ليس التنوع الثقافي في المجتمعات البشرية وليد عصرنا الراهن، بل يمتد إلى العصور القديمة، وما تزال مجتمعات معاصرة عديدة تعيش تنوعًا ثقافيًا، تختلط فيه أعراق ولغات وانتماءات دينية مختلفة، وتتواجد مكوناتها ضمن نطاق مسكوني في الأقاليم الجغرافية، وتشكل عبر الزمن فضاء للتعددية الثقافية، يتجسد في أشكال من التعايش بين البشر والثقافات المختلفة. ولم يستخدم مفهوم التعددية الثقافية لوصف مجتمع متنوع ثقافيًا فقط، بل للإشارة إلى السياسة التي تهدف إلى حماية التنوع الثقافي أيضًا، خاصة حين تناول فلاسفة كثيرون التعددية الثقافية منذ القرن العشرين، وأنتجوا دراسات منهجية لها، وباتت التعددية الثقافية موضوعًا سائدًا في الفلسفة السياسة المعاصرة مع القرن الحادي والعشرين. وفي هذا السياق، يقدّم الباحث الفرنسي بول ماي، في كتابه "فلسفات التعددية الثقافية" (ترجمة الزواوي بغورة، ابن النديم وروافد، بيروت، 2024)، عرضًا مستفيضًا ورصينًا عن النظريات والأفكار التي قدّمها فلاسفة التعددية الثقافية، وعن النقد الذي طاولها. إضافة إلى مساءلة ما قدّمه أعلام التعددية الثقافية، وتتبّع أصولها الفلسفية من خلال دراسة أعمال ثلاثة فلاسفة أساسيين، هم جون بودان، وتوماس هوبز، وجون لوك، ومناقشة أفكارهم حول السلطة المدنية والسلطة الدينية، وحول الفرد والحرية والتسامح، إذ يجري تناول التعددية الثقافية في سياق الحداثة ونظرية التعاقدية الاجتماعية. ويمتد النقاش النقدي إلى ما قدمته فلسفات ذات الاتجاه الليبرالي وصولًا إلى إيمانويل كانط، وجون ستيوارت مِل، إضافة إلى عرض أفكار الفلاسفة الكانطيين الجدد المعاصرين، وفي مقدمتهم جون رولز، ويورغن هابرماس.
تميّز الأدبيات الأكاديمية بين ثلاثة تعريفات للتعددية الثقافية، ينتمي أولها إلى علم الاجتماع، ويشير إلى عدم التجانس العرقي والديني والثقافي في بلد من البلدان. أما الثاني فهو تعريف فلسفي يحيل إلى تقييم هذا التنوع من منظور العدالة الاجتماعية، ويعبر عن استجابة معيارية للتنوع، متمحورًا حول احترام أصالة الأفراد، ويقترح مفهومًا للعدالة بغية تعميق النموذج الديمقراطي من خلال مفهوم للعدالة يتضمن التعبير عن ثقافات الأقليات في المجال العام. أما التعريف الثالث فيتعلق بالمجال المؤسسي، حيث تؤدي السلطات السياسية دورًا نشطًا في ضمان الاعتراف العادل والمنصف بالثقافات المختلفة، وقد تكون تدابير الاعتراف ذات طبيعة رمزية، وُضعت لتعزيز إسهام جزء من السكان في التاريخ الوطني.
يتخذ المؤلف نظرية العدالة، التي قدمها الفيلسوف الأميركي جون رولز، منطلقًا لتحليله النقدي، إضافة إلى ما قدمه التيار الجماعاتي ممثلًا بكل من مايكل ساندال، وألسدير ماكنتار، ومايكل ولزار، ثم يعرض أهم نظريات التعددية الثقافية لدى كل من الفيلسوف بيكو باريك في نظريته عن الواحدية الليبرالية والحوار بين الثقافات، والفيلسوف تشارلز تايلور في نظريته عن الذات السياقية وسياسة الاعتراف، ثم الفيلسوف وويل كيمليكا في نظريته عن الحقوق الجماعية والمواطنة المتعددة الثقافات، والفيلسوف جيمس تولّي في نظريته عن الدستورية الحديثة والمواطنة المتنوعة. ويمتد التناول النقدي إلى أشكال النقد الموجهة لهذا التيار، وخاصة ما قدمه الفيلسوف البريطاني بريان باري، والفيلسوفة النسوية سوزان أوكين، وعالم السياسة الأميركي صامويل هنتنغتون.
يحضر مفهوم الثقافة بوصفه مفهومًا مركزيًا لدى تيار التعددية الثقافية، حيث تحول إلى مقولة فلسفية، بالنظر إلى أن القضية الأساسية والمحورية هي قضية تنظيم المجتمع وتدبيره، وشكل الدولة الذي يمكنه تحقيق قيم الحرية، والمساواة، والعدل، والحق. وكان الخلاف ما يزال قائمًا بين التيار الليبرالي وتيار التعددية، والتيار الجماعاتي، التي تشكل الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمكانة الفرد، والجماعة، والثقافة، والثقافات الأصلية تحديدًا، وسياسة اللغات الخاصة. إلا أن الأمر يزداد تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالدين - والدين الإسلامي على وجه الخصوص- لأن هناك من يرى أنه لم يخضع لعملية العلمنة التي عرفتها المسيحية واليهودية، أو هو فاقد المرونة مقارنة مع باقي الديانات الشرقية، وبحكم الجاليات الشرقية والإسلامية التي هاجرت إلى أوروبا وأميركا بعد الحرب العالمية الثانية، والتي شكلت ما بات يعرف بالهجرة في حقبة ما بعد الاستعمار.
لا ينظر المؤلف إلى التعددية الثقافية بوصفها نظامًا سياسيًا قائمًا بذاته، وهي لا تمثل أيديولوجية محددة المعالم، أو وصفة جاهزة قابلة للتطبيق، بل مقاربة براغماتية، لأن مختلف نظريات التعددية الثقافية سواء في نقاشها مع الليبرالية بتوجهاتها المختلفة، أم مع الاتجاه الجماعتي، تحاول قدر الإمكان الاعتماد على التجربة الاجتماعية القائمة، وتطوير قيم العدل والمساواة والحرية بما يتوافق والتجربة التاريخية لمجتمع من المجتمعات المعاصرة.
غير أن التعددية الثقافية باتت تمثل تغيرًا أساسيًا في فهم المجتمعات المعاصرة، حيث لا تختصر في تشكيلها نظرية أخلاقية أو سياسية، وإنما تبرز فكرة متجددة للتعايش في عالم شديد التعقيد. ولعل فلسفات التعددية الثقافية تمثل استجابة للتحديات التي أثارتها موجات الهجرة والعولمة وصعود الثقافات الفرعية، والنزعات العرقية والعنصرية، وتراجع الهويات الوطنية، وبروز الهويات الفردية، وتراجع قيم العدالة والمساواة، وصعود الهويات الدينية، وارتفاع أصوات تطالب بالحقوق الثقافية والخصوصية والاعتراف، الأمر الذي استلزم وجود إطار سياسي وفكري يفهم التنوع الثقافي، ويديره داخل الدولة الوطنية، حيث يتطلب تعزيز التنوع الثقافي معالجة جذرية للاختلافات الهيكلية التي تقوّض كرامة المجموعات المهمَشة، ووجود إرادة فعلية لتمكينها وإنصافها ودمجها في المجتمعات. وبغية فهم فلسفي أعمق للتعددية الثقافية من زاوية فلسفية، يحلل المؤلف الفلسفات التي اهتمت بسياسات الاعتراف بالحقوق الفردية، راصدًا كيفية استجابة الأفراد لسياسات الاختلاف وسياسات المؤسسات، وفي الوقت نفسه، كيفية استجابة المؤسسات للحقوق والمطالب الثقافية للأفراد والجماعات وكيفية إدارة اختلافاتهم.
ينصب اهتمام فلسفات التعددية على العلاقات بين الأفراد والجماعات والدولة، ومناقشة الليبرالية السياسية، التي اتخذت موقف الحياد الليبرالي إزاء الثقافات والهويّات، واعتبرته ضمن العديد من السياسات والفلسفات، على أنه نموذج مثالي يحمي حقوق الفرد ويحفظ التعددية. لكن بيكو باريك طرح نقدًا صارمًا للواحدية الليبرالية، ولتمركزها العرقي، واقترح مشروعًا متعدد الثقافات يقوم على رؤية نقدية لتاريخ الفكر الغربي، والذي يعدّه واحديًا للغاية، حيث تكمن الواحدية الأخلاقية في القوانين والمؤسسات والأنظمة السياسية للغرب. ويقتضي مشروعه المتعدد الثقافات القطع على وجه التحديد مع هذه الواحدية، واقتراح نموذج أكثر شمولًا مقارنة بالأديان والتراثات الفكرية غير الأوروبية. كما قدم تصورًا للذات ممزوجة بالثقافة.
وفي ذات السياق، تركز مشروع تشارلز تايلور على نقد الليبرالية، والدفاع عن التعددية الثقافية، مقترحًا تحديث الصراعات المتأصلة في الوضعية الحديثة، وقبول التوتر المثمر بين تراث التنوير والتعبيرية الرومانسية. وتبرز مفارقة تكمن في الدفاع عن الكرامة المتساوية للأفراد، حيث يستحق كل واحد منهم، ما يستحقه أي شخص من جهة أولى، والمطالبة باحترام اختلافات الأفراد، كالخصوصية التي تشكل هوية الفرد من جهة ثانية. أما ويل كيمليكا، فيرى أن القيود الداخلية المحتملة، أي الضغوط من أجل الامتثال داخل مجموعة معينة، غير متوافقة مع المبادئ الليبرالية، ويجب أن يكون الأفراد أحرارًا في إعادة النظر أو رفض مفاهيم الخير الجماعاتي. ويتطلب ذلك وضع حدّ دقيق ضد التعدي على الحقوق الفردية، وذلك من خلال تخصيص تدابير حماية خارجية تهدف إلى الحفاظ على ثقافة الجماعات مقابل الأغلبية، مع تطوير تدابير مؤسساتية تهدف إلى إحباط أي مبادرة قسرية تجاه أعضاء المجموعة، وبناء نموذج للاعتراف يأخذ في الاعتبار الاعتراف بالأقليات الثقافية.
ينتقل المؤلف إلى ما قدمه جيمس تولّي حول كيفية التفكير في إدراج الأمم الأولى في الاتحاد الكندي، وكذلك مسألة العدالة الاجتماعية في البلدان التي بناها المستوطنون من أصل أوروبي. وينسحب الأمر على أستراليا وبلدان أميركا الجنوبية، حيث تُظهر الحالات التاريخية والمعاصرة التي يطرحها كيفية تقاربها نحو أحادية أكيدة، على الرغم من تنوع الاتجاهات التي تميز المؤسسات السياسية والقضائية للمجتمعات ذات التقاليد الليبرالية. كما يمتد إلى أشكال النقد الموجهة للتعددية الثقافية، من خلال النقد الليبرالي والمساواتي الذي قدّمه بريان باري، والنقد النسوي الذي قدّمته سوزان أوكين، والنقد المحافظ لصامويل هنتنغتون، والنقد التقدّمي الذي طرحه تود جتلين. وقد عارض هؤلاء المفكرون الأربعة التعددية الثقافية، إلى جانب كينان ماليك، وكوامي أنتوني أبياه، والنقد المحافظ أيضًا الذي قدّمه كل من جوفاني سارتوري، وروجر سكروتون، أو نقد نيل بيسوندات، فيما يتعلق بالمخاوف المتصلة بالاندماج وتفتيت الهوية.
بعد كل هذا التجوال الفكري بين المقاربات النظرية المتنوعة، يتساءل ماي عن مستقبل التعددية الثقافية، خاصة بعد الخطابات التي أعلنت موت التعددية الثقافية، مثلما ورد في خطابات أنجيلا ميركل وديفيد كاميرون ونيكولاي ساركوزي، إذ قام العديد من مراقبي الحياة السياسية بتشخيص إعادة النظر في التعددية الثقافية، وقدّم تيار من الأدبيات تشخيصًا عنيفًا للتعددية الثقافية، إلى جانب الرفض المتزايد لسياسات التعددية التي اتبعت في كل من بريطانيا، وهولندا، وأستراليا، وفرنسا، وكندا. كما تزامن رفض التعددية الثقافية مع تنفيذ سياسات أقل اندماجية، إذ طُرحت القيم الليبرالية على أنها مكونة للهويات الوطنية في مواجهة السكان الذين يُنظر إليهم على أنهم غرباء عن الروح الوطنية. ويطالب ماي بضرورة تأويل الثقافة بوصفها جزءًا من الحركة الأكثر عمومية للفردنة والمساواتية، مراهنًا بقوة على استمرارها في العقود المقبلة، لأنها جزء من الحركة البنيوية، وستقاوم التقلبات السياسية.


تحميل المقال التالي...