قلما ظهر في بلاد الشام شعراء مرموقون بعد جيل السبعينيات من القرن العشرين المنصرم، وما كان في الإمكان، نقديًا، أن نصف بعض الشعراء بأنهم وارثو الشعراء الكبار المؤسسين للحداثة الشعرية، من عيار أدونيس، وخليل حاوي، ومحمود درويش، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج، فضلًا عن آخر ممثلي القصيدة ذات المصراعين، أمثال عمر أبو ريشة، وعبد الرزاق عبد الواحد، ومحمد مهدي الجواهري، وسليمان العيسى؛ فهؤلاء لا وارث لهم.
وفي غمرة ذلك القحط الإبداعي بدأت تنهال علينا في أواخر القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة، "تجارب" شبه هذيانية ادّعت أنها تملأ فراغ الخواء الأدبي العربي، وصرنا نقرأ "القصة القصيرة جدًا"، و"القصيرة جدًا جدًا"، و"شعر الومضة"، و"قصيدة البياض" (أي بلا كلام)، وقبلها "القصيدة البصرية" و"القصيدة الإلكترونية"، وغير ذلك من الصنوف العابثة.
ولا شك في أن تلك التجارب كانت مسلية، وعكست أحوال شعرائها التائهين الذين لم يتمكنوا من أن ينتزعوا مكانة لهم في فضاء الشعر العربي في تلك الحقبة. وعلاوة على ذلك، فإن معظم "الشعراء" الذين نبتوا بكثرة في مطالع القرن الحادي والعشرين، وراحوا يتزاحمون على الكتابة والنشر هنا وهناك، كانت "تجاربهم" الشعرية خائبة، ولم تترك أثرًا عميقًا في نهر الشعر العربي الذي يبدو أنه جفّ إلى حد كبير. ولعل السبب يكمن في أن هؤلاء الشعراء الجدد ظلوا بلا مرجعيات شعرية، ولم يواكبوا معرفيًا التجارب الشعرية العالمية، مع أن الشاعر الراحل إسكندر حبش لم يألُ جهدًا في تعريف الشعراء العرب الجدد إلى الروافد المتنوعة للشعر في العالم، وإلى الاتجاهات الجديدة. ولهذا ظلت العوالم الشعرية لهؤلاء بلا أفكار، وبلا آفاق، وبلا قلق، أو تساؤل أنطولوجي.
الاستثناء السوري
هذا الانطباع النقدي ليس نهائيًا، فثمة شعراء يظهرون بين حقبة وأخرى، ويثيرون الدهشة بلُغتهم الشفافة والرشيقة، وبعوالمهم الشعرية الرحبة، ثم تندثر أسماؤهم إما بالهجرة إلى بلاد أوروبا وأميركا وأستراليا، أو بالصمت. وقليل منهم مَن حاول البقاء فوق جمار الكتابة الحارقة، أمثال وليد خازندار، ووديع سعادة، وأحمد الشهاوي، وعقل العويط، والراحلين سركون بولص، وإسكندر حبش، وحسان عزت، وغيرهم بالطبع. وفي هذا الميدان من الترصد، عثرتُ على ديوانين للشاعر السوري المقيم في لبنان أسامة محسن، الذي لفتتني شاعريته ولغته وعوالمه الشعرية المرّة. والديوانان هما: "قبعة لرأس مقطوع" (بيروت: دار النهضة العربية، 2017)، و"أُعاقر النشوة أُغازل الدالية" (بيروت: دار النهضة العربية، 2018). ولا أدري لماذا تجتذب صورة الرأس المقطوع رغائب الشعراء؛ فأنسي الحاج أصدر ديوانه "الرأس المقطوع" في سنة 1963، وثمة رواية ساخرة للكاتبة البريطانية آيريس ميردوك عنوانها "رأس مقطوعة" (1961)، ولتحسين كرمياني رواية عنوانها "حكايتي مع رأس مقطوع" (2011)، ولإسماعيل الحسيني ديوان عنوانه "فكرة في رأس مقطوع" (2019). ومهما يكن الأمر، فإن قصائد أسامة محسن متميزة حقًا، وتكاد لا تشبه ما يُكتب في هذه الأيام من انفعالات وتأوهات. وهي مجدولة بالألم، وتتسربل بالحزن والخذلان، فضلًا عن الحنين الملتاع إلى بلاده التي تتباعد أرجاؤها، وتكاد تختفي لولا شواهد ذاكرته الخصبة التي ما برحت تستحضر المأساة السورية، وتعيد تشكيلها في قصائد مفعمة بالموت والخيبة والفراق والحنين.
الصور الكابوسية في قصائد هذين الديوانين تكاد تطيح أحيانًا الشعر وآفاقه ورؤاه البعيدة كقوله: "نساء الحي ينظفن الكشك المنشور على الأسطح من لحم المجزرة" (قبعة لرأس مقطوع، ص 25). لكنه لا يلبث أن ينثني ليتحدث عن وداع والده: "هذا الوداع فأس يفك عناقنا" (قبعة لرأس مقطوع، ص 17). وفي يقين بالغ، يؤكد "نحن أمة تعلم أن أقبح الأمم يبدأ صباح عيدها في مقبرة" (أعلاه، ص 28). ومن آلام المأساة السورية يتمادى الشاعر في التحديق ليرى أن:
"تحت الكنيسة ينام فقراء المسيح
تحت المآذن فقراء المسلمين
وتحت التراب يلعب الأطفال باسمين [...]
لم نعد تحت سماء واحدة
فالغزاة حاربوا الطغاة
والطغاة حاربوا الغزاة".
(ص 42)
أحيانًا، تبدو قصيدة أسامة محسن كشهاب محترق، أو كنيزك له ذيل يظهر ثم سرعان ما يندثر تاركًا وراءه حكمة: "حبيبة الغريب، نصفها أمّ، ونصفها الثاني عنبر" (أعلاه، ص 60). ثم يعترف: "أنا طويل البال على امرأة تترك حليب القصيدة لتُرضع ابنها، وتأخذ والدها العجوز إلى التبول قبل أن تأخذني إلى الحب" (ص 52). لكن خيبة الغريب، حتى مع النساء، طافحة وغامرة:
"في الصبح كنا
جسدين متشابكين
نفك العنب عن الرمان.
في المساء [...]
هو يكتب القصيدة
وهي في حضن رجل آخر
وحيدة مثله وحيدة".
(ص 67 ــ 68)
الشعر والفانتازيا والفقدان
في ديوان "أعاقر النشوة أغازل الدالية"، ينتقل أسامة محسن من الألم السوري، والخراب السوري، إلى غربة المهاجر السوري ورضوضه أمام المرأة والحب والشهوة والخمر والخسران؛ إنه انتقال ممضّ من الوطن المفقود إلى الجمال المفقود:
"لمسة واحدة من بطنك المكشوف
تعادل دواوين الشعر كلها
ضمّة واحدة وقبلة
تعادل وطني المفقود".
(ص 15)
في لجة هذا الانغمار بالمرأة المضمومة، وانثيال رائحتها في حواسه المتحفزة، يستفيق الشاعر فجأة ليكتشف أحزان الفقدان والهشاشة والعطب البشري:
"تسحبني امرأة للعشاء [...]
يفكني القرصان
ليقبلها مكاني
أيها البحر
إني اختنق فوق الماء"
(ص 28)
هذه البارقة تشبه مشهدًا سينمائيًا من أفلام قراصنة البحار حتى لو تقصّد الشاعر أن يستعير عبارة من قصيدة نزار قباني "رسالة من تحت الماء"، التي يغنيها عبد الحليم حافظ. أما الفانتازيا المحببة في ديوان "أعاقر النشوة أغازل الدالية" فتظهر ساخرة ومرّة مثل شطر من شطور الكوميديا السوداء:
"لأنني فقير
تعطلت الغسالة
واحترقت اللمبة [...]
وحين هممتُ للخروج من الغرفة
علق بنطالي بسلك حديد نافر
فانشق قلبي حسرة عليه.
اليوم صرتُ غنيًا
سرقتُ من غرفة جاري مسدسًا
وجربته على رأسي
إنه يعمل"
(ص 29)
***
يمتلئ أسامة محسن بشاعرية غير متوارية؛ شاعرية من دون ارتباك، فلا يتردد في الاعتراف والبوح، ما أتاح لأشعاره اللاهثة التشكل في نصوص ذات معنى، وربما كان لها تأثير، قريب، أو بعيد، في الكتابة الشعرية العربية الراهنة. وتحتاج تلك الشاعرية، وأي شاعرية غيرها، إلى تربة ثرية كي تينع وتبدع وتسافر بعيدًا لتعانق تساؤلات الإنسان عن عياء الإنسانية، ومعنى الحياة، ومصير الفرد، وما وراء هذا الكون المرئي، وغير ذلك من عناصر قلق الوجود. والتربة الثرية، بحسب ما أرى، إنما هي تراب بلاده، على ما فيها من قحط وقتل وموت وبشاعة وشناعة. ولا ريب عندي في أن لا إبداع خارج العوالم الأصلية للشاعر، وأن الشاعر المهاجر ربما تنفتح أمامه آفاق فسيحة، لكنه، على الأرجح، سيفقد نسغ اللغة وغصونها وفروعها وأوراقها وثمارها.


تحميل المقال التالي...