يقدم المؤرخ الإسرائيلي التقدمي آفي شلايم في مذكراته الصادرة بالعربية عن منشورات تكوين في الكويت بترجمة علي عبد الأمير صالح، بعنوان "العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي ـ عربي"، شهادة شخصية وتاريخية بالغة الأهمية، لا تقتصر على سرد قصة حياته فحسب، بل تمتد لتصبح تأريخًا لذاكرة جماعية، وتفنيدًا لسرديات سياسية طالما هيمنت على المشهد.
ويتنقل شلايم بالقارئ بين ثلاثة عوالم شكلت هويته: بغداد، مسقط رأسه ورمز التعايش المفقود، ورمات غان في إسرائيل، "أرض الميعاد التي تحولت إلى منفى"، ولندن، محطة النضج الفكري والسياسي.
وأبدع الروائي والأكاديمي العراقي سنان أنطون في تقديمه لكتاب آفي شلايم، واضعًا إياه في سياقه التاريخي والسياسي الصحيح، حيث يبدأ بسؤال جوهري: كيف تحولت هوية "العربي اليهودي" من حقيقة تاريخية راسخة إلى ما يشبه المستحيل والتناقض في أذهان كثيرين اليوم؟
وأشار أنطون إلى أن معظم يهود العراق كانوا يرون أنفسهم عراقيين أولًا، وأن الصهيونية كانت بالنسبة لهم أيديولوجية أوروبية غريبة لا علاقة لهم بها، مُوضحًا أن المشروع الصهيوني لم يقتلع الفلسطينيين من أرضهم فحسب، بل حوّل اليهود العرب "بين ليلة وضحاها إلى أجانب وغرباء في بلادهم".
وأبرز الروائي العراقي، في تقديمه للكتاب، الثمن الباهظ الذي دفعه اليهود الشرقيون في إسرائيل، حيث واجهوا مجتمعًا عنصريًا يزدري ثقافتهم، وكانت ضريبة اندماجهم هي "الانسلاخ الثقافي المؤلم"، الذي يصل أحيانًا إلى كره الذات، مُثنيًا على شجاعة شلايم كمؤرخ بارع من "المؤرخين الجدد" الذين يشككون في السرديات السائدة، واصفًا مذكراته بأنها تتسم بـ"الحساسية والمكاشفة التي لا تهادن"، مختتمًا تقديمه هذا بربط الكتاب بالواقع الراهن، مشيرًا إلى موقف شلايم الثابت في إدانة الحرب على غزة، وتأكيده على واجبه الأخلاقي في التضامن مع الفلسطينيين في نضالهم من أجل الكرامة والحرية والاستقلال.
ويدور الكتاب حول فكرة مركزية مفادها أن هوية "اليهودي العربي" كانت حقيقة اجتماعية وثقافية راسخة، وأن التعايش بين اليهود والمسلمين في العراق كان واقعًا يوميًا، بحيث سعى شلايم، عبره، إلى إحياء ذكرى هذه "الحضارة اليهودية العربية الفريدة" التي جرفتها رياح القومية، سواء العربية، أم الصهيونية.
وتبرز أهم رسائل الكتاب في التشديد على كون "الصهيونية حركة أوروبية"، حيث يؤكد شلايم، نقلًا عن والدته، أن "الصهيونية شيء أشكنازي، لا صلة له بنا"، فهي أيديولوجية أوروبية المنشأ لم تكن تهتم باليهود العرب إلا بشكل أداتي لسد الحاجة إلى رأسمال بشري، وكذلك حول "تدمير التعايش"، حيث يوضح الكتاب كيف أن الصراع بين الصهيونية والقومية العربية، وليس صراعًا دينيًا أو ثقافيًا، هو ما دمر عالم اليهود في البلدان العربية، ليؤكد بعدها على أن "المشروع الصهيوني لم يخلق ضحايا فلسطينيين فحسب، بل أوجد صنفًا آخر من الضحايا هم يهود البلدان العربية الذين تم اقتلاعهم من أوطانهم".
وتتبع الكتاب رحلة شلايم وعائلته عبر فصول زمنية ومكانية مؤثرة، ففي الفصل الأول المُعنون بـ"اليهود ـ العرب"، يؤسس شلايم لمفهوم "اليهودي العربي" كثقافة وإرث لغوي، موضحًا كيف أن جذور عائلته الضاربة في العراق جعلتهم يشعرون بالانتماء إليه أكثر من أي ارتباط روحي بصهيون.
وفي الفصل الثاني: "اختراع العراق"، يسرد شلايم كيف أن تأسيس الدولة العراقية الحديثة على يد الاستعمار البريطاني، رغم مشاكله، حافظ في البداية على حقوق الأقليات، ومنهم اليهود الذين ازدهروا ولعبوا دورًا بارزًا في حياة البلاد، لافتًا إلى أن وفاة الملك فيصل الأول عام 1933 كانت حدثًا مفصليًا ومأساويًا في تاريخ العراق، حيث مثّلت نهاية عهد ليبرالي ومتعدد دينيًا، غير مغفل أثر "الكفاح الصهيوني من أجل إنشاء دولة يهودية في فلسطين"، بشكل متزايد، على وضع الطائفة اليهودية في العراق، فمع تصاعد الصراع، زادت حدّة المشاعر المعادية لليهود، حيث بدأ ينظر إليهم كحلفاء للمشروع الصهيوني وعملاء للإمبريالية البريطانية، ما مهد الطريق لأحداث أكثر عنفًا في المستقبل، مثل مذبحة "الفرهود" المروعة التي وقعت في عام 1941.
ويعد الفصل السابع، الذي حمل عنوان "قنبلة بغداد"، من أهم فصول الكتاب وأكثرها جرأة، حيث يوثق شلايم بالأدلة كيف أن عملاء الموساد الإسرائيلي هم من زرعوا القنابل في المصالح اليهودية والمعابد في بغداد بين عامي 1950 ـ 1951، مشددًا على أن ذلك كان بهدف بث الرعب في نفوس اليهود العراقيين الذين رفضوا الهجرة، ودفعهم قسرًا إلى إسرائيل بعد فشل الحركة الصهيونية في استمالتهم.
ويصف شلايم في الفصل التاسع من كتابه، والموسوم بـ"أرض الميعاد"، صدمة الانتقال إلى إسرائيل، حيث تحولوا من طبقة وسطى عليا في بغداد إلى مواطنين من الدرجة الثانية، متحدثًا عن "الهبوط على السلم الاجتماعي والاقتصادي"، وعن العنصرية التي واجهوها من اليهود الأوروبيين (الأشكناز)، الذين احتقروا ثقافتهم ولغتهم العربية.
ويكمن جوهر أهمية الكتاب في تفكيكه المنهجي للسردية الصهيونية، التي تقوم على فكرة العداء الأزلي بين العرب واليهود، كتفنيد أسطورة "العداء الإسلامي المتأصل لليهود"، حيث يؤكد شلايم أن معاداة السامية عبارة عن "مرض أوروبي انتقلت عدواه إلى الشرق الأدنى"، وأن تاريخ اليهود في ظل الحكم الإسلامي كان يتسم بالتسامح والتعايش بشكل عام، ويشير إلى أن الأدبيات المعادية للسامية كانت محدودة بالعربية وتُرجمت من لغات أوروبية.
وفي الإطار ذاته، ذهب شلايم إلى فضح إرهاب الموساد في العراق، فالكتاب يقدم رواية مدعمة تفضح مسؤولية الحركة الصهيونية عن تفجيرات بغداد، وهو ما يتناقض تمامًا مع الرواية الإسرائيلية الرسمية التي تلقي باللوم على العراقيين، بل إن صاحب كتاب "العوالم الثلاثة" يوضح أن هذه الهجمات الإرهابية كانت جزءًا من استراتيجية "استقدام" اليهود بالقوة لتعمير الدولة الجديدة.
ولم يكتف شلايم بذلك، بل كشف عن عنصرية النخبة الصهيونية، عبر تسليطه الضوء على النظرة الدونية والعنصرية التي كانت تحملها النخب الصهيونية الأشكنازية تجاه اليهود الشرقيين، حيث كانوا يرون أنهم "سيجلبون معهم التخلّف والأمراض"، وهنا يذكر الحادثة المهينة المتمثلة في قيام السلطات الإسرائيلية برش المهاجرين اليهود من العراق بالمبيدات الحشرية عند وصولهم.
ولا يتردد المؤرخ الإسرائيلي من أصول عراقية في تصنيف المشروع الصهيوني بأنه "مشروع استيطاني استعماري"، ووصف إسرائيل بأنها "دولة نظام تفرقة عنصرية"، ووعد بلفور بأنه "وثيقة استعمارية قديمة" تجاهلت حقوق الأغلبية العربية في فلسطين، مؤكدًا أن خلق إسرائيل ألحق "جورًا هائلًا بالسكان المحليين"، وأن الفلسطينيين هم "ضحايا المشروع الصهيوني الرئيسيون".
بهذه الطريقة، يقدم آفي شلايم القضية الفلسطينية ليس كصراع بين دينين، أو شعبين متساويين، بل كجريمة استعمارية قامت بها حركة أوروبية بدعم من قوة إمبريالية، وأدت إلى اقتلاع شعب من أرضه وإلى تدمير مجتمعه.


تحميل المقال التالي...