تأخذنا الشاعرة فيوليت أبو جلد إلى عوالمها المليئة بالإيحاءات والصور التي تسائل فيها المرأةُ الشاعرة الكتابة في ذاتها، ثم تنطلق في عملية تحويل القصيدة إلى فعل امتداد لحواسها. إننا أمام تجربة تعبّر عن خصوصية شعورية وترتسم في نصوص مكثفة، حيث الشعر تعويذة آتية من العالم المجازي، بلغة قريبة تتسلّل إلى إحساس قارئها.
وتعدّ نصوص فيوليت من الكتابات التي لا تحاكي إلا من يبحث عن الغرابة في الشعر والمختلف فيه، في جوّ يحمل الكثير من التوتر، وما يرافقه من هدوء في التعبير الخارج من إحساس صادق ومن عالمٍ مليء بالوحدة، والوحدة باردة، ما لم يخذلها الشعر ويخترقها لتتغيّر أسماؤها.
"عادت الأشباح إلى طوافها/ الناس إلى منازلهم/ الوحشة المعلّقة في الفراغ/ أرجوحة بين الحياة والموت".
إننا أمام قصائد مشحونة بالتعبير عن دواخل الشاعرة المليئة بالحيرة، فالصمت عجز، والتعبير بالشعر قدرة وإرادة. هكذا تقف الكتابة عند تقاطع الثنائيات، ويتحوّل التعبير معها إلى مرايا تعكس الفراغ، لتُخرج اللغة من نفسها نحو أفق لا يتّسع إلا للشعر الذي يحمل معاني الحياة والفناء.
بالنسبة إلى الشاعر، الشعر خلاص ومنقذ أخير في زمنٍ قد يغيب فيه الفرح والشغف، لكن، ماذا يعني أن يُصاب الشاعر بحبسة الكتابة؟ أن يفقد قدرته على تمثيل حالاته وأعماقه؟ بهذه الطريقة، تدخل الكتابة مرحلة التحوّل: تصبح عبئًا، فعل اختناق بدلًا من فعل تحرّر. لكنّ الشاعرة تتقن الخروج من هذا المأزق عبر الزمن الذي يتجلّى فيه الفراغ الساكن في مساحاتها الداخلية إذ نجدها تحرس وحدتها، تخاف عليها، وهي في حالة ترقّب وحذر وانتظار لتعود وتكتب من جديد.
"أحرس كل يوم وحدتي/ أراقب الشبابيك، الأبواب/ أفتح الخزائن ثم أغلقها بتوتر...
أحرس وحدتي من الموسيقى المتسرّبة من شقوق الحيطان/ من الحب إذا جاء/ من الحب إذا اختفى".
يتحوّل المكان من فيزيائي إلى نفسي، وتصبح المرأة وكأنها اعتادت الوحدة، حتى غدا الحب، وهو الشعور الوحيد القادر على زعزعتها، مصدر قلق لها. والحب لا ينفصل عن الموسيقى، وتأثيره يشابه وقعها العميق في النفس.
هكذا، تنجح الشاعرة في تصوير الأفعال اليومية داخل عالمٍ يطغى عليه عدم الاستقرار والقلق.
مع فيوليت أبو جلد يختلف المشهد، ففي شعرها، تصبح الأماكن فضاءات غريبة كأماكن السحر حيث تتناسل المجازات، تحمل وحدتها وتسير بها بين الكتب في عملية بحث مضنٍ، سائلةً عن أسرار القصيدة بمفاتيحها الموصدة. إنها السائرة بين الأحلام المستحيلة، تكتب لتقول الفقد والحزن، تكتب كفعل تعويض عمّا يمكن أن يفتح أبواب الممكن والمستحيل.
كذلك تتجسّد في النصوص ثنائية الحياة والموت، وبينهما قاعة انتظار كفراغ شاسع. كأن الشاعرة أرادت عبر شعرها أن تعكس التأرجح الوجودي: مشاعر لا تلبث أن تحيا حتى تموت، ثم تعود إلى وحدتها الموحشة من جديد. إنها قدرة الشاعرة على تصوير نمط الحياة في عالمٍ يتّسم بالقلق وعدم الاستقرار.
"أنا منام أمي/ حين ماتت صحوتُ./ هل استرسلتِ في الشعر أم في الموت؟/ هل صحيح أننا نموت ونحن على قيد الحياة؟/ أوليس الموت الرمزي أعنف من الحقيقي؟ ومن يموت مجازيًّا ينجب القصائد؟/ ففي الشعر حياة، بينما ما الذي يحمله الموت؟".
إزاء الفاجعة، لا يملك الشاعر سوى الأدب. بهذه الطريقة، يأتي المنام أو الحلم ليحوّل حالة الانفصال عن الجسد البيولوجي إلى حالة اتصال بالروح. وبعد أن كانت فيوليت أبو الجلد تكتب من قلب الوحدة والفراغ، صار الشعر رفيق الحزن، وبدأت تكتب من داخل الفاجعة المزدوجة: بوفاة الأم، وبعدها بوفاة الأخ بفارقٍ زمنيٍّ قصير. فالأم التي كانت تُمثّل معنى الحياة، رحلت، تاركة جينات الشعر في جيب ابنتها، فشعرت الابنة بنوع من التخلّي الكوني الذي يفقد الإنسان شغفه ومعناه. والموت مكابر، يهزّ مفاتيحه إنذارًا منه بلحظة الرحيل. وكأن الشاعرة تقول: وماذا ستنفعنا اللغة بعد كل هذا الانهيار والخسارة التي سببها الموت.
تسرد الشاعرة علاقتها بالزمن من خلال الكتابة، فتقارن بين نمط الحياة في حضور الأم ثم في مرحلة فقدانها، إذ تجسّد حالة الغياب على شكل حدادٍ مستمر. فالأم الخيّاطة في الماضي، والتي كانت على دراية بكل شيء، وبيدها تستطيع أن تحرّك الكون، ارتبطت اليوم بالعدم. ومن خلال هذا النص، نلاحظ البنية التي تتشكل من دلالات الغياب الثلاثي الأبعاد: الحسي، والعاطفي، والروحي. إنه غياب حوّل الحلم إلى كابوس، وجسّد المرأة المتألّمة التي تناضل بحثًا عن أدوات النجاة، التي لم تجدها سوى في الكتابة. ما يجعلها تستنتج أن الكتابة وحدها خلاص ومنقذ في حضرة الفاجعة.
"كانت أمي خياطة/ كان الكون مرتبًا، منسقًا، أنيقًا./ الشمس في مكانها/ القمر في وقته./ الكواكب تزيّن الفساتين الطويلة/ الرياح تلاعب أطراف التنانير./ كل زر في عروته/ لكل يد جيبتها الدافئة/ الصدر مكشوف للفرح/ الظهر محميّ بالأمان./ كانت أمي خياطة واختفت/ وأنا هنا/ كل يوم تغيظني الملائكة بأثوابها الجديدة/ بأجنحة طرزتها أمي هناك بخيطان عنايتها.
(...)
لم أعد أكذب أو أخفي أو أهرب/ ولم أعد أشفى/ المسكنات والمنومات/ قصائد يكتبها الأطباء لمزيد من الفقد./ أنا لست حزينة يا أمي/ أنا يؤلمني كل ما بي/ توجعني يدك التي ذهبت معك/ صلاتك التي توقفت/ عتابك القديم/ وموتك الذي لا يتوقف/ وموتك الذي لا يتوقف".
في ديوانها الجديد بعنوان "لا أحياء على هذا الكوكب سواي" والذي ترجمته الكاتبة والمترجمة سعاد لعبيز إلى اللغة الفرنسية وصدر باللغتين العربية والفرنسية عن دار "دورو "الفرنسية، تفكك فيوليت أبو الجلد علاقتها بالعالم، عبر استعارات تمارسها كفعل غرابة. وكأنها تُبصّر أو تتنبأ بما سيحدث في الانتقال من العالم المجازي إلى الواقعي، فيسير القارئ معها في ترحال جديد، حيث تبقى وحيدة تملك الحياة وسط موتٍ كثير، فتخرج الشاعرة من الكون عبر الشعر لتخلق لنفسها نظامًا خاصًا، حاملة لغة تمارس بها طقوسًا سوداء، بأسلوب تسخر فيه من الحياة.
لم تختلف نظرة الشاعرة إلى الحب والرجل كثيرًا عن دواوينها السابقة. فما زلنا نجدها في حالة حذر وخيبة أمل، تحاول الانعتاق من الشعور في حد ذاته. الفارق أنها بدأت تتمرّد على اختياراتها الكتابية، فتوقّفت عن الكتابة عن طيف الحب الغائب، لتصبح القصيدة الكائن الوحيد الحاضر والذي لا يفارقها، حيث صارت البديل الوحيد عن هذا الحب في عالمها الأسطوري وأداة النجاة الذي تواجه بها الموت.
في مكان آخر، تمثل قصائدها المرأة التي تخوض حروبًا نفسية في مجتمع لا يشعر بجراحها، وكأن الشاعرة تصرخ عبر القصيدة لتعبّر عن تمزقات كل شاعرة أو امرأة عاشت تجربة الحب وخرجت منها ممتزجة بالحنين. فالحب لم يعد كما صوّره الشعراء إذ تحول من حالة جمالية إلى ألم وجودي:
"كيفَ سنكتبُ عن الحبّ/ نحن الذين فقدنا أطرافنا في حروبٍ صغيرة/ نحن الذين تركنا الأشباحَ تلهو في غرفنا المعتمة/ وجعلنا من النوم ملتقى لندامى الغياب!/ كيف سنذهبُ إلى الحبّ بأقدامنا القصيرة/ نحن الذين جلسنا طويلًا خلف النوافذ/ ثم ارتبكنا كطَرَقات على أبواب مخلعة/ كيف سنتذوقُ بكلّ هدوء/ عسل كل هؤلاء الشعراء!/ نحن أبناء اللغة المُرّة،/ أصحاب الندوب الغائرة/ حتى آخر الموت!".
ثم، مرّة أخرى، تعود الشاعرة إلى المنام، المكان الموازي للواقع، لترى فيه النساء المنكسرات المخذولات اللاتي فقدن الحب، وباتت الواحدة منهن بلا أمان أو استقرار. حيث تحوّل الليل معهن إلى زمن يوازي حزن النهار كله، وكأنه مكتوب على النساء أن يعشن الحزن مرتين:
"في المنام لا أحد يتخلّفُ عن موعدهِ/ أشباحٌ مأخوذةٌ بالمجيء المتكرّر/ كائناتٌ مرتبكةٌ بأجسادٍ مثقوبة/ كلّ مساءٍ يسرق الليل/ الفساتين المنسية، على حبال باردة، يلتفّ بعباءة لها استدارة امرأة وطول مارد/ المناماتُ أقبيةٌ لا تخون أحزانها/ ذاكرةٌ بلا مطارات، لا مرافئ، لا سكك حديد/ لم يأت أحدٌ باكرًا ... لا متأخرًا".
في هذه المجموعة تابعت الشاعرة المسار متخفية عبر الشعر، والوحشة ترافقها. هذه المرة، اتخذت مكان الأحياء والأموات، وصارت الحاضرة الغائبة، الشاعرة التي تمكنت من التعبير عن شراسة المرأة بعد أن أصيبت بالجراح. وهي المتمردة على ما يُسمّى اليوم بـ"نموذج المرأة"، الذي حطّمته بشرٍّ ورهبة، نتيجة الخذلان وفقدان الشغف ما جعل الأشياء تفقد معناها وسط الثنائيات الضدية التي تحولت من الحياة إلى الموت، من الاشتعال إلى الانطفاء، ومن الشغف إلى البرودة.
"لم تعد للجنّة نكهة الخلاص/ ولا للجحيم رائحة الخطايا/ لم يعد للجسد قوام الروح/ ولا للروح احتمالات العودة/ لم يعد الحب وليمةً للنار/ لا أحد يفقد صوابه/ لا أحد ينهار/ لا سارق ولا مسروق/ لا قاتل ولا مقتول/ لا أحد يرمي بنفسه من شرفة عالية/ من أجل امرأة غادرت للتو/ لا أحد ينزل مغامرًا على السلالم العتيقة خلفها/ بهدوء... بهدوء/ يضاء المصعد ثم ينطفئ/ ثم يضاء ثم ينطفئ/ لم تعد المرأة التي غادرت منذ دقيقتين/ تشعل الحروب/ لا تحرق بلدانًا/ لم يعد الهجران وحشة بليغة".


تحميل المقال التالي...