}
عروض

"هامش أخير": محمود شقير يستكمل ثلاثيّة سيرته

عمر شبانة

19 سبتمبر 2025



يقول محمود شقير في سيرته "أتوقّع أن تكون الصفحات التالية هي آخر ما لديّ من سرد لجوانب من سيرتي الذاتيّة"...، وعن عملية الكتابة يقول "أكتب لعلّ العالم يصبح أجمل، ولعلّ الشرّ يكون أقل".
بهذه الجُمل يبدأ الكاتب الفلسطيني محمود شقير، ويواصل كتابة سيرته "تلك الأزمنة"، التي صدرت في دار نوفل للنشر- بيروت، وربّما يُنهيها، بهذا الجزء الثالث "هامش أخير" (الصادر حديثًا)، كما يقول، ولكنّني لن أكتب عن الكتاب فقط، بل سأكتب عن كاتبه أيضًا، لعلّني أضيف جديدًا إلى هذه السيرة. فقد تعوّدت أن لا أثق بوعد كاتب، إذ إنه هو نفسُه لا يعرف نفسَه، لا يعرف ما سيكتب بعد دقائق من كتابته هذه، لذا سوف ننتظر من شقير، بعد تجاوزه سنّ الثمانين، عطاءً جديدًا ومختلفًا، وكما عوّدنا على التغيير والاختلاف في عطائه.
هذا العطاء الذي يظهر على صفحته الفيسبوكية، ويتمثّل هذا الجديد في مواصلته أسلوب استحضار شخصيّات وطنية فلسطينية عايشها في صورة ما من صور المعايشة السياسية أو الثقافية وغيرها. وهو في هذه السيرة يطلق تلويحات وفاءٍ لأسماءٍ أدبيّة وأصدقاء مرّوا في حياته الثريّة، وهم كثُر، وثمّة أيضًا احتفاءٌ وتقديرٌ للمرأة وأدوارها في المجتمع، وذكرٌ لمدنٍ وأمكنةٍ زارها داخل فلسطين وخارجها، كبيروت ودمشق، الجزائر، بلغاريا، إسطنبول، وبراغ... وفي آخر الكتاب ملحقٌ فيه معايدة لكتّابٍ بعيد ميلاد الكاتب الثمانين، وشهادات في كتابته.
نحن هنا حيال عمل سيري يستكمل فيه شقير سرديته الأدبية عن العامّ الفلسطينيّ والعربيّ والإنسانيّ، منطلقًا من الخاصّ الشخصيّ... يحكي فيه تنقّله من مدينة إلى أخرى، وهو هنا يتحدّث عن التحاقه بالسياسة، وبالحزب الشيوعيّ الأردني تحديدًا، يحكي عن أبنائه وفرحته بالأحفاد. يضيء على تفاصيل حياته ومنعطفاتها، ببساطته الممتعة المعهودة، فنرى خلف التفاصيل الصورة الأكبر، صورة الديناميات الثقافية الفلسطينية والعربية والتحدّيات السياسية والاجتماعية. يتلو شقير قصّته، ولكن، كالعادة، نقرأ من خلفها قصّة المدينة وأهلها.
في "تلك الأزمنة" (2022)، يستعيد شقير التفاصيل وهو على عتبة الثمانين (وتجاوزها الآن). يبدأ من طفولته في القدس، ويُسهِب في الحديث عن فترة النِضالَين الحزبي والوطني، كما يفرد مساحة أوسع للتجارب الشخصية، والعلاقات مع بقية زملائه من الكتاب والمناضلين الفلسطينيين. ما يميّز هذا الجزء، بالإضافة إلى ما ذُكِر، ليس استعراض المدن الكثيرة التي زارها شقير، ولا سرد أحداث من تاريخ النضال الفلسطيني وحسب، بل ثراء السرد بحدّ ذاته، وطول الفترة الزمنية التي يغطيها، ما يرشّحه لأن يكون بمثابة مرجع لكلّ باحث وقارئ مهتم بالذاكرة الفلسطينية المعاصرة ومخزونها.

ذكريات عشناها معًا

ليس سهلًا أن أكتب عن سيرة كاتب- صديق، مثل محمود شقير الذي عايشتُه لسنوات، لذا أجدني أكتب عن شقير الشخص، وسيرتي معه، لا عن كتاب السيرة. كاتب تعرّفنا عليه، حين كان قادمًا من منفاه- ولنقل إبعاده- اللبنانيّ، وكنّا ما نزال في سنّ الشباب والتعلُّم، في رابطة الكتاب الأردنيين، منذ مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، كاتب وصديق شيوعيّ حتى العظم. نتفق معه أحيانًا، أو ربّما نختلف معه حتى العظم أيضًا، لكنه المحاور المَرِن. رابطة الكتاب ومصيرها وقيادتها القادمة، هل تكون للشيوعيين أم للجبهة الديموقراطية أم لحركة "فتح"؟ نقاشات مطوّلة وصاخبة حتى الصباح يوميًّا. في بيوتنا، في بيتي، وبيت مؤنس الرزاز، وبيت إلياس فركوح، نتداول شؤون رابطة الكتّاب، ومن سيكون رئيسًا لها، الدكتور عبد الرحمن ياغي أم أخوه الدكتور هاشم، أم الكاتب فخري قعوار وغيره من الكتّاب- الرؤساء؟
كتب محمود شقير، في بداياته، في مجلة "الأفق الجديد" المقدسية، كتب عن "خبز الآخرين" و"الولد الفلسطيني"، لكنه خرج في كتاباته اللاحقة على الشيوعيّة الكلاسيكية المتشددة في أيديولوجيّتها، وراح يكتب عن خالته شاكيرا، و"حبيبته القدس" التي كانت موئل روايات العائلة، وهو هنا يواصل الكتابة للقدس، يهدي كتابه هذا "إلى ملهمتي وصانعة فرحي وأحزاني: القدس"، والغريب هنا اجتماع "فرح" المفرد مع الجمع "أحزان". فكيف يكون الفرح وحيدًا، والحزن كثيرًا؟!
نحن هنا أمام سيرة كاتب كان همّه الأول هو القصة القصيرة، وفجأة انتقل إلى سرد العائلة وروايتها وأفراسها، فرواية "فرس العائلة" سيرة روائية في روايات عدة، تتناول تاريخ العائلة وخرافاتها، وها هو يتوصّل بكتابة سيرته، بالجزء الثالث والأخير منها، كما يقول. فهل يكون الأخير فعلًا؟ نتركه يكتب "أكتب للناس الذين أعرفهم وأعيش معهم، ولشعبي الذي يعاني منذ أكثر من مائة عامٍ من أبشع غزوةٍ صهيونيّةٍ عدوانيّةٍ استيطانيّةٍ إقصائيّة، لشعبي الذي من حقّه أن يعيش حياة طبيعيّة في ظلّ الحرّية والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة والعودة وتقرير المصير والاستقلال... أكتب لكي أسهم في الدفاع عن قيم الحقّ والخير والجمال... أحاول كتابة نصٍّ يمجّد الحياة ويُعلي من شأن الإنسان، ويضع الإنسانيّة في المكانة اللائقة بها بعيدًا من عسف الطغاة... وأكتب لكي لا تكون حياتي خاوية جوفاء، فالكتابة هي التي تُعينني على مواصلة الحياة".
تحضر القدس ثيمةً رئيسة في سيرة شقير، ليس هنا فقط، بل في معظم كتبه من قصص وروايات. تحضر بوصفها مدينة صاغت شخصيته كاتبًا وإنسانًا، كما تحضر جزءًا من مادّة اشتغالاته الأدبية، وجزءًا من روحه ووعيه. وهو بذلك يُضيء بحبّ على وضعها الحضاري قبل النكبة وأحوالها الثقافيّة، ثم تحوّلاتها مع توالي النكسات. وتواصل القدس حضورها في كتاباته، كما عاشها وتخيّلها، وتظلّ تعيش في ذاكرته.
وبهذه الثلاثية، كما يصفها ناشرها (نوفل)، وكما نعرفها، يقدّم محمود شقير ليس فقط سيرة ذاتية، بل شهادة أدبية وتاريخية على التحولات التي عصفت بفلسطين والقدس، وعلى أثرها في كاتب ظلّ أمينًا لذاكرته، وفنّه، وقضيته. 

بإيجاز عن محمود شقير:

كاتب فلسطيني (مواليد القدس، 1941). كتب القصّة والرواية للكبار والفتيان. أصدر حتّى الآن خمسة وثمانين كتابًا، وكتب ستّة مسلسلات تلفزيونيّة طويلة، وأربع مسرحيّات. تُرجمت بعض كتبه إلى اثنتي عشرة لغة من بينها الإنكليزيّة والفرنسيّة والإيطاليّة والسويديّة والفارسيّة والتركيّة. حاز جوائز عدة، من بينها جائزة محمود درويش للحرّية والإبداع (2011)، جائزة القدس للثقافة والإبداع (2015)، جائزة دولة فلسطين في الآداب (2019)، جائزة الشرف من اتحاد الكتّاب الأتراك (2023)، وجائزة فلسطين العالمية للآداب (2023).
تنقّلَ بين بيروت وعمّان وبراغ، ويقيم حاليًّا في القدس.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.