}
عروض

"صوت السماء": حين يروي المنفيون حكاياتهم عن الحرب (2-2)

عبده الأسدي

4 سبتمبر 2025
 


الهوية الفلسطينية- السورية

نشأ سعد أحمد خليل في حي الأمين، واكتشف عوالم دمشق الجميلة بحكم قرب الحي من وسط المدينة، عندما انتقلوا إلى مخيّم اليرموك شعر بغربة المكان لابتعاده عن مدينة دمشق ولفقدانه الخدمات.

حي الأمين يعني ذكرياتٍ دفينة، من السحلب إلى أفيش الأفلام (إعلان عن الفيلم الذي سوف يُعرض في السينما)، ويعني علاقاتٍ مع أبناء جيله من السوريين، في حين أعاد المخيّمُ له إحساسَه بفلسطينيته، وحساسيته بأنه لاجئ. لم ينقطع عن حي الأمين، فقد وجد في مدرسة المساحة فرصةً لاستمرار التواصل مع عالمٍ أحبَّه، وشعر أنّه جزءٌ منه.

هنا تأخذنا رواية "صوت السماء" للروائي سمير الزبن في اتجاهين: المخيم والمدرسة؛ كلاهما شكَّلا شخصيةَ سعد، وساهما في صقلها، وفي انتمائه الفلسطيني، وإحساسه بأنه سوري يُعامل أسوةً بالسوريين، لا زيادةً ولا نقصانًا. كأنما أراد أن يقول لنا إن هوية الفلسطينيين في سورية تشكّلت عبر اندماجها مع الهوية السورية.

يأخذنا سعد إلى إحساسه بخيبة الأمل بعد انقلاب الانفصاليين في سورية على الوحدة مع مصر؛ شعر أن حلمَه مع الحالمين بعودته إلى فلسطين، التي أُخرج منها وهو طفل لم يتجاوز الثالثة من عمره، قد ابتعد كثيرًا، لأنَّ الخلاص آنذاك كان في اعتقاد الكثيرين أن الوحدة هي الطريق لتحرير فلسطين.

هنا بدأ وعيه الفلسطيني يتشكّل بالتبلور، ويتشكّل سياسيًا مع سجالات خاضها وكثير من أبناء جيله، مما نُشر في مجلة "فلسطيننا". لكن حرب حزيران/ يونيو 1967 شكلت له، ولكثيرين من أبناء جيله، صدمةً مهولة. حاول هو وأبناء جيله الخلاص منها باستمرار حمل الراية والإعلان عن ولادة العمل الفدائي المسلح، وتحديدًا بعد معركة الكرامة، وحرب تشرين/ أكتوبر 1973 التي يخوضها سعد كضابط مدفعية مجند في الجيش السوري على الجبهة.

تؤرخ الرواية في هذا الفصل لمجريات الحرب وتفاصيلها كما يرويها سعد خلال خوضه لمعاركها. ورواية سعد لتجربة الحرب تكاد تبعد الرواية عن مسارها، لكنها سرعان ما تعيدنا إلى مجريات الأحداث في الثورة السورية، ليحكي سعد عن قصص الفساد التي عمت مفاصل الحياة الاقتصادية في سورية، ما يجعلنا ندرك أن الثورة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة لتراكماتٍ وإحساسٍ كبيرين بالظلم تراكمَا عبر عقودٍ.

مع كلِّ سردٍ حكاية على لسان شخصية من شخصيات الرواية، نكتشف زوايا ما كان لنا اكتشافها في السرد الروائي، لو كان للروايةٍ بطل واحد؛ أما هذه الرواية، فليس ثمة بطل، بل أبطالها الناس العاديون في معاناتهم آثار الصراع.

مع سعد القاطن في دوما، عرفنا التوأمةَ ما بين درعا ودوما، وعرفنا لماذا استجاب أهل دوما لصرخات الكرامة في درعا؟ عرفنا كيف هو النزوح من منطقة إلى أخرى، وعرفنا أن سعد، الذي غادر المخيّم قبل أربعين عامًا، عاد لاجئًا إليه، ليكتشف عائلته من جديد. وصدمته من جديد؛ حينما غادر المخيّم نازحًا إلى منطقة أخرى هربًا من ويلات الحرب، وكان الخروج من المخيّم أشد وطأة وأقسى عليه بمرات كثيرة من خروجه من دوما، عندما غادرت عائلته وحدها، بينما يخرج من المخيم عبر تهجير جماعي.

ولعل وصفه لمشهد الخروج من المخيم كان صادمًا ومذهلًا حين قال:

"كان الطريق إلى خارج المخيّم أشبه بالسير في جهنم؛ طريقٌ كاويةٌ، مشاهد البشر الحزانى الذين يحملون أغراضهم كيف ما اتفق تحرق القلب، العويل والبكاء والغضب، اليأس والبؤس، الحنان والقسوة، طفولةٌ تكبر قبل أوانها، ورجال ونساء يهرمون بمجرد ما يقطعون المسافة إلى خارج المخيم، وكأن المسافة تحتاج إلى عشر سنوات لقطعها، وهذه السنوات طبعت بؤسها على ملامحهم". 

بدأ وعيه الفلسطيني يتشكّل بالتبلور، ويتشكّل سياسيًا مع سجالات خاضها وكثير من أبناء جيله، مما نُشر في مجلة "فلسطيننا"


الحب، الذاكرة، وحنين الوطن البديل

منذر سعد أحمد خليل، الذي وُلد في مخيّم اليرموك وغادره أهله عندما كان طفلًا إلى دوما، نشأ هناك واستطاع أن يندمج في المجتمع الدوماني؛ يتحدث اللهجة الدومانية مع أصدقائه، واللهجة الفلسطينية مع عائلته وبيت جده. كان قادرًا على الاندماج بعكس والده سعد، الذي لم يستطع أبدًا أن يدمج لهجة دومانية في كلامه، فعُرف باسم سعد الفلسطيني أو أبو منذر الفلسطيني.

مع منذر نكتشف خبايا الحب في هذه الملحمة الروائية، ونتعرّف على مغامرات الشبان في توصيل رسائل الهيام لمن يحبون، رسائلٌ تحمل عبارات الحب الطفولية. نكتشف كيف شارك الفلسطينيون في مظاهرات كانت تنطلق من الجامع الكبير في دوما، وكيف واجه النظام المتظاهرين بالرصاص، سرعان ما تطوّرت إلى سياسة الأرض المحروقة وارتكاب المجازر، مثل مجزرة حي الجورة.

يقدّم لنا منذر وصفًا رائعًا لمخيّم اليرموك الذي لا يشبه غيره من الأماكن. الفلسطينيون جاءوا إليه وصنعوا منه مكانًا للعيش، فهم أدركوا أنهم ليسوا سوريين، لكنهم استطاعوا أن يجعلوا من المكان وكأنه فلسطين الصغرى، فلسطين التي حلموا بها وتغنّوا فيها. لكأن المكان الذي تركوه في فلسطين صنعوا موازيًا له في المخيّم، أو في مخيالهم.

عاشوا في كنف المخيم بحلاوة العلاقات الاجتماعية ومرارتها، شعروا أنهم جلبوا فلسطين إلى مخيّمهم، أو حولوه إلى وطنٍ بديل، وطنٍ رمزي. لكن الشعب موجود حيٌّ ويناضل ويثابر على وجوده الحضاري والسياسي، إلى أن جاءت اللحظة الحاسمة بقصف النظام السوري للمخيّم وخروج أبنائه منه في رحلة التيه الجديدة. لكن هذه المرة لم تكن مقتصرة على الفلسطينيين، بل ضمّت بين جنباتها سوريين، فتساوى اللاجئ وأصحاب البلد في نكبة جديدة للبعض، ومكرّرة للبعض الآخر.

كيف تمكن الروائي سمير الزبن من سرد حكاية الخروج من مخيّم اليرموك بطرق مختلفة؟ كل شخصية من شخصيات الرواية تسرد الحكاية، وكأنني أقرأها من زوايا متعددة؛ لا وجود أبدًا للتكرار، بل زوايا ألمٍ مخيفة تظهرها، وكأننا أمام فيلم يستخدم المخرج إبداعاته في تصوير المشهد من كل الزوايا: عامةً وقريبة، من اليمين إلى اليسار، وبالعكس أيضًا. يصف وجوه البشر، يقترب الوصف من الوجوه، ثم سرعان ما يزيح المشهد، كأنني كنت معهم، أو كأن المشهد أمامي أشاهد، أحبس أنفاسي حينا، وأبكي حينا آخر، رغم عنّي.

كيف له أن يتملك هذا السرد، وبهذا القدر الغني والمعبر، لو لم يكن ابن مخيّم اليرموك؟ يكتب كأن كتابته سقيت من دموعه، بل من دموع التائهين الخائفين، اليائسين، المحبطين، المعذبين، المقهورين، والمسحوقين. كيف له أن يكتب ما كتبه بدون أن يكون شاهدًا على طغيان الحزن المعمم على كل شوارع اليرموك في ذلك اليوم الرهيب؟ وكيف لسعد (أبو منذر) أن يختفي إلا كدلالة على المغيبين قسريًا والمختفين إما في سجون النظام أو في المقابر الجماعية؟

الهندسة، الفساد، والمآسي السورية

رشا سعد أحمد خليل، المهندسة التي أحبت الهندسة لأنها جعلت إيمانها بالله أقوى وأعمق – فهو مهندس خلق الكون كله، كما كانت تقول دائمًا – أدركت بعد تخرجها وعملها أن هذه المهنة، وإن كانت مهنةً للرجال كما يُشاع، لكنها مهنة الفساد في ظل نظام فاسد. الفساد، الذي يصفه الروائي على لسان شخصية رشا، يؤشر عميقًا إلى الأزمة البنيوية الأخلاقية في بنية النظام. لا شيء خارج نطاق الفساد، الكل شريك في شرك الفساد، والنظام أوجد آليةً منضبطة لتسيير الفساد، ليست ضمن قوانين صريحة، بل بات في حكم الضرورة والمنفعة. الفساد، كما تعبر رشا، جعل من دمشق مدينةً قبيحة، رغم أنها أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ.

مع رشا نكتشف جانبًا مكررًا من جوانب قمع النظام للمتظاهرين في زملكا؛ متظاهرون يتصدون لقوات النظام، فينتصر الرصاص على الصدور العارية، ويسقط قتلى وجرحى، وهكذا دواليك، إلى أن غيّر المتظاهرون من أساليبهم وأدركوا أن لا خيار أمامهم إلا مواجهة الرصاص بالرصاص. لكن زملكا، ومناطق أخرى في ريف دمشق، كانت لها عقابٌ مذهل من النظام تجلّى في قصفها بالكيماوي، ما تسبب بمجزرة رهيبة.

تروي رشا تفاصيل الصراعات المسلحة بين جيش الإسلام وجيش الأمة، فننسى لوهلة أننا نقرأ روايةً، وندخل في السرد الحكائي التاريخي لمسار الصراعات المسلحة في سورية كما عرفه سكانه المحليون وبكل قسوته. والكثير من التفاصيل التاريخية المحلية ترسم صورة تفصيلية لتجارب البشر، ومدى الألم المنتشر على كل البقاع السورية. ورغم محلية الكثير من التفاصيل، فإن المبدع في هذا السرد أنه جعل من هذا الفصل وغيره من فصول الرواية وكأنها رواية منفصلة ومتصلة عما سبقها. بحيث يعرف القارئ أنه أمام عمل روائي محكم. كل فصل يسرد جانب من جوانب الوجع السوري الفلسطيني عبر الشخصيات التي كونها؛ تكتشف آلامًا كبيرة تجعل القارئ يهم بالبكاء، وأقله الحزن الذي يرافقه. ولربما من عاش الأحداث في سورية، سواء في مخيم اليرموك أو غيره من الأماكن الساخنة، سوف يدرك معنى وتفاصيل الحزن الذي تستحضره الرواية.

ورغم ذلك، إن استحضار موجات الترحيل والطرد للثوار وأهاليهم من الأرياف الدمشقية ذكّر رشا بما صنعه الصهاينة مع جدتها: رحيلٌ مرّ، وإحساس يكاد يُعيد تجربة اللجوء، كأن تجارب المقهورين وخبراتهم في اللجوء تتكرر.

فراس: العمى، الذاكرة الصوتية لمأساة

فِراس بن سَعْد بن أَحْمَد خليل، ذلك الشاب الوسيم، الذي يمتلك عُيُونًا جَمِيلَة، لكنها امتلأت بالعَتْمَة بعد أن فَقَدَ بَصَرَه وهو في الرَّابِعَةِ من عُمره، يمضي بنا السَّرَدُ الرِّوائِيُّ في هذا السفر من الرواية إلى مسار قد يصعب على المرء تَخَيّله. فكيف لأعمى أن يصف لنا عالمَه وهو لا يُبْصِر؟ في هذا الفصل نجد تَجَلِّيًا إِنْسَانِيًّا عميقًا، يَبْحَث في تَفَاصِيلِ الحياة من مَنظور إنسان لا يَفْصِلُه عن العوالم التي حوله إلا العَتْمَةُ والظَّلام؛ فلا يرى في المستقبل سوى الوَهْم، وهو، كما تقول الرواية، كفيل بتوليد طموح يعمل الأعمى على تحقيقه، لا أن يشعر بأنه شخص فائض عن الحاجة.

مع فِراس، الذي اكتشف العالم حوله عبر الصوت واللمس، أراد أن يكون له صَوْتٌ في المظاهرات، لكن الخوف الذي امتلك عائلته وقفَ سَدًّا مِنِيعًا لمشاركته فيها. أراد أن يكسِر خوفَه كما كَسَرَ المتظاهرون خوفهم من النظام. أدرك بحسِّه أن القانون الذي درسَه في كلية الحقوق هو تَفاهة لا معنى لها حينما تصب المدافع والطائرات حُمَمها على أبناء الوطن، فقط لأنهم صَرخوا مُطالِبِين بالحرية والكرامة.

فِراس، الذي لم يعرف مخيّم اليرموك، اضطر مع عائلته للانتقال إليه بفعل الأحداث في سورية. اكتشف في المخيّم عالَمًا ما كان له أن يعرفَه، عالمًا فيه كثير من العلاقات الحميمية، وكثير من الثرثرة أيضًا. اكتشف بسمعه نكبة الذين عاشوا في المخيّم يوم خروجهم منه: بكاء، عَويل، صَراخ، هَمْهَمات البشر، كل ما يخطر على البال. سمعهم فِراس وسجَّلهم في ذاكِرَتِه السمعية، ذاكرة تفيض بمزيد من الحزن والألم؛ ألم فقدان المكان، والرحيل عنه إلى المجهول.
 

كان الخروج من مخيّم اليرموك أشد وطأة وأقسى عليه بمرات كثيرة من خروجه من دوما (Getty)


الحلم بالهروب من المخيّم

وِداد أَحْمَد خليل لم تُحِب يومًا الحَيَاةَ في المخيّم. كان جُلُّ هَمِّها وحُلمها أن تخرج منه عبر بوابة الزواج. كَرِهَت المكان، وفي الطريق شعرت نفسها أنها تكره أهلها، مُعتَقِدَةً أنهم السبب في تعاستها، ولم تُدْرِك أن الاحتلال الصهيوني هو السبب في مآلات عائلتها وآلاف العائلات الفلسطينية التي نُكِبَت وفقدت كل شيء.

يمضي بنا الرّوائي في هذا المسار إلى أن الضحية قد لا تُدْرِك أنها ضحية، وتَلُوم ذاتها على ما ذَهَب إليه حالُها، وتَنسى المُحتَل.

الغربة المتنقلة وفقدان الانتماء

ديانا بنت وِداد أَحْمَد خليل، المولودة في أَميركا، والتي انتقلت إلى العيش في السَّعودية، في تجمعٍ مُغْلَقٍ للأجانب العاملين هناك، لم تعد تُعْنِيها دمشق سوى أنها مكان ولادة والدتها. ليس هذا وحسب، بل إن انتقالها مرات ومرات من مكان لآخر، من أَميركا إلى السَّعودية ودمشق والقاهرة ثم إسطنبول وفرانكفورت، جعل علاقتها مع الأماكن غريبة، ولم تشعر بالانتماء إليها، ولم تتعلَّق بها. ولعلّ الوصف الذي قدَّمته الرواية لديانا، بأنها تشعر نفسها بلا وطن، يُدَلِّل على فقدان الانتماء والهوية من جانب، واعتبار تغيير الأمكنة بمثابة جسرٍ لممارسة تجربة جديدة في التكيف المؤقت مع المكان.

الهامشيون أبطالًا

 في القسم الخامس والأخير، يدخلنا الرّوائي سمير الزبن في عالم قد يَحسبه البعض أنه عالمه الخاص، وأنه يروي حكايته، أو بعضًا منها، ولما لا؟ فكل رواية تتأثر بهذا الشكل أو ذاك من التجارب الخاصة للراوي. يسرد الحكايات، ويترك لإبداعه أن تُخَلِّق شخصيات جديدة، وعوالم افتراضية، لكنها عوالم مُسْتَمَدَّة من الواقع. ليس مطلوبًا من الأدب الروائي أن يُعْكِس الواقع، بل أن يُساهِم في تَخْلِيق عوالم جديدة في هذا الواقع، عوالم قد تُسْرِد الواقع بطرق جديدة، وقد تُنَبِّئنا بمستقبل لا قدرة على السياسة والبحث أن تستبصره، وهذه ميزة لا مثيل لها في الأدب. إنه يرى عوالم ما بعد الأفق الظاهر، عوالم لم تنشأ أو تتكون أو تتشكّل إلا في افتراضات وحسابات الروائي.

الجميل في هذه الشخصيات في هذه الرواية، أنها تُشَكِّل شهادات حيّة، فبعض الأسماء نعرفها، ونعرف تنقّلاتها الفكرية والأيديولوجية، وكثير من الأحداث كنا جزءًا منها، أو نعلم عنها بهذا القدر أو ذاك، لكنّه يُقارِب هذه الشخصيات والأحداث ليس بعين الرّوائي. يُقارِب علاقة الحب بعين إنسانية بالغة الشفافية، فيها من الجمال والألم والحزن الكثير. يُقارِب الثورة السورية بمنظار الفلسطيني اللاجئ، الذي بقي ما بين بين، فلا هو سوري، ولا هو فلسطيني. هو مزيج من كليهما، استمدّ وعيه من نكبته الأولى وما بعدها، وبات على يقين أن استعصاء الثورة السورية، وعدم إزاحتها للنظام المستبد، تُمثّل نكبة جديدة، مضافًا إليها مئات الآلاف من السوريين، أو أي نصر للثورة لن يكون سوى انتصار بطعم الهزيمة، لأنه سيخلّف وراءه دمارًا هائلًا لن تشفى البلاد من تداعياته لعقود طويلة.

مع صادق الحفيد وأبن مؤلف الرواية، والذي يروي القسم الخامس، يكون لسردية قصف المخيّم زاوية أخرى، زاوية لم يروها حينما رواها من شاهدوا المجزرة، لكأنه كان ينظر إلى الفراغ، ويسمع نحيبًا يرتفع وصراخًا وبكاءً مخنوقًا، ولربما العبارة التالية تحمل في دلالاتها الكثير من الألم لنكبة المخيّم، حينما يقول: "في ساعات معدودةٍ، خسرنا مكاننا وتحوَّلنا إلى لاجئين فعليّين في البلد التي وُلدنا فيها لاجئين، وفي مكان مخصص للاجئين أصلًا".

ولم يكن له بعد ذلك إلا أن يفكر بالفكاك من البلد، والهجرة نحو الشمال عبر البحر، هجرة تركت غصة كبيرة في نفوس كثيرين، جعلت الحنين إلى المخيّم، إلى المكان الذي عاشوا فيه، كأنه وطنهم الصغير أو فلسطين الصغرى، هذه فلسطين التي استباحها الغول بطائراته، وشبيحته المسعورون يسرقون كل شيء فيها. لم يتركوا شيئًاء إلا وعفشوه، وشبابيك وأبوابًا وبلاطًا وأسلاك كهرباء وغيرها إلا وسرقوها… لو كان في مقدرتهم أن يحملوا البيوت والأبنية لفعلوا، ولما عجزوا دمروا ما استطاعوا إليه سبيلا، مستعينين بسطوة الطائرات الروسية وحلفاء الظلام من أحزاب الله إلى زبينوبيّة وفاطميّة. وهنا يُصَاب صاحبنا صادق بالصدمة لحقدهم على المكان الذي قرّر الغول أن يخفيه ويفنيه عبر تحطيمه وتدميره نهائيًا.

في المنفى، في بلاد الشمال (السويد)، يصف صادق حال أبيه، الذي وجد حياته بلا معنى في بلاد الصقيع، بدون روح، بدون أفق؛ تحوّل إلى نكرة في بلد لا تعترف به ولا بغيره من اللاجئين سوى بوصفهم عبئًا ثقيلًا. يموت الأب حزنًا في منفاه، يفاجئ موته أبناءه، ليدركوا متأخرين أن الحياة كانت تخبو في عينه ولم يلتفت إليه أحد. مات لاجئًا كما جاء إلى هذه الدنيا لاجئًا، مات غريبًا كما عاش غريبًا، ومظلُومًا، وهو الذي دافع عن المظلومين في معاركه الخاسرة. فهل أراد بموتِه أن يُعلِن قصة موت لبطل الرواية الذي ظل متخفّيًا في شخصياتها، سواء أكانت مستمدة من واقع يعرفه، أو متخيّل استمدّه من زحمة الحياة في سورية المدهشة في مأساتها والغنية في تفاصيلها.

رواية "صوت السماء: حكايات عن الحرب والحب" ليست عادية، وليس فيها بطل أو أبطال، بل أهميتها أن أبطالها الهامشيين هم من صَنَعوا شخصياتهم البطلة من دون أن يدركوا ذلك.

رسم سمير الزبن في هذا العمل تفاصيل الحرب في سورية بعين الرّوائي. رسمها وفي نفس كل شخصية سؤال مركزي: كيف للأحداث المؤلمة أن تُشكّل شخصية البشر وتصنع منهم أناسًا آخرين؟ نعم، في لحظات تاريخية، يبدو الزمن مكثفًا، بقدر ما هو قصير، لكنه عميق وغائر في تفاصيل الجسد السوري؛ يصنع البشر، أخيارهم وأشرارهم. يُظهر معدن البشر على حقيقته، ويظهر الشرّ ليس باعتباره تفاهة يمارسها أناس تافهون، بل باعتباره أيضًا سياسة تعبّر عن سطوة طغمة تافهة حكمت عقودًا بالنار والحديد بلدًا جميلًا، مليئًا بالحب، وحوّلت البشر إلى كائنات خائفة.

وبعد ذلك كله، ألا يحق لنا أن نقول إن هذه الرواية تفضح هشاشة المجتمعات العربية، وليس المجتمع السوري فحسب، بأن الوعي الزائف بانتمائهم إلى أوطان ليس فيها من الأوطان إلا رموزها من علم ونشيد، ولكن الكرامة والحرية ضائعة، ليس في زمن الحرب فحسب، بل وفي زمن الحب أيضًا؟ 

* كاتب ومخرج فلسطيني.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.