساطير، والرموز النازية التي تعشش في ظلال السلطة.
في "الخميادو"، لا تظهر اللغة كوسيلة محايدة لنقل الحكاية، بل تتحول إلى بطل خفي، تمارس فعل المقاومة الرمزية في وجه القمع والنسيان. إنها ليست مجرد أداة تواصل، بل ساحة صراع من أجل البقاء والهوية. هي لغة تحتضن التراث، وتخبئ المعاني، وتلجأ إلى التشفير كما فعل الموريسكيون، لتصبح الخميادو نفسها استعارة كبرى للمقاومة الثقافية. تتسلل المفردات ذات المرجعيات الدينية والأسطورية والتاريخية، كأنها تعيد تكوين سردية موازية، تتكلم باسم المسكوت عنه والمقموع والمنفي. وحين تُحاصر الشخصيات من الخارج، لا يبقى لها سوى اللغة، ولكن ليست أية لغة: بل لغة جديدة، هجينة، تتجاوز سلطة المعنى، وتؤسس لبلاغة مغايرة تنتمي إلى المهمّش والمقموع، لا إلى السلطة. بذلك، تتحوّل اللغة من وعاء إلى درع، من وسيلة إلى موقف، تتحول إلى حرية من نوع خاص، نوع يعجب إبراهيم الجبين نفسه، المولع بالحرية الفكرية حتى في أضيق الإحالات الإنسانية، اللغة أيضًا تؤسس في الرواية كلها لأخلاق سردية مقاومة، تتقاطع فيها الذات مع الجماعة، والذاكرة مع الكتابة، والمنفى مع الوطن.
البنية الروائية والمعمار الفني
تتسم البنية الروائية في "الخميادو" بالتشظي البنائي المقصود. فالرواية لا تتبع خطًا سرديًا واحدًا، بل تتشعب إلى مسارات متعددة، وتتضمن روايات داخل الرواية. ينتقل السرد بين أزمنة مختلفة (الأندلس، دمشق، درعا، إسطنبول، كوبنهاغن)، ويخلط بين الحاضر والماضي، وبين الواقعي والتخييلي، مما يعكس فوضى التاريخ السوري وتشظي الوعي الجمعي، مثل ربط الراوي الثورة السورية بثورات قديمة عبر مقارنات مثل حادثة اقتحام المسجد الحرام، واقتحام المسجد العمري، مما يضفي طابعًا ميثولوجيًا على الفعل السياسي المعاصر.
توظف الرواية تقنية الراوي العليم، لكن هذا الراوي لا يخلو من ذاتية، فهو يظهر كجزء من الحدث أحيانًا، ويتحول إلى شخصية تحاور الماضي وتتقمص أحلامه. كما يلعب التناص دورًا مهمًا في تعزيز المعمار الفني، من خلال استحضار مقاطع من كتب التاريخ، والقرآن، وأقوال الفلاسفة، والوثائق، مما يمنح الرواية طابعًا توثيقيًا في بعض جوانبها.
المستويات الدراسية الأحفورية
يمكن قراءة "الخميادو" وفق عدة مستويات "أحفورية" تعكس طبقات المعنى العميقة:
1 ــ المستوى التاريخي: تُعيد الرواية تفكيك سردية التاريخ الرسمي، وتطرح روايات مضادة تعيد الاعتبار للمسكوت عنه، مثل وجود النازيين في دمشق، وتحالفهم مع السلطة البعثية، ومحاولات محو الذاكرة.
2 ــ المستوى السياسي: تربط الرواية بين القمع في الأندلس والقمع في سورية. فكما حُظر على الموريسكيين ممارسة دينهم ولغتهم، عانى السوريون من تكميم الفكر والتعبير، ويبرز هنا قمع اللغة كأداة للسيطرة.
3 ــ المستوى اللغوي والأنثروبولوجي: يعالج النص التحولات في بنية اللغة ودلالاتها، ويقدم رؤية أنثروبولوجية لعلاقة اللغة بالهوية، متسائلًا عن مصير الشعوب التي تُجبر على العيش بلغات لا تمثلها.
4 ــ المستوى الرمزي: يُمكن تأويل الخميادو، لغة سردية سرية، على أنها استعارة كبرى للمقاومة الرمزية، مقاومة لا تُمارَس بالعنف، بل بالكلمة، بالهوية، بالكتابة السرية التي تهرب من الرقيب.
تعدد الأصوات وحكاية داخل حكاية
تعتمد الرواية على تقنية "الميتانص"، حيث تحضر أكثر من رواية داخل الرواية الأم. هذا التعدد السردي يُنتج فسيفساء حكايات، بعضها شخصي، وبعضها توثيقي. تظهر شخصيات تاريخية حقيقية إلى جانب شخصيات متخيلة، وتُروى الأحداث من وجهات نظر مختلفة، مما يعمق تعدد الأصوات (Polyphony) في الرواية، حيث مثَّل ظهور شخصيات معاصرة ذات سرديات حاضرة في الذهنية السورية عبورًا نحو هذه التقنية من جهة، ومن جهة أخرى كانت تحية كبرى لشخصيات الثورة السورية، مثل سلامة كيلة، وسميح شقير، والساروت، وغيرهم، من دون أن ننسى الإحالات التي تعيدنا إلى النص القرآني، والإنجيلي، وعصر النهضة، بفنونه الزاخرة. لكن الأجمل كان إحالة القارئ إلى نص داخلي من روايات الكاتب نفسه، في حديثه عن ألويز برونر والنازيين المقيمين في دمشق، كما ورد في روايته الشهيرة "عين الشرق".
الزمان والمكان ككائنات حية
يتمتع المكان في "الخميادو" بطاقة سردية خاصة، ولا سيما دمشق، التي تتحول إلى معادل موضوعي للهوية. فهي ليست مكانًا فقط، بل كينونة ثقافية وتاريخية، يُسائلها الكاتب وينقّب في طبقاتها الأثرية والرمزية. الزمان، بدوره، غير خطي، بل دائري، مما يعكس طبيعة القهر والتكرار في التاريخ السوري.
حيث يفتتح الجبين الرواية بمشروع بحثي لاكتشاف المدرج الروماني المدفون في دمشق. هذا التنقيب المادي هو في جوهره تنقيب عن الهوية، وكأن layers المكان تختزن layers الذاكرة المقموعة. في سياق متصل، يصف الجبين المدرج بـ"كولوسيوم دمشق"، وهذا الربط بالرمزية الرومانية يجعل من دمشق مكانًا لـ"الفرجة والمجزرة معًا"، حيث تُستحضر كأمكنة مشحونة بالروح الشعبية، والمخيال الصوفي. لكنها تظهر أيضًا كمواقع مهددة بالمحو الممنهج تحت آلة السلطة البعثية، أو الحداثة الاستبدادية. ثم تُقارن دمشق بالأندلس مرارًا، ليس من ناحية المصير السياسي فقط، بل بوصفها ذاكرة حضارية مهددة. وهنا تصبح المدينة استعارة لفقدان اللغة والهوية، كما حدث للموريسكيين.
الذات الكاتبة وشعرية الشهادة
يميل إبراهيم الجبين إلى تقديم الذات الكاتبة كشاهد، لا كراوٍ محايد. الذات تقتحم النص، تتقاطع مع الحكاية، وتحمل معها ذاكرة المثقف السوري المشرد، الذي يرى في الحكاية وسيلة للبقاء. كما تتخذ الرواية شكل شهادة حضارية وسياسية، وهي في ذلك تشبه دفاتر الخميادو الأصلية التي كتبها الموريسكيون خوفًا من محو الذاكرة. في هذه الإحالة يصل الكاتب إلى حساسية لا مثيل لها في وصف المقاربة الموريسكية السورية، في مواجهة كلٍّ من جيوش قشتالة من جهة، وجيش الأسد وحلفائِه من جهة أخرى، ورغبة الطرفيْن المرعبة في إبادة الخصم، ومحو ثقافته ولغته وفنونه، ومنع كل ما يمت إليها بصلة، في ارتقاء كبير للمعنى في الرواية، لكن يبقى السؤال جاثمًا: فإن كانت الخميادو هي اللغة التي نجت الموريسكيين، فما هي اللغة التي نجت السوريين؟
تشكل رواية "الخميادو" نصًا روائيًا مركبًا عابرًا للأنواع، ينتمي إلى رواية الهوية والسرد المضاد، ويعيد طرح أسئلة جوهرية عن العلاقة بين اللغة، السلطة، التاريخ، والكينونة. إنها رواية الأحفورة الثقافية والسياسية، تنقّب في ماضي الأندلس لتفكك حكاية القهر السوري المعاصر. وبقدر ما تنطوي عليه من جماليات لغوية وبنائية، فهي أيضًا وثيقة سردية تبحث عن الخلاص في زمن الطغيان.
بهذه الرواية، يكمل إبراهيم الجبين ثلاثيته التي قرأ فيها سورية ودمشق فكريًا وحضاريًا، وبرهن أن الكتابة ليست فقط فعلًا فنيًا، بل مقاومة معرفية وروحية، مقاومة تحفر في الأرض، وتستعيد صوت الذين صمتوا قسرًا.


تحميل المقال التالي...