يصعب تمامًا إدراك كل علاقاتنا النفسية مع ماضينا، ولكن يمكن للأدب والسينما تنشيط ذاكرتنا وربطنا مجددًا بالزمن الذي أضعناه، وهذا ما تفعله بنا قراءة رواية "فورور" للروائي العراقي نزار عبد الستار، الصادرة عن دار هاشيت أنطوان – بيروت (2024).
صابر عفيف، الذي لم يعش مع أسرته سوى ست سنوات، يحاول جاهدًا البحث عن فورور (شال من الفرو الثمين) يعود لأمه المونولوجست وحيدة جميل، التي تلقته هدية من وزير دفاع الاتحاد السوفياتي عندما كان في زيارة لبغداد في خمسينيات القرن الماضي. وحيدة لم تتلقَّ في حياتها شيئًا يوازي الفورور الذي فقدته عندما عملت كومبارسًا في فيلم "حكاية حب" لعبد الحليم حافظ (عرض عام 1959).
وحيدة جميل تركت ابنها صابر عفيف في بغداد وذهبت إلى بيروت برفقة الموسيقار اللبناني فيلمون وهبي، وبعدها إلى القاهرة متتبعة حلمها بالانضمام كمغنية إلى فرقة الموسيقار فريد الأطرش، ولكنها فشلت في هذا ولم تحصل سوى على مشهد لثوانٍ قليلة في فيلم "حكاية حب"، لتفقد بسوء حظ فورورها السواريه الشنشيلا البيج، الذي أعارته للممثلة مريم فخر الدين كي ترتديه وهي تصوّر مع عبد الحليم حافظ أغنية "بتلوموني ليه". وبعد أحداث يجيد الروائي ربطها، تعود وحيدة جميل إلى بيروت لتصاب بمرض السكري، وتتفاقم معاناتها وصولًا إلى الموت المبكر. يصل الفورور إلى السيدة جيهان السادات، التي تهديه بدورها إلى الشهبانو فرح ديبا بهلوي، زوجة شاه إيران المخلوع.
بعد وفاة وحيدة جميل بسنوات طويلة، يستيقظ الماضي فجأة ليجد الابن صابر عفيف نفسه مضطرًا لاستعادة سيرة أمه المونولوجست والبحث عن الفورور الذي فُقد في أثناء تصوير فيلم "حكاية حب". صابر يعيش في لندن ويشتغل في تجارة الفن ويعمل مستشارًا في دار كريستيز للمزادات. يخطط صابر لإقناع الشهبانو فرح بهلوي بعرض الفورور في مزاد خيري يقام بفرع دار كريستيز في دبي، لكن هذا الأمر سرعان ما تعترضه عقبات كثيرة.
أجواء الرواية ساحرة ومثيرة، وقد نجح نزار عبد الستار بأسلوبه المميز في جذب القارئ من السطر الأول، فهو روائي متمرّس له العديد من الأعمال الروائية التي حققت انتشارًا عربيًا وصدرت بمعظمها عن دار هاشيت أنطوان. "فورور" رواية خيال ومهارات وأسلوب لا نجد كثيرا ما يماثلها في الأدب العربي، فضلًا عن رهافة الإحساس واللغة الرشيقة التي تمسك بالقارئ ولا تتركه إلا مع الغلاف الأخير.
يطرح نزار عبد الستار فكرة الماضي الجميل، وهي فكرة تعكس الخسارات الكثيرة التي نعيشها حاليًا في واقعنا العربي المأزوم. في الرواية إصرار على استعادة الماضي كقيمة كبرى، وهنا تكمن أهمية الرواية، فصابر لا يحاسب أمه ولا ينتقص من اندفاعها ولا يستهين برغباتها الفنية، وينفق كل أمواله كي يحصل على الفورور الذي حزنت وحيدة على فقده. صابر يتقبل ماضي أمه الفني كمغنية وراقصة في كباريه مولان روج ببغداد، ويشعر بما شعرت به وحيدة عندما تلقت تلك الهدية الثمينة التي أشعرتها أنها امرأة محترمة.
عاشت وحيدة مغامرتها الفاشلة، وقد وهبها الفورور يقينًا أنها لا تقل موهبة عن نعيمة عاكف وشادية وسعاد حسني. لقد وفر نزار عبد الستار في روايته الجميلة كل الظروف الفنية ليشعر القارئ بوحيدة المرأة المزهوة بجمالها وموهبتها، ويتعاطف معها ويعشق صابر، الذي يتخلى بدوره عن كل ثروته في سبيل استعادة الفرحة مرة أخرى.
هذه الرواية برأيي إضافة مهمة للرواية العربية، كونها منطقة إبداع جديدة، فهي سلسة ومتدفقة المشاعر، وفيها معرفيات غير مطروقة من قبل، فضلًا عن كمالها الفني. فنزار عبد الستار يعي جيدًا مهمة الروائي، وقد نجح في خلق رواية جميلة تزخر بعالم الفن والمزادات والمعارض التشكيلية والمشاعر الإنسانية الرقيقة.


تحميل المقال التالي...