عن "تجمّع الباحثات اللبنانيات" و"مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت صدر كتاب "النساء العربيات والمرجعيّات في ظل الرقمنة وفوضى المعلومات" الذي يضم 23 دراسة مقسّمة على أربعة محاور: "مساءلة النساء للمرجعيات وإغراءات الفضاء الرقمي"، "سلوك النساء المعلوماتي وأصواتهن في العالم الرقمي"، "تحديات تفلت النساء من الموارد في البيئة الرقمية"، و"شهادات فى اهتزازات المرجعيات وانعدام اليقين". ويأتي هذا الكتاب في ظل أوضاع معقدة تعيشها النساء العربيات، نتيجة الحروب والاضطرابات والقلق المتنقل من بلد عربي لآخر، وتفرض عليهن مسؤوليات إضافية. وفي خضم هذه التحديات، يسعين لإثبات حضورهن المستقل والتحرّر من هيمنة البنى التقليدية. ومع الانتشار السريع للتكنولوجيا والاتصال الرقمي، باتت أمامهن فرص واسعة للحصول على المعرفة وتبادل الخبرات، إلا أن هذا الانفتاح يرافقه قلق ناتج عن وفرة المعلومات وصعوبة التحقق من مصداقيتها، وهي إشكالية يطرحها هذا الكتاب عبر عدد من التساؤلات أبرزها: "هل فتحت المعلومات المتاحة للنساء الباب للخروج إلى آفاق أرحب وأوسع؟ وهل إن خروجهن من الأطر التقليدية حرّرهنّ من القيود، أم أن الفضاء الافتراضي الذي تديره جملة مصالح وحفنة من الاحتكارات نصبت نفسها فوق الدول والحكومات، قد أوقعهن تحت وطأة قيود أخرى ذات أشكال حديثة، وساهم في تأطير نظرتهن إلى الحياة؟".
هذا الكتاب الذي جاء في 508 صفحات، شاركت فيه 24 باحثة وباحثًا من مختلف الدول العربية: نهوند القادري عيسى، نصر الدين لعياضي، زينب خليل، رفيق رضا صيداوي، بيسان طيّ، تغريد السميري، مود إسطفان هاشم، هاجر خنفير، لمى كحّال، دينا الخواجة، رانيا جواد ومدلين الحلبي، عزة الحاج سليمان، زهور كرّام، إصلاح جاد، إيمان كنعان، كلثم غانم، سوسن جميل حسن، نجلاء حمادة، آمال حبيب، جميلة جابر، ناتالي إقليميوس، منى سكرية، وماري نويل الخوري. وقد حُرّر الكتاب من قبل هيئة التحرير في "تجمّع الباحثات اللبنانيات" وتضم زينب خليل، لمى كحّال، مود إسطفان – هاشم، ونهوند القادرى عيسى.
المرجعيات التقليدية لم تسقط بالكامل
في دراستها "معنى أن تهاجر النساء إلى الفضاء الرقمي"، أجرت نهوند القادري عيسى حوالي 80 مقابلة مع نساء متزوجات متعلمات وعاملات، وهنّ بالتأكيد من الجيل الذي شهد العصر ما قبل الرقمي، وتلمّس الفروقات الحادّة بين العصرين، وتماهى مع هذا العصر الجديد مع بقائه مشدودًا إلى الماضي، تقول القادري: "بدت هذه العينة من النساء يقظة، حريصة على إيجاد نوع من التوازن بين الواقع المثقل بمفارقاته العلائقية الذي يديره النظام الأبوي المتمثل ‘بالأخ الأكبر‘ وبين وعود وإغراءات الفضاء الرقمي الذي تديره ‘الأم الكبرى‘"، في إشارة إلى تعبير جورج أورويل (الأخ الأكبر) في روايته "1984"، وتعبير مارك دوغان (Mark Duggan) وكريستوف لابي (Christophe Labi) (الأم الكبرى) الذي يجسّد قوة الفضاء الرقمي التي تستبق رغباتنا وتجذبنا بدعوى الرعاية، لكنها في الوقت ذاته تمارس رقابة ناعمة وفاعلة، بموافقتنا الضمنية، لتتحول إلى ديكتاتورية رقمية تتجاوز رقابة "الأخ الأكبر".
ظهرت إجابات النساء مفارقات كثيرة: فهنّ منفتحات على المعلومات لكن بحذر وانتقائية، يفضلن ما يخدم احتياجاتهن ويعزز شعورهن بالانتماء. يوظفن المعلومات في حياتهن الشخصية، العائلية والمهنية، وبعضهن وجد في المعلومات وسيلة للتشكيك في المعتقدات السائدة وتطوير التفكير النقدي، فيما تمسكت أخريات بالموروثات العائلية والاجتماعية رغم تدفق البيانات. ورأى العديد منهن أن الإنترنت سيف ذو حدين: أتاح لهن خبرات جديدة ووسّع شبكات تواصلهن نحو "الصداقة التي تزداد كمًا وتضعف نوعًا"، لكنه سلب الوقت والهدوء وخصوصيتهن، وكرّس القلق وعمّق العزلة أحيانًا أخرى. ووجد بعضهن أن التكنولوجيا ساعدتهن على صوغ هوية أكثر وعيًا، بينما اعتبرت أخريات أنها لم تغيّر جوهر شخصيتهن.
وتُظهر نتائج دراسة القادري أن تجربة النساء مع الفضاء الرقمي مزدوجة: توسّع المدارك لكنها تكشف أيضًا عن مخاطر التضليل والاستلاب. والأهم أن المرجعيات التقليدية لم تسقط بالكامل، بل أعيد تشكيلها عبر تفاعل معقد بين العالمين الواقعي والافتراضي، علمًا أنه كان من السهل عليهن الاستغناء عن المرجعية السياسية.
تعلّق القادري: "على الرغم من كمّ الإشكاليات المثارة في أجوبتهن، إلا أن ذلك لا ينفي أنهن شعرن أن مدى حياتهن آخذ في الاتساع، نحو اكتساب خبرات وشبكات علائقية جديدة، رأى فيها البعض هربًا من الواقع نحو حياة موازية وهمية وأحيانًا مخادعة". وتتساءل: "كيف سيكون وضع النساء من الأجيال الجديدة التي ولدت مع الرقمية، وتطبّعت بثقافتها، والتي تتعرض بأم العين على تدمير التسلسل الهرمي للمخلوقات الحية، ما يعني تسطيحها وتحويلها إلى مخلوقات أفقية؟".
ويستشهد الباحث نصر الدين لعياضي بتعبير الكاتبة بثينة العيسى "عندما نولد إناثًا فنحن نولد قضايا"، ليناقش قضية التداخل بين الواقع اليومي والفضاء الرقمي في دراسته "المرأة في الثقافة الرقمية: المرجعيات الاجتماعية والثقافية والمعرفية"، متناولًا أثر التكنولوجيا الرقمية على الثقافة والتخيّل العربي، ومعتبرًا أن التغيّر الثقافي لا ينفصل عن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، حيث تراجعت الأطر التقليدية للأدب والفنون والمعرفة مع انتشار "ثقافة ما بعد الحقيقة" التي تجلّت في ازدهار الأخبار المزيّفة.
وتطرّق لعياضي إلى مساهمة الأرشيف الرقمي في سيولة الثقافة، معتبرًا أنها معضلة كبرى ذات وجهين: محاربة النسيان والتوجيه. وأنه على صعيد "نسيان النسيان" لم يعد المرء قادرًا على محو ما يُنشر عنه، "وتكتسي مقاومة النسيان" بعدًا آخر إذ لا يمكن محو الأخبار والمعلومات المزيفة في شبكة الإنترنت، مبينًا أن النساء أكثر تأثرًا بهذا الأمر وبتراجع المرجعيات التقليدية. ورغم أن الفضاء الرقمي يتيح لهن التعبير والدفاع عن حقوقهن، فإنه يعيد إنتاج الهيمنة والمعايير النمطية، ضمن مخاض قيم جديد. واعتبر لعياضي أن التكنولوجيا مصدر قوة وضعف النساء في آن واحد، وأن إنتاج المرجعيات الثقافية والأخلاقية عملية معقدة، وليست خطية، بل نتاج مخاض اجتماعي وثقافي يحتاج إلى دراسات معمقة لفهمه.
بدورها قدّمت زينب خليل في دراستها "طالبات جامعيات منحدرات من الأرياف: بين البيئة الجامعية والبيئة الرقمية"، مقاربة لمسار انتقال الجيل الرقمي عبر تتبّع تجربة 23 طالبة جامعية من الجيل Z واللاتي انتقلن من بيئة ريفية تقليدية قائمة على إعادة إنتاج الموروثات، إلى فضاء جامعي أكثر تنوعًا، مرورًا بتجاربهن في العالم الرقمي. وطرحت تساؤلات حول كيفية تأثير هذه الانتقالات على علاقتهن بمرجعياتهن الأولى. أظهرت الدراسة أن مكتسبات إيجابية كثيرة حققتها الطالبات منها بناء صداقات جديدة، الاستقلالية، الانفتاح على بيئات مختلفة والانخراط في إطار حزبي أو مدني، وفي المقابل وطّن هذا الانتقال الشعور بالقلق والخوف والعزلة الاجتماعية لدى العديد من الطالبات.
وبما أنهن ينتمين إلى جيل رقمي نشأ في ظل التكنولوجيا، فقد ساعدهن الإنترنت على الوصول إلى كمّ هائل من المعلومات، ومنحهن فرصة للتعرف إلى عوالم مختلفة بعيدًا عن سلطة الأسرة والمجتمع. غير أن التجربة أظهرت أن الفضاء الجامعي ظل أكثر تأثيرًا من الرقمي، وتقول زينب خليل في ذلك: "ورغم أن هذا الجيل يحيا مع التقنيات الرقمية التي لا يمكن فصله عنها وهو يعيش واقعه الفعلي والافتراضي في تداخل مستمر، إلا إن الإجابات الصادرة عن الطالبات أظهرت أن الحيّز الواقعي أي الجامعة وليس الرقمي يبقى هو ساحتهن الفعلية للاختبار وعيش التجربة والتفاعل المباشر".
ورغم أن الانفتاح الرقمي والحياة الجامعية معًا أسهما في زعزعة مرجعية الأهل وبعض التقاليد وإعادة النظر في ممارسات معينة، فإن المرجعيات الدينية والسياسية الأساسية لم تتعرض لانقطاع حاسم، بل بقيت حاضرة بقوة. وهكذا، فإن التغيير الذي تعيشه الطالبات لا يمكن نسبته إلى بيئة واحدة، بل هو ثمرة تفاعل بين فضاءين متداخلين: الرقمي والجامعي، في علاقة تكاملية لا تفصلها حدود واضحة.
| |
| تتحدث فاطمة عن وقوفها على مكان عالٍ وتوجيه يدها يمنة ويسارًا، وأعلى وأسفل، في محاولة لالتقاط إشارة الإنترنت (غزة، © عمر القطا) |
شهادات نساء فلسطينيات في ظل حرب الإبادة
"أريد أن أسمع جرس المدرسة/ أرسم طابورًا على كيس الخبز الفارغ/ وأصفق عاليًا لصفارة الصباح/ ضع الماء في جملة قبل أن ينفد/ هكذا قالت المعلمة/ رددوا موطني/ الهتاف في الخيمة لا يُسمع/ لا كتب في حوزتي..."..
هذا مقتطف من نص شعري للشاعر الفلسطينية نعمة حسن تستهل به الباحثتان رانيا جواد ومدلين الحلبي دراستهما المعنونة "وسائل التواصل الاجتماعي وحرب إسرائيل الإبادية: أصوات نساء فلسطينيات من غزة"، إذ يرسم هذا النص "شكل الحياة" في خضم حرب الإبادة التي يعيشها أهل غزة. وفي سياق هذه الحرب تنقل لنا الباحثتان أصوات سبع نساء، تنقلنا إلى عمق المعاناة اليومية. تتحدث فاطمة عن وقوفها على مكان عالٍ وتوجيه يدها يمنة ويسارًا، وأعلى وأسفل، في محاولة لالتقاط إشارة الإنترنت، وتتذكر كيف كانت إحدى الأمهات ومعها ابنتها تفعل الشيء نفسه لتطمئن على والدها، فاستهدفهم الاحتلال، وقُتلت الفتاة فورًا "منذ تلك اللحظة، وأنا أشعر بأنني فقدتُ شيئًا بداخلي، لا أعلم ما هو، ولكن بسببه تحولت إلى فتاة عديمة الإحساس بشعور المحاولة...". وتتحدث مريم كيف أن هناك الآلاف من القصص التي دُفنت تحت الركام، وتقول سماح "كل شخص في غزة عند مشاهدة أي فيديو للدمار يتفقد كل زاوية وكل تفاصيل المشهد لعله يرى بيته...". وتثمّن ناهد دور وسائل التواصل الاجتماعي في الحرب: "أهل غزة يكتبون على حائط فيسبوك يومياتهم التي تؤرخ المرحلة وتشفيهم من قصف الألم"، كما تصف دعاء تحجيم الأصوات الفلسطينية وسيطرة الإعلام الغربي على السردية لعقود. رغم محاولات إخفاء الحقيقة والخوارزميات التلاعبية، نجحت أصوات شبابية غزية في نقل الإبادة الجماعية بالصوت والصورة، لتكشف للعالم الحقائق وتوقظه من غيبوبته الطويلة التي استمرت عبر عقود.
أظهرت أصوات الغزّيات كيف يواجهن صعوبات في الوصول إلى الإنترنت بسبب سيطرة الاحتلال على الشبكة، بالإضافة إلى القيود المفروضة عبر خوارزميات المنصات الرقمية. ومع ذلك، يتجاوزن هذه العقبات مستغلات كل فرصة للوصول إلى الشبكة، بهدف رفع التعتيم وسرد حياتهن اليومية قبل أن يُقطع الاتصال بهن. وتظهر التجارب تنوعًا كبيرًا، إذ أصبح الإنترنت مساحة للحصول على الدعم النفسي، وتبادل المعلومات المفيدة، والاطمئنان على الأهل والأصدقاء، وكذلك لتوثيق الانتهاكات والمجازر التي تغفلها وسائل الإعلام. تكتب الباحثتان: "يتضح من خلال الأصوات المعايشة للتجربة أن هذه المنصّات لم تكن مجرد وسيلة للتواصل والتعبير عن الذات، بل كانت أداة للتوثيق والمقاومة في وجه الإبادة والعنف الاستعماري، كما هي أيضًا وسيلة استعماريّة وشركاتية من خلال السيطرة على المعلومات والحجب والتجسس".
وتحت عنوان "تفجير مرفأ بيروت بعيون ضحية مصابة: غزارة المعلومات وانعدام اليقين"، قدّمت آمال حبيب شهادتها الشخصية عن انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/ أغسطس 2020 تناولت فيها كيف صدم الانفجار اللبنانيين جسديًا ونفسيًا، مدمّرًا المنازل، محطّمًا شعور اللبنانيين بالأمان، وزارعًا الخوف والهلع في كل زاوية من العاصمة. واعتبرت الانفجار "حدثًا تاريخيًا كارثيًا حفر أثره في كل لبنان"، وأنه نسف لشعور اللبنانيين بالأمان ونسف أي أمل في دولة قوية، في وقت كان الاقتصاد والاجتماع ينهاران. تصف حبيب المشهد الذي بدا أشبه بـ"قنبلة نووية، غيمة كروية هائلة، أعاصير عنيفة، وقوة قذفت الناس والممتلكات على نحو غير مسبوق". أصيبت حبيب بجروح حادّة، إذ كانت متواجدة في موقع قريب واستلزمت جراحة عاجلة، وشهدت هول الخراب وفوضى الخوف والهلع الجماعي، حيث صرخات وبكاء ووجوه مدمّاة ودماء في كل مكان، وانعكاس أصداء الرعب عبر المدينة كلها.
لكن ليس المكان وحده الذي أصيب بهستيريا بل أطلق الانفجار هستيريا من المعلومات، وسائل إعلام، تحاليل، شائعات، تكهنات ومؤامرات، "أصبحت المعلومات أداة خطرة، وتداولها بخطورة المواد التفجيرية"، تقول حبيب وتضيف: "تعرفت لاحقًا إلى الوجه ذي الحدّين، الخير والشر للمعرفة والتداول بالمعلومات".
اعتبرت حبيب أن الحريق في العنبر رقم 12 ومواد نيترات الأمونيوم المخزنة منذ ست سنوات كشفا عن غياب المسؤولية، الإهمال والتقاعس المستمر من قبل السلطات اللبنانية. لم يكن الإهمال مجرد حادث عابر، بل أداة موت، حين أُهملت المعلومات المتعلقة بالتهديدات، وتخاذل كبار المسؤولين عن حماية المواطنين، ما حوّل المعرفة إلى سلاح قاتل، "كانت قناعاتي أن هناك علاقة عضوية بين الفساد والمعلومات والمؤامرات، مضيفة "في حالة المرفأ لم تكن هذه المعلومات بمنأى عن الفوضى والفساد المستشريين".
وختمت حبيب "تجددت قناعاتي بأن الإنسان في بلدي هش، وأن المأساة مستمرة، والحقائق لا تُكشف بسهولة، والمعلومات، رغم وفرتها، غالبًا ما تتحول إلى أداة خطر أو خداع، تاركة المواطنين في مواجهة العدم والخطر والفساد المستشري".
وقدّمت جميلة جابر مقالًا تحت عنوان "المرأة المعلقة في الفضاء". وفي مقالها المؤثر، تقدم الكاتبة شهادتها الشخصية عن تجربة المرأة في لبنان، وكيف تشكلت هويتها بين الانتماء الاجتماعي والفضاء الرقمي. تصف الكاتبة تحولات حياتها الفكرية والاجتماعية، وتطرح تساؤلات عن الذات والعالم.
تنقل الكاتبة تجربتها منذ الطفولة مع المكتبة المرجع الأول حتى وصولها للجامعة حين بدأت علاقتها بالفضاء الرقمي تتشكل، وتعرّفت على الإنترنت كمنصة معرفية وثقافية. وتصف هذه المرحلة بأنها مرحلة الانبهار: "كانت بداياتي باستخدام الإنترنت ساحرة مبهرة، تمنحني شعورًا جميلًا بالتفوق الإدراكي على أقراني". لكن ذلك الانبهار نفسه تصفه جابر بأنه "ذلك العدو اللدود للتفكير النقدي" لتتبعه "مرحلة الابتلاع": "تميزت هذه المرحلة لديّ بالابتلاع وحتى الامتلاء ساعات من الإبحار الرقمي". ثم تأتي مرحلة التشكيك بالنظام القائم، وما تسميه الكاتبة "مرحلة نبذ اليقينيات الزائفة". تبدأ هنا رحلة إعادة البناء الذاتي والمعرفي، والتشكيك في المسلمات السائدة والسلطات المعرفية.
يمتزج في المقال التأمل الفلسفي مع التجربة الواقعية، بين الانبهار بالثقافة الغربية، والتعرض لمحددات المجتمع المحلي، بين الحرية الرقمية والقيود الاجتماعية، ليصبح النص شهادة عميقة على الصراع اليومي للمرأة في بناء هويتها: "لم تعد لدي القدرة لمهادنة هذا العالم... إما تقف في محور الإبادة وإما الصمت".
يمكن فهم تجربة جابر كتجربة كل امرأة من جيل X مرّت بالمراحل التي مرّت بها، تقول جابر: "إذا كانت مرحلة الانبهار بالثقافة الغربية وأدواتها والابتلاع المعرفي قد أنتجت مني كائنًا هجينًا مصابًا بالاغتراب وبثقوب عميقة في الذاكرة، عانيت إياها طويلًا وجعلتني أعيش حالة من الانفصال والانفصام مع الذات والآخرين، فإن مرحلة التشكيك باليقينيات مثّلت بداية الرحلة الوجودية تجاه إعادة بناء الهوية والانتماء وترميم الذاكرة والتصالح مع النسيان". وتضيف "من منّا نحن جيل المجهول تحديدًا أو الجيل X لا يعاني فقدانًا جزئيًا في ذاكرته اليومية منها والطويلة! من منا لا يعاني تشتت الأفكار والإنهاك الذهني وصولا إلى الأرق! من منّا لا يسأم الحضور الضاغط للافتراضي في يومياته وغياب الحضور!".
ترى جابر أن التعرض المفرط للفضاء الافتراضي، الصالح والطالح منه، هو كالتعرض للإشعاعات السامة التي تفتك بالجسد كما العقل، خاتمة مقالها بالقول: "ليس هذا العالم بقرية صغيرة يا ماكلوهان، بل هو عالم الغياب والاندثار لكلّ ما هو حقيقي. وبعد اغتيال الذاكرة هل يتكفل الذكاء الاصطناعي بالإِنسان على ما تبقى من الإنسان!؟".
***
في الكتاب دراسات ومقالات عديدة تسبر غور الواقع، تكشف كيف ينفذ العالم الرقمي إلى ذواتنا، يحصي أحاسيسنا، يقنعنا بعرضها، ننكشف أمام العالم، ندخل لاشعوريًا في خريطة رقمية متشابكة، لا يمكن الإفلات منها، فمن أراد أن يفلت يجد نفسه وقد تأخر عن الحياة، وفي طريقنا نتلقى الكثير، تصير حياتنا أسهل ونظن أنها أثرى، لكننا في الوقت نفسه نُصاب بفوضى ذهنية، وربما حسّية، ونحن نواجه تلك "الأم الكبرى".


تحميل المقال التالي...