في كتابٍ متوسط الحجم باللغة الفرنسية، يقع في 115 صفحة من القطع المتوسط بعنوان "ازدراء وانحرافات الغرب"، صدر حديثًا عن دار نشر "الإنماء" المجهولة، بدعمٍ من وزارة الثقافة بالجزائر، حاول الفنان والكاتب العصامي الصادق جمعاوي عبر 19 مادة أن يعكس هوية الغرب الاستعماري الطاغي اليوم، الذي يُجسِّدُ نظرية إرنست رينان صاحب الفكر العنصري الذي استعمرت به الجزائر كما تُستَعمَر اليوم فلسطين، وهو الفكرُ الذي يؤمن أصحابه أن استعمار شعوب متخلفة أمرٌ مشروع لـ"تربيتها على حضارة غربية بقوة الحديد والنار"، تمامًا كما تفعل إسرائيل المُمثِّلة لغربٍ يزدري الشعوبَ غير البيضاء، وهو الازدراء الذي يُعدُّ جوهرَ الفلسفة العنصرية التي قام جمعاوي بتشريحها، آخذًا إسرائيل كنموذجٍ حيٍّ ومُرادفٍ لخطاب صمويل هنتنغتون صاحب نظرية الصراع الحضاري، الذي يُبرِّر به نتنياهو الإبادة التي يعطيها أبعادًا تراجيدية غير مسبوقة لحظة كتابة هذه السطور.
النماذج الصارخة لازدراء استعماري
كتبَ جمعاوي باللغة الفرنسية التي يعتقد أنها وسيلةٌ لتمرير حسِّه الوطني، كما فعل مُندِّدًا غنائيًا بالغرب العنصري المتعالي على الشعوب التي لا ترفض تقليدَه باسم حداثةٍ معطوبة على حد تعبير إدغار موران، وتسلطية على حد تعبير ريجيس دوبريه. وكثيرة هي النماذج الحية والصارخة بعنصرية غربٍ يجعلُ من ازدراء الشعوب الأخرى جوهرَ فلسفته العنصرية البغيضة التي تُفسِّر سكوتَه على إبادةٍ "يستحقها" وحوش "حماس"، كما يكرر جهابذة الحكومة الصهيونية العنصرية، وهم الوحوش الذين يُريدون القضاء على إسرائيل الدولة الغربية الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط مع شعبها فقط وليس مع الشعوب الأخرى، تمامًا كما تفعل الدول الغربية وعلى رأسها أميركا حليفتها.
مثل هذا الكلام لم يَرِد في كتاب جمعاوي "التجريدي" - كما هي حال لوحات رسامين يختفون وراء التجريدية لإدانة العدو - والازدراء الذي ملأ كتاب جمعاوي في عناوين وفي صلب متن الكتاب، كان جوهر كتابه الذي جاء فضفاضًا وغير ملموسٍ أيديولوجيًا كما كان يجب، لولا خشيته من المطاردة المكارثية كما يحدث في فرنسا وأوروبا وأميركا "حقوق الإنسان" كما يزعم قادتها.
الصادق جمعاوي، الذي يعيش وسط الشعب في مدينة عين طاية الساحلية البديعة التي تسكنه ولا يسكنها، اختار أوصافًا مُرعبة لغربٍ يُجسِّد ازدراءه للشعوب الأخرى عبر مواقفَ ملموسةٍ لا يتردَّد في تكريسها من يوم لآخر، معتبرًا نفسه النموذج المثالي الذي يجب الاحتذاءَ به، وإلا أطلق أبشع النعوت على من استعمرهم بدونية، تعكس فلسفة الاحتقار اللصيقة بما يطلق عليه الجزائري بالدارجة العامية "الحقرة".
المزدرون بالولادة
عناوين مثل: "مزدرون بالولادة"، و"مزدرون أبًا عن جد"، و"مزدرون وعِزَّة النفس"، و"مزدرون عمليًّا"، و"الإرشاد والازدراء"، و"المزدرون كمشة فقط"، و"الازدراء والنظرة الاستعبادية"، و"الازدراء أو الدين المزدرى"، و"الإمبراطورية الكولونيالية وترحيل المسلمين"، و"نيلسون مانديلا والأبارتهايد"، و"مزدرون وغزاة"، و"أصحاب القرار الكوني"، و"الازدراء يقوم بالحرب في فيتنام"، وأخيرًا "الازدراء واندفاع الكبرياء"، كلها عناوين تنطبق على جهات معروفة في الخطاب الأيديولوجي السائد في غربٍ متغطرسٍ يرى أن نموذجه الحضاري الإنساني الصالح في كل مكان وزمان هو الأصلح، ومن لا يتبناه يلقى المصير المأساوي الذي يستحقه.
المرشدون العصريون الذين لم يذكرهم جمعاوي رغم ذكره مواصفاتهم بمهارة فائقة، هم الذين يُسيطرون على الكون بقوة المال والأعمال في سياق تطور رأسمالية متوحشة يدهس أصحابها كل من يقف في وجوههم. وما مشروع "ريفييرا" في غزة على دماء وجماجم أهلها الأصليين إلا أحدث مشاريع المرشدين الطغاة.
لم يذكر جمعاوي إسرائيل التي تزدري الشعوب العربية والإسلامية وقادتها. لم يذكر ترامب، أحدث المرشدين الذي لا يتسامح مع العصاة والمخالفين، ولم يذكر الماسونيين الذين يجتمعون سريًّا بلا علمٍ من أحد، وهم الذين يتهمون من يخالفهم بالمؤمنين بخطاب المؤامرة ضد غرب متحضرٍ يريدون إبادته ويرفضون اعتناق طريقة عيش أبنائه وبناته. إنها الطريقة التي تُعد شبه مثالية ونموذجية في نظر عدد غير قليل من المثقفين العرب الخارجين من معطف علمانية تسلطية، على حد تعبير العلماني اليهودي دانيال كوهين بنديت زعيم الانتفاضة الطلابية في جامعة السوربون عام 1968.
المفارقة في كتاب "ازدراء وانحرافات الغرب"
المغني الملتزم الصادق جمعاوي، الذي تجاوز مرحلة أغنية "جيبوها يا لولاد" التي عشقها الشبان والكهول والشيوخ (أغنية احتفى من خلالها بالفريق الوطني الجزائري لكرة القدم عام 1986)، قدّم مضمونًا جادًا يصب في راهن ازدراء غرب متواطئ مع إسرائيل في الإبادة المستمرة، وهو مضمون يتناقض مع معالجة فنية كارثية للكتاب على كافة الأصعدة.
كتاب يفتقد لأبسط قواعد الإخراج، انطلاقًا من غلاف كان يُفترض ألا توضع فيه صورة الكاتب، بل صورة مدروسة في علاقتها بالمضمون، مرورًا بتكرارٍ مُعيب للعناوين بالشكل الذي لا يسمح بقراءة الكتاب بأريحية، وانتهاءً بنوعية طبعٍ هزيلة.
اللوم لا يذهب لأصحاب دار النشر التي راهنت على شهرة المغني الكاتب، وعلى عدم وجود إعلام ثقافي يتوقف عند مهزلة الطبع، ويتحمل جزئيًا الكاتب جمعاوي مسؤولية رفضه لإخراجٍ من شأنه أن يُلحق به إساءة لا يستحقها.
في ضوء ذلك فإن طبعة ثانية مقبولة، قبل انعقاد صالون الكتاب في الجزائر العاصمة، هي أكثر من ضرورة لإعادة الاعتبار إلى فنان أكد مجددًا أنه فوق كثير من الفنانين بعصاميته وذكائه والتزامه الإنساني، لا الوطني والقومي الضيق فقط.


تحميل المقال التالي...