انتهيت للتو من قراءة كتاب "في أثر عنايات الزيات" لإيمان مرسال (الكتب خان ـ 2019). أعجبني العنوان، لأنه يقول "أثر" لا "سيرة". الفارق ليس لغويًا فقط، بل موقف كامل من الحكاية. هذا كتاب يتتبع ما تبقّى، لا يدّعي امتلاك حياة امرأة كاملة، ولا يحاول سدّ الفجوات عمدًا. وكأن إيمان مرسال تذكرنا أن الفجوات ليست دائمًا خطأ، وأن الصمت نفسه جزء من الأثر.
لم أكن أعرف عن عنايات الزيات إلا اسمها، وكل شيء آخر جاءني عبر هذا الكتاب. الرواية الوحيدة التي كان القارئ العربي يعرفها أو يتداولها عنها هي "الحب والصمت"، وأنا لم أسمع بها من قبل، ولم أعرفها إلا عن طريق إيمان مرسال.
نعمل حاليًا على مشروع جديد في أرشيف المرأة اليمنية. اقترحت عليّ زميلتي وصديقتي، الكاتبة جهاد جار الله، أن أقرأ "في أثر عنايات"، شاكرة لها ذلك. كنت قد قرأت لإيمان مرسال من قبل، ويعجبني أسلوبها، لذلك دخلت الكتاب وأنا مستعدة لأن أتتبع معها أثر امرأة لا أعرفها، لكنني سرعان ما اكتشفت أنني، بين سطر وسطر، أتتبع آثارًا أخرى.
في البداية، وأنا أتبع خطوات مرسال وهي تجمع خيوط حياة عنايات، قلت لنفسي: "يبدو أنها برجوازية أخرى". ثم بدأت أفكر: حتى لو نُسيت هذه المرأة من الأرشيف، ما زال هناك مجال لأن نحاول تتبع الأثر. لكن السؤال الأكبر الذي داهمني، وغالبًا ما يفعل بحكم عملي مع الصمت في الأرشيف، كان: وماذا عن النساء اللاتي لا نستطيع تتبع أثرهن أصلًا؟ نساء كثيرات لن نجدهن في الأرشيف، لا لأنهن لم يعشن أو لم يخلقن أثرًا، بل لأن شروط الحفظ والكتابة والاعتراف لم تكن لهن، وأحيانًا كثيرة لأنه تم تعمّد طمسهن.
الأرشيف: ما الذي يبقى… وما الذي يُمحى؟
هكذا بدأت القراءة تتحوّل عندي إلى مواجهة طويلة مع سؤال الأرشيف: ماذا يخبئ الأرشيف؟ ما الذي يسمح لنا بالاطلاع عليه؟ وما الذي يخفيه؟ نحن دائمًا نكرر أن التاريخ يكتبه المنتصر، وإيمان مرسال تذكّرنا بأن الأرشيف أيضًا لا يتكوّن وحده؛ هناك "خبراء" يقررون ما يبقى وما يُزال، ما يُحفظ لأنه حديث الناس أو لأن هناك من يهتم به ويتعقبه، وما يُقرر أنه ليس مهمًا ولا حاجة لبقائه في الأرشيفات المسجلة.
وهذا يجرّني إلى سؤال لا أستطيع تجاهله، خصوصًا إذا كنا نتحدث من موقعنا الجغرافي في اليمن: أين هي الأرشيفات التي نتحدث عنها أصلًا؟ لا أعلم ما هي الأرشيفات التي قد تكون موجودة في اليمن، وإن وُجدت، خصوصًا أرشيفات ما قبل ثورة سبتمبر، وأتصور أنها كانت مقتصرة على من كان لهم امتيازات خاصة، كمن مُنحوا حق الوصول للمعرفة والكتابة، وهم قلة قليلة. ماذا يعني هذا حين نقول "الأرشيف"؟ ومن الذي يتكلم باسم التاريخ حين تكون أدوات التوثيق أصلًا مُحتكرة؟
وأثناء القراءة ظل سؤال آخر يتشكل: لو تتبعنا أثر نساء نعلم أنهن كنّ موجودات، لكن لا توجد لهن أعمال مسجلة، ولا نصوص مكتوبة، ولا سير. ربما سمعنا باسم واحدة، وربما سمعنا قصة بلا اسم. هل يمكن لهذا أن يعيد تشكيل التاريخ؟ هل يكفي أن نجمع القصص حتى دون أسماء؟ وهل هذا النوع من "الأرشفة" هو نفسه الذي تتحدث عنه إيمان مرسال؟ أم هو أقرب إلى ما يقصده إدوارد سعيد حين يتحدث عن الأرشيف الثقافي؟
سعيد حين تكلم عن الأرشيف لم يكن يعني الأرشيف المادي فقط. كان يعني ذلك المخزون الذي يعيش فينا: القصص المتداولة، السير، العادات والتقاليد، التصورات المسبقة/ السرديات المهيمنة، كل ما يشكل وعينا ولاوعينا بدون أن ننتبه. بالنسبة لي، هذا الأرشيف أهم من مجرد أرشيف مادي يوثق كل شيء ويحفظه. لأننا قد نفقد الصناديق والوثائق، لكننا نظل محكومين بما استقر في المخيلة الجمعية: ما نتناقله، ما نصدقه، وما نكرر روايته.
في الكتاب تتتبع مرسال أثر عنايات عبر المقابلات: أختها، أحفادها، صديقتها، معارفها… تسمع القصص، ثم تبدأ لاحقًا، وهذا ما شدّني، في التفكير النقدي تجاه ما قيل لها وما لم يُقل. ما لم يُقل ليس نقصًا بل علامة. هو جزء من السرد، وربما مركزه.
وهنا بدأت أتساءل عن عنايات نفسها: ماذا كانت تريد؟ هل ماتت؟ أم انتحرت؟ وهل كان النسيان جزءًا مما أرادته؟ هل حُرق تاريخها، أم أنها هي التي أنهت تاريخها وحرقته، مثلما أنهت حياتها؟ ما الأشياء التي أبكتها؟ وما الأشياء التي قررت أن تخفيها تمامًا؟ وهل كانت ستسعد أن أحدًا يتعقب حياتها ويمشي في ماضيها الذي ربما دفنته بيدها؟
جزّ الشعر
ومن هذا الباب دخلت واحدة من أكثر فصول الكتاب استفزازًا لي: جزّ الشعر. أعجبني جدًا هذا الموضوع، لأن الشعر عند النساء ليس مجرد تفصيل جمالي. هو علامة اجتماعية، وحقل تأويلات جاهزة، ومساحة تتقاطع فيها السلطة الأبوية مع الجسد، مع اللغة، مع النظرة العامة.
عندما تتوالى التحديات أمام المرأة، خصوصًا من تواجه المجتمع أو تواجه السلطة الأبوية، تصير كينونتها كامرأة جزءًا من التحدي، ويصبح الشعر جزءًا من هذه الكينونة المتنازَع عليها.
وأنا أقرأ هذا الجزء تحديدًا، وجدت نفسي أعود إلى تجربتي الشخصية. أنا أيضًا قصصت شعري. حين فعلت ذلك، بعض صديقاتي قرأن الفعل بوصفه هزيمة أمام النفس، وأخريات وصفنه بأنه شجاعة. سألني البعض: ما الذي تمرين به؟ وكأن المرأة لا تقص شعرها إلا إذا كانت تمر بضغوط شديدة أو تحاول تغيير شيء قسرًا في حياتها.
وكنت فعلًا أمرّ بضغوط على المستوى الشخصي والمهني والعائلي والعالمي أيضًا، لكن قص شعري لم يكن شيئًا ندمت عليه. لم أنظر في المرآة وأتمنى لو لم أفعله. بالعكس: كان فعلًا تحرريًا من داخلي، لحظة شعرت فيها بالحرية.
لم يكن تحررًا من "سبب واحد" فقط. هناك طبقات متعددة من التوقعات والهيمنة. شعرت أنني أحرر نفسي منها، ومن توقعات "الآخر" عني: المجتمع، الناس، وحتى تأويلاتهم التي يوزعونها على حياة النساء من دون أن يعرفوا تفاصيلها.
كنت أحلم بهذا منذ الطفولة: أن أقص شعري بقصة مثل الأولاد. قصصته قرب الرقبة، ولم أكتفِ بذلك، بعدها حلقته. شعرت أنني فعلت شيئًا جديدًا، وأنني لا أريد أن أهتم لما سيقال. حتى لو كان بعضه صحيحًا جزئيًا. نعم، كانت هناك ظروف، لكن هذه الظروف لم تكن "معنى" الفعل، كانت ربما دوافع عجّلت به.
كنت أنوي أن أفعل ذلك في الأربعين، ثم قلت: لماذا أنتظر؟ أنا أكره الانتظار. أشياء كثيرة انتظرتها في حياتي، وهذا الشيء من الأشياء التي أردتها. فقلت: لماذا لا أفعله الآن؟ وفعلته وأنا في الخامسة والثلاثين.
بعد القص سمعت كل شيء: "شعرك كان أحلى وهو أطول"، "أنت أحلى بالشعر القصير"، "يناسبك". لكن الأهم بالنسبة لي أنني شعرت أنني خُلقت من جديد. لم تكن تجربة تدعوني لإنهاء حياتي. كانت تجربة أهدتني حياة جديدة.
ولهذا تحديدًا، حين قرأت "جزّ الشعر" عند إيمان مرسال، شعرت أنني أريد أن أكتب. كأنني أرد عليها وأقول: ليس دائمًا قص الشعر فعل ضحية، وليس دائمًا لحظة يأس. بالنسبة لي كانت لحظة قوة. وهذا لا ينفي أن بعض النساء قد قصصن شعرهن بسبب فقد أو يأس، لكنه يرفض اختزال الفعل في تفسير نفسي واحد جاهز.
اليمن كاستعارة للهامش
وفي خضم كل هذا، ظهرت "إضافة" صغيرة داخل الكتاب: ذكر اليمن عرضًا. في سياق الحديث عن مشهد بين أنيس منصور ويوسف السباعي، وهما يتكلمان عن الكاتبة المجهولة. في مشهد الكاتبة المجهولة، لا تُستدعى عنايات الزيات وحدها بوصفها غائبة، بل تُستدعى معها اليمن أيضًا. أنيس منصور، في مقالته "ماتت الأديبة المجهولة"، ربط موتها برحلته إلى اليمن وبسؤال يوسف السباعي له عنها، في لحظة أرق وحرّ وصفها الأول بالجحيم. توقفت عند هذا الربط، حيث تم اختزال اليمن مكانًا وتاريخًا إلى صورة مناخية في إحساس جسدي خانق.
وبمجرد أن قرأت اسم يوسف السباعي تذكرت فيلم "رد قلبي". ربما هو من الأعمال القليلة التي أتذكرها لأنني شاهدته وأنا صغيرة وأعجبني، وربما كان من الأشياء التي شكّلت وعيًا مبكرًا عندي تجاه الطبقية الموجودة في مجتمعنا. واليوم، وأنا أسترجع الفيلم في ذهني وأقرأ لإيمان، أرى أيضًا شيئًا مما تسميه كرينشو "التقاطعية": الطبقية التي مارسها الأمير الباشا ضد ابن الجنايني كانت نفسها الطبقية التي مارسها الباشا جنايني وزوجته ضد الراقصة التي أراد ابنهم الزواج بها. كما أن الفيلم قدّم "إنجي" ابنة الباشا كبطلة من البداية إلى النهاية. أما كريمة فكانت انعكاسًا لواقعنا الأليم، حيث تذوي الطبقات المهمشة، تحترق وتُنسى. لكن ما لا يقوله الفيلم أن الهوامش لا تنتهي، تعيد تدوير نفسها وتفرض حضورها حتى لو لم تكن مرئية. كما تقول أمي: "يصبح من ترابها تناوير".
الهالك؟ أم مركز الحكاية؟
هنا تذكر مرسال أيضًا فكرة البحث في "الهالك". تقول بشكل أو بآخر إنها ربما كانت بحاجة لأن تبحث عن عنايات الزيات في "الهالك"، لا في الأرشيفات وحدها: لا في أرشيف العائلة والأصدقاء، ولا حتى في أرشيف "أخبار اليوم"، الذي ذهبت إليه واكتشفت أنه تم إتلاف كل ما له علاقة بأعمال عنايات.
بل في الجغرافيا: الشارع الذي عاشت فيه وماتت فيه، المقبرة، المدرسة الألمانية، آثار الألمان، قانون الأحوال الشخصية، قضية الطلاق، سياقات الرفض، الأحلام، الصداقة، الحب، الاكتئاب، الموت.
لكنني استغربت توصيف هذا كله بالهالك. أعتقد أن هذا هو مركز القصة وأساسها: أين حدثت التفاصيل كلها. الهامش ربما هو ما يقوله الآخرون عنك. أما حياتك فهي كيف عشتها أنت، لا كيف يراك الآخرون، ولا كيف يصفك البعض، ولا كيف يُكتب عنك، ولا قصاصات ورق وقصاصات خبر. بل أنت: كيف اختبرت الحياة؟ كيف عشت؟ كيف متّ؟ الشارع الذي تربيت فيه، المقبرة التي احتضنتك… هذا ليس "هالكًا" بالنسبة لي. هذه الحياة نفسها.
ومن الأشياء التي جعلتني أشعر أنني داخل الكتاب فعلًا، أن إيمان مرسال في موضع ما تبدأ في مخاطبة النسوة بصيغة المؤنث. يجد البعض هذا غريبًا لأننا غالبًا لا نستخدم إلا ضمير المذكر بوصفه "الطبيعي" في لغتنا. لكن اللغة ليست مجرد كلمات، اللغة أيضًا أرشيف، لها تاريخها. لذلك نعمد في أرشيف المرأة اليمنية أن نخاطب المرأة بنونها.
حين خاطبت النساء، شعرت أنها تتحدث إليّ مباشرة، وكأنني جزء من القصة. وتساءلت: كم مرة قرأنا نصوصًا ولم نشعر أننا جزء منها فقط لأن اللغة همشتنا؟
عزيزة عبد الله: وجه إنساني للتاريخ… هل آن الوقت لإعادة كتابة السرديات؟
في الوقت نفسه، وأنا أفكر في الأرشيف بهذه الطريقة، كان يتوسع عندي سؤال اليمن: عندما نكتب عن قصص النساء، نحن نكتب أيضًا عن كل القصص التي لن نسمعها، وعن النساء اللاتي لن نجد لهن أثرًا لا في التاريخ ولا في الكتب ولا في الهوامش.
وهنا يأتي دور ما كنت أستمع إليه بالتزامن: حوار رحمة حجيرة مع الكاتبة عزيزة عبد الله. بحثت كثيرًا عن الكاتبات اليمنيات، ولا أذكر أن اسم عزيزة عبد الله مرّ عليّ بوضوح. قبل سنوات قال لي الصحافي عبد الله الحرازي، وهو مهتم بالأدب والتاريخ اليمني، إن رمزية الإرياني لم تكن أول من كتب الرواية اليمنية من النساء، وأن هناك امرأة أخرى. لم يتذكر الاسم. ثم عدت إليه وأنا أقرأ هذا الكتاب وسألته: من كانت المرأة؟ فقال: عزيزة عبد الله. وأرسل لي الحوار.
استمعت إلى حلقات المقابلة كاملة. راعني كيف أننا لا ننتبه لكثير من النساء، وكيف تُذكر أسماء كثيرة لم نسمع بها من قبل. وربما أنا سمعت ببعضها لأنني أجريت بحثًا طويلًا عن النساء اليمنيات، لكن ما قالته رحمة حجيرة ظل في رأسي: "غريب كيف أننا ما كناش نسمع أن النساء من الشمال كن يذهبن للتعليم"، وهي تتحدث عن ما قبل 1962. وفعلًا، تم تهميش الكثير من هؤلاء النساء، ولم يُذكرن، ولم يُذكر أنهن فعلن شيئًا. لكن إجابة عزيزة عبد الله كانت شافية، فقد أكدت أن النساء في ذلك الوقت كن محيطات بالكثير من المعارف حتى لو لم يذهبن إلى الصف.
سمعت أسماء كثيرة في حديث عزيزة أبو لحوم، أو عزيزة عبد الله كما تحب أن تُسمي نفسها، وفكرت: كم من النساء قابلتهن هذه السيدة ولم نسمع عنهن من قبل؟ وعندما سمعنا عنهن في مقابلتها، تمنيت لو أن رحمة حجيرة سألتها: من هن؟ ماذا فعلن؟ أن تتبع أثرهن كما تتبعت مرسال أثر عنايات، لكنها على الأقل وجدت لنا خيطًا.
أعلم أن سماع التاريخ من طرف آخر مهم جدًا، لكن إلى أي مدى قدمت لنا عزيزة عبد الله "وجهًا آخر" للتاريخ؟ ربما قدمت لنا صورة إنسانية حين تحدثت عن أخيها سنان أبو لحوم، أو عن والدها عبد الله أبو لحوم، أو زوجها محسن العيني. فالاستماع للقصص من وجهة نظر النساء غالبًا ما يمنحنا طبقة إنسانية لا نجدها في الكتب الرسمية. هذا يذكرني بكتاب "يتيمة الأحزان" لتقية بنت يحيى حميد الدين. أيضًا كانت تحكي من جانب إنساني. هذا التاريخ كله من وجهة نظر النساء يجب أن يتم التركيز عليه، لأن التاريخ حين يُروى بهذه الطريقة يكون مختلفًا تمامًا. وأعتقد أنه يقرّبنا أكثر مما يبعدنا.
ثم يعود السؤال الأوسع: هل هذا هو وقتنا الآن لكي نعيد البحث في التاريخ اليمني؟ في السرديات التي هيمنت على تاريخنا وطريقة عيشنا؟ وفي أرشيفاتنا المجتمعية، ليس بالضرورة تلك الموضوعة في صناديق ومخازن، بل الأرشيفات التي أثرت فينا وفي وعينا؟
متى سنسأل: ليس فقط لماذا لا توجد نساء؟ أو "أين النساء في التاريخ اليمني؟"، بل لماذا لا توجد أسماء غير الأسماء التي نعرفها؟ أين الأسماء الأخرى؟ أين الناس الآخرون الذين كتبوا وسردوا وشاركوا في صناعة وعينا وتاريخنا، وبذلوا الكثير لكنهنّ/م اختفين/وا؟
ربما لا يهمني الآن أن أعرف من هو هذا الشخص بالتحديد، لكن يهمني أن نسأل: أين هم/نّ؟ ولماذا غابوا/غبن؟ لأن هذا السؤال وحده يفتح أبوابًا لتعقب آثار الكثير، وربما يفتح طرقًا تجمعنا في الهامش عوضًا عن التفرقة في المركز.
بين الشفهي والمادي… وبين الأثر والسيرة
وأعود في النهاية إلى الصفحات الأخيرة من "في أثر عنايات الزيات"، حين تذهب مرسال لتبحث عن عنايات في مقر عملها، وتعيد تخيلها بطريقة مختلفة، بعيدة عما قيل لها من المقربين.
هنا يطل علينا وجه آخر للأرشيف: ليس فقط الأرشيف الشفهي الذي تتلاعب به الذاكرة، والذاكرة تختار ما تبقيه لتتصالح مع الفقد، بل أيضًا الوثائق والأشياء المادية، والأثر المؤرخ الذي يربطك بشخص مات ولم يترك لك تفسيرًا نهائيًا.
فأي التاريخين نصدق؟ الشفهي أم المادي؟ أيهما يقترب من "الحقيقة"؟ ربما لا أحد منهما يمنحنا الحقيقة كاملة. وربما هذا هو الدرس. لأن حتى حين يكتب أحدهم "سيرة" شخص وهو حي، ستظل السيرة مليئة بالتكهنات: هناك الكثير مما يقوله الإنسان، والكثير مما لا يقوله.
ولهذا أحببت هذا الكتاب، لأنه لا يدّعي اكتمال الحكاية. هو يتبع الأثر، ويترك لنا مساحة الأسئلة.
ولأن الأثر ليس فقط أثر عنايات الزيات. الأثر أيضًا هو أثرنا نحن: كيف نقرأ، ماذا نبحث عنه، ما الذي لا نجده، ومن الذي غاب ولماذا؟ وكيف يمكن لكتاب في أثر امرأة مصرية منسية أن يدفعك للتساؤل عن الأرشيف واللغة والشَعر والتاريخ الذي لم يُكتب، والنساء اللاتي لا نعرف أسماءهن، لكننا نعرف أنهن كنّ هنا، ولو بلا وثائق، ولو بلا سيرة.


تحميل المقال التالي...