}
قراءات

الهوية المغربية الهجينة: الهجنة بوصفها تكاملًا

جمال بندحمان 


تقديم

إن المتتبع لتجربة الكاتب المغربي جمال بندحمان، سيلحظ أنها تجربة ترنو نحو إرفاد الخطاب الروائي للمعرفة، فبعد رواية "محنة ابن اللسان" التي طرح فيها، على نحو سردي، معرفة مُتخلَّلة تجمع بين المعرفة الاجتماعية والصحافية والتاريخية والسياسية، نجده في هذا العمل الجديد "يوبا أعراب" يؤكد هذا الطرح، مما ينبئ عن قصدية واضحة تنتظِم فلسفة الكاتب ونظرته للعمل الأدبي الروائي.

إن رواية "يوبا أعراب"[1] تكتنز في تضاعيفها العديد من القضايا والإشكالات والطروحات، شأنها شأن سابقتها، غير أننا سنبئِّر نظرتنا في دراستنا هذه على مسألة نراها تكتسي أهمية شديدة، بل لعلنا لا نبالغ إذا ما وصفناها بالمسألة الخطيرة، نقصد هنا، مسألة الهوية، وتحديدًا، الهوية المغربية.

ننطلق في هذه المقالة النقدية من فرضية تزعم أن الرواية تعرض الهوية المغربية بكونها هوية هجينة، مختلطة، غير صافية، وفي أحيان عديدة، متنافرة.

فأين تتجلى هذا الهجنة الهوياتية؟ وإلى أي رمزية تشير، وهل هذه السمات معتبرةً سلبًا أم إيجابًا؟ وما هي مقصدية النص الكبرى؟

1- مفهوم الهوية

يعد مفهوم الهوية مصطلحًا متشعب الدلالة متعدد المعاني، وهذا التشعب وذلك التعدّد، مردّه عائد بالأساس إلى اختلاف زاوية النظر وخصوصية المنهج وتباين الحقل أو المجال الذي يصدر منه وعنه الناظر/القارئ المتصدّي لهذا المفهوم بالدرس، إذ أن تمثّل الباحث في علم الاجتماع يختلف عن فهم الباحث في العلوم الحقة، وفهم رجل الفلسفة والأدب والنقد، يتمايز عن فهم رجل السياسة والاقتصاد لهذا المفهوم، بالضرورة.

لذلك سنقف - ولو على نحو عاجل- على بعض دلالات هذا المفهوم، علَّ ذلك يساعدنا في إضاءة المعنى الذي نتغيَّاه حين نتحدث عن الهوية الهجينة في مجتمع الرواية.

1-1 الهوية لغة

نجد في المعنى اللغوي، أن الهوية يقصد بها: البئر، وتحديدًا البئر ذات القعر البعيدة. يقال: "البئر البعيدة القعر" (م الوسيط)، و"بئر بعيدة القعر عميقة- جمع: هوايا"، (م الرائد).

وسنكتفي، على المستوى اللغوي لمفهوم الهوية، بمعنى القعر والعمق، معتبرين أن ذلك يمكن أن يحيل على عمق المجتمع وما يموجُ في قعر ذاته الجمعية والفردية على السواء.

2-1 الهوية اصطلاحًا

2-1-1 فلسفيًا

إن مفهوم الهوية شائك ويتصل بميادين مختلفة كما سلفت الإشارة. ولذلك نجده من أشد المفاهيم التي شُغلت بها الفلسفة، على اعتبار أن غاية الفلسفة أساسًا، هي دراسة واجتراح المفاهيم، على الأقل عند (جيل دولوز وفليكس غتَّاري)[2]. ولعل هذه الأهمية التي يكتسيها هذا المفهوم هي التي دفعت الكثير من الباحثين إلى محاولة تحديده، ومعرفة سبل تشكله، لذلك، ظل المفهوم موسومًا بالزئبقية متصفًا بالديناميكية، أي أنه ظلّ قيد التشكيل، وعلى الدوام، كما يرى ذلك أدونيس، إذ يعتبر أن "الهوية إنما هي حركة، ولا يمكن أن تكون ثابتة متجمدة"[3].

 وفقًا لهذا المعنى، أو قريبًا منه، تعرض الرواية - سرديًا - الهوية المغربية، باعتبارها هوية مرنة، متعرجة، فسيفسائية، وغير قابلة للقولبة النهائية أو النمذجة الخرسانية.

3-1-1 الهوية سرديًا

 لقد اهتم النقاد بالهوية، والهوية الأدبية/ السردية تحديدًا، وقد اختلفوا، بدورهم، في تحديد وحصر دلالات هذا المفهوم المتفلت. ومن أهم النقاد الذين عُرفوا باهتمامهم بهذا المفهوم نصادف بول ريكور، الذي يعتبر أن المرويات، سواء كانت روايات أم قصصًا أم كتبًا تاريخية، فإنها "تخصص هوية سردية محددة لفرد أو جماعة وهي التي يسميها بالهوية السردية". كما يرى، أن هذه الهوية شأنها شأن باقي أنماط الهويات الأخرى، لا يشترط فيها الثبات، فـ"ليست الهوية السردية بالهوية الساكنة التي لا تترك ندوبًا، وتمامًا كما يمكن تأليف حبكات من موضوع واحد للأحداث العرضية... كذلك من الممكن دائمًا نسج الحبكات المختلفة المتعارضة عن حيواتنا"[4]، بل إنه يعتقد أن هناك تماسًا شديد القوة بين الهوية الشخصية والهوية السردية، إذ يقول: "إن القطبية التي سأحاول اكتشافها توحي بوجود تداخل الهوية السردية في التكوين المفهومي للهوية الشخصية"[5].

وهذا الطرح يجعلنا نستنتج أن "سؤال الهوية إذن، يتصل بالممارسة السردية" على نحو بارز، الهوية التي هي في حاجة ملحة ودائمة إلى الآخر، لأنه يجلِّيها ويعكسها ويفردها، إذ "أن الهوية إذا كانت إحساس الأنا بالانتماء، سواء كان هذا الأنا فرديًا أو جمعيًا، فإنه لا يتحدد إلا بالآخر"[6].

وحين نتحدث عن الهوية، يمكننا التمييز بين ثلاثة أنماط جوهرية، " فالذات أمام سبل ثلاثة لإدراك هويتها: أولاها "هوية موروثة" جذورها اجتماعية، ثانيها "هوية مكتسبة" فعلها في واقعها، وثالثها "هوية مأمولة" قصدها وجودًا لم يكتمل"[7]. والقارئ لرواية "يوبا أعراب"، يجد هذه الأنماط مجتمعة على نحو متجاور ومتداخل، بل يصادف أشكالًا أخرى، أكثر تفرّعًا وتشعبًا، حين يتعلق الأمر بتشكيل الهوية المغربية.

من خلال الدلالات اللغوية والاصطلاحية الفلسفية السالفة، نستنتج أن الهوية مفهوم يتصل بالنفس البشرية ومكوناتها، يتصل بالمعنى العميق وغير المرئي لهذه النفس، المعنى الغائر، لكنه المعنى المؤثر في بنية الإنسان الذهنية والجسدية والوجدانية، والمتحكم، على نحو متين، فيما يفعل أو لا يفعل.

وللهوية عناصر كثيرة تسهم في تخلقها وتسفر عن طبيعتها، إذ "تتشكل هوية كل شخص من جمهرة من العناصر لا تقتصر بالطبع على تلك المدونة على السجلات الرسمية. هناك بالتأكيد بالنسبة للغالبية العظمى من الناس، الانتماء إلى تقليد ديني وإلى جنسية، وأحيانًا جنسيتين، وإلى مجموعه إثنية أو لغوية وإلى عائلة أكثر أو أقل اتساعًا وإلى مهنة ومؤسسة ووسط اجتماعي ما. ولكن القائمة أطول من ذلك أيضًا ويفترض أنها غير محدودة، إذ نستطيع أن نشعر بانتماء أكثر أو أقل قوة إلى ريف أو قرية أو حي أو عشيرة"[8]، على نحو ما ذهب إليه أمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة".

ولأن الرواية "جنس أدبي قلق بطبعه، متعدد الأبعاد، يملك من المكونات والسمات ما قد يختلف من رواية لأخرى، يستثير الأسئلة ويستفز القارئ، ونادرًا ما يُصدر الجواب القاطع المطمئن إلى حقيقته وصحته"[9]، فإن رواية "يوبا أعراب" تمثيل حقيقي للأسئلة المستفزة، الحارة، خاصة الأسئلة المتعلقة بالهوية، بهوية شخص ثم عشيرة ثم بلد ثم أمة.

2- الهوية المغربية الهجينة

لَمَّا نطالعُ رواية "يوبا أعراب"، نكتشف أنها رواية منشغلة بالوطن والمجتمع والتاريخ والشعب، وهي بذلك رواية تنهل من المعيش المنثور والروتيني أحيانًا، محاولة بذلك أن تقولَنا، أن تقول المجتمع الذي أنتجها والتي تحاول أن تساهم فيما يمكن أن يُنتجه مستقبلًا. إنها تعود إلى التاريخ لتنهل منه وتضارع الحاضر لتجسَّه وتتماس معه وتفعل فيه، وتُجاوِزُ كل ذلك لتستشرف المستقبل. ولأنها كذلك، فهي مرآة عاكسة للمجتمع المغربي، وهذا الانعكاس المرآويُّ، يوضح لنا كيف أن هويتنا هجينة أشد ما تكون عليه الهجنة، ولأنها كذلك، فإنها تحمل في رحمها إمكانية التشظي والتنافر، بالقدر - نفسه - الذي تحمل فيه إمكانية التكامل والتضافر.

1-2 الهوية العربية/ الهوية المشرقية

تبدأ الرواية بالإشارة إلى الهوية العربية باعتبارها مكونًا رئيسًا من مكونات الهوية المغربية، وتتجلى من خلال اهتمام الشخصية الرئيسة (الصحافي المراحي) وعائلته بل وقبيلته، بالقضايا العربية، منطلقين من الفكر الناصري الداعي إلى الوحدة العربية. نقرأ في النص: "بني، يبدو أنك لم تسمعني جيدًا، فقد قلت لك مرارًا لم نكن ناصريين، لكننا أحببنا جمال. أتعرف لماذا؟ لأننا كنا نحس الصدق في نبرات صوته وحركاته وطريقة كلامه. ولأنه كان يعبّر عنا، وكان منا... كان بيتنا الكبير مفتوحًا للجميع وكان من يشتغلون عندنا جزءًا منًا. وأعتقد أن ذلك كان من روح جمال نعم روح جمال"[10]. ويتبدى هذا التأثير الناصري أكثر حين يقر العم وهو يجادل ابن أخيه، الصحافي: "كان وجود شخصيات مثل جمال في حياتنا إنعاشًا لوجودنا النمطي الذي تتشابه أيامه"[11]. غير أن هذه الصورة لم تكن واحدة. فها هو (المراحي) يعبّر عن اختلافه مع مصر والهوية المشرقية وأثرها على الهوية المغربية: "لم يتعامل الرجل (جمال عبد الناصر) معنا باحترام فقد حكم علينا بما حكم به من حكموا مصر، ولم يفهم خصوصيتنا. لقد تصرف معنا مثلما فعل ذلك الذي كرر بدون خجل، بضاعتنا ردّت إلينا[12]. كان يريد أن نبقى نسخة باهتة مما يحدث هناك عندهم.

لكننا جزء من المشرق وما يحدث فيه يحدث عندنا.
هذا أمر غير صحيح لأننا لسنا منهم. نحن نحن، وهم هم.
وأين أخوتنا؟
هي في تكاملنا. نحن بما لنا وهو بما لهم، نتكامل معهم دون أن نذوب فيهم"[13].

إن هذا الحوار الفكري المتسم بنوع من الحدة يُبرز لنا جدلية التأثير والتأثر الحاصلة في الهوية المغربية في علاقتها بالهوية المشرقية العربية ومدى اختلاف الآراء حول ذلك، فمنهم من يرى أننا تبع للمشرق، ومنهم من يرى غير ذلك، فعلال الفاسي مثلًا، له رأي متماه مع شخصية المراحي، إذ يؤكد "على أن المغرب ظل دائمًا معتدًا بوجوده الخاص، ناشدًا مكانه تحت شمس العروبة والإسلام، غير راض أن يكون في مؤخرة القافلة العربية، أو بعيدًا عن مركز القيادة منها"[14]. ومعنى هذا أن المغرب كان دائمًا في مُكنته أن يتأثر بدون أن ينصهر، أن يتواصل بدون أن يذوب، بل كان قادرًا على مغربةِ كل التيارات والهجرات والفتوحات التي عرفها، وصبغها بصبغته، وتطعيمها بخصوصيته، وذلك عبر مختلف عصور تاريخه، "فقد شهدت بلاد المغرب غزاة أجانب وهجرات من الشرق ومن الغرب، ولكنها استطاعت في كل الأوقات أن تحتفظ بمشخِّصاتها الوطنية"[15]، أي بأصالتها التي من غناها، ومن خاصية الحياة والتجدد فيها، تصير هي النهر الأصلي، وما عداها، جداول تصب فيه. ولعل صدى هذه القناعة الفكرية هي ما عبر عنه الكاتب روائيًا، في حوار بين الصحافي المراحي وعمه:

"قال لي: هل تعلم سر هذا البلد؟
قلت: الأولياء.
قال: ورفض استيراد الأفكار والمواقف وتقليد الآخرين والحفاظ على خصوصيته، فعلى شواطئه وجباله تكسرت أطماع وذابت سلالاتُ من رغب في تطويعه وجعله مثله.
قلت: هل تقصد الحماية؟
قال: بل أقدم منها"[16].

بهذا نكون قد قدمنا نماذج تمثيلية لأثر المشرق العربي في تشكيل الهوية المغربية، بنوع من الاختصار، وإلا فإن الرواية تزخر بما يدل على هذا التأثير الهوياتي المشرقي.

2-2 الهوية الأمازيغية

لا يمكن الحديث عن الهوية المغربية من دون أن نقف عند العنصر الأمازيغي بوصفه مكوّنًا أصيلًا من مكوناتها، ذلك "أن الشعب المغربي متركب جنسيًا من أربعة عناصر... لكن حين نعود بهذه العناصر إلى أصولها نجد أن كلهم من عنصر واحد"[17]. فالمغرب، تبعًا لهذا الطرح، واحد بصيغة الجمع، إذا تأملنا.


ومن الشخصيات الرامزة إلى الهوية الأمازيغية في مجتمع الرواية، نجد شخصية (بريك السوسي)، "فهذا الرجل السوسي المولد والمنشأ جعل محله مركزًا للمقاومة...  فقد كان الرجل موضع ثقة كبرى رغم أنه لا ينتمي إلى منطقتنا، بل وفد إليها، لكننا لم نكن نميّز بين أصلي ووافد ونرى أن الأرض ملك لنا جميعًا ما دمنا ننتمي إلى بلد واحد. ورغم لكنته الأمازيغية التي لم تغيرها سنوات عيشه بيننا فإن تلاقحنا لم يكن موضع مزايدة أو اختلاف"[18]. كما نجد في أكثر من نص مواز بمرجعية تاريخية وفكرية له علاقة بالمكون الأمازيغي، كالاستشهاد بكلام المختار السوسي حول انتشار القبائل العربية وامتزاجها بالأمازيغ، وأيضًا الإحالة على ابن تومرت وبعده الأمازيغي غير ما مرة. هذا فضلًا عن تسمية القبيلة التي تنتمي إليها الشخصية الرئيسة بدوار (الشلوح)، الأمر الذي ينبئ عن مركزية العنصر الأمازيغي في تشييد الهوية السردية للرواية على مستوى التخييل، وفي تشييد الهوية المجتمعية المغربية على مستوى المعيش والتحقق الاجتماعي والثقافي والإثني.

3-2 الهوية البدوية القبلية

بعد أن أشرنا إلى المكونين العربي والأمازيغي في تشكيل الهوية المغربية الموسومة بالهُجنة، ننتقل إلى عنصر آخر له صبغة جغرافية ثقافية، وهو عنصر البداوة، محاولين أن نسبر مدى تأثيره وعمله في تشكيل الفسيفساء الهوياتية المغربية.

إن رواية "يوبا أعراب" تعطي مساحة مهمة للبدوي، مانحة إياه فرصة للتمكين ولصوته أن يعبّر عن ذاته، وهي بذلك تحاول أن تسد ثَلمةً في الكتابة التاريخية المغربية، وما لم يفعله المؤرخ قد يعوضه المبدع، "فالحاصل، أن الكتابة التاريخية المغربية ظلت كتابة تهم الحواضر في المقام الأول، مما يشكل ثغرة في تاريخنا، وبقعة هامة من بقع التاريخ المنسي"[19]. تسد هذه الثلمة عبر الأدب الروائي، عبر التخييل، عبر تغيير زوايا النظر، مع الإشارة إلى أن هذا الأدب، أيضًا، أغفل ولزمن طويل، عنصر البادية في تشكيل خطابه، متأثرًا، بشكل واع أو من دون وعي، بمقولة "إن الرواية بنت المدينة".

لذلك، فالبادية، في تقديرنا، بما تتميز به من فضاءات وتاريخ وحكايات وشخوص وأحداث وتقاليد وقصص وطقوس – أيضًا - تظل قادرة على جذب القراء وإمالتهم، على غرار ما تفعل الحواضر، وأحيانًا أكثر مما تفعله الحواضر، وبالتالي، علينا ألا "ننسى موضوع الريف وما يكشف عنه من ألوان محلية كانت وما تزال تجتذب ألوف القراء، فضلًا عن المشاعر التي لا يتاح لها من الانطلاق ما يتاح للمشاعر في المدن، وهذا ما يكسب موضوع الريف أهمية خاصة"[20]. وهذا ما انتبهت إليه رواية "يوبا أعراب"، في تقديرنا.

من الأمثلة النصية التي يمكن أن نسوقها في هذا المضمار، حديث البدوي (العم): "وقد بدا لي أننا نحن أهل البادية ضحايا روايات الآخرين، لكنني كنت مصرًا في دواخلي على أن باديتنا ليست ذيلًا لأحد... فقد حدّثني أخي الشيخ مرارًا على أن البادية هي التي حمت حكامًا وأقامت دولًا وأسقطت أخرى. وأن الزوايا لم تنبت في المدن بل في البوادي وأن من حكموا قدموا من القرى والبوادي" [21]. لكنه يتمم بنوع من الحسرة والإحساس بالغبن: "ثم احتوتهم المدن لتكتب التاريخ باسمها"[22]. وهو بذلك يشير إلى خروج البادية المغربية، على ما لها من قيم وقيمة، من التاريخ ومن الضوء، لحساب المدينة.    

إن عنصر البادية أو القبيلة لا يحضر في متن الرواية ببعده الثقافي والحضاري فحسب، بل إنه يحضر ببعده الجغرافي بما هو الفضاء الذي اشتمل على أحداث جوهرية في الرواية، وشخصياتها الرئيسة نابعة منه ومتشبثة به، حتى وإن نأى بعضها عنه.. وفي ذلك، ما يكشف أهميتها في بناء الهوية المغربية الهجينة.

جدير بالذكر أن البادية المغربية باعتبارها مجتمعًا مصغرًا، بدورها، توسم بالهجنة. "إننا نقدّس أولياءنا ونثق في بركاتهم ونعنى بأصولنا ونرفض طمسها. ولعلمكم سيدي فأنا أنتمي إلى قبيلة تاريخها مدون في أسماء أهلها وتضاريس جغرافيتها وفي أحجارها وكراماتها وأنها تنسب إلى مشرق بعيد ولغة قريبةـ فرغم أنها تتكلم لغة أهل السهل مما يختلط فيه اللسان الغربي بالعربي وبألسن من مروا من هنا، ورغم أن اسم القبيلة المتداول بين أهلها والمقربين منها يجعلها "دوار الشلوح". رغم كل هذا فإن جدي كان يقول: إننا كل هذا، نحن مشرق بعيد وانتماء قريب وأن ما تفرق في غيرنا اجتمع فينا "[23]. وفي هذا ما يعكس هذا الفضاء وما يكتنزه من غنى وخصوصية وأصالة.

إذًا، أثرت البادية المغربية في بناء الهوية المغربية، هذه البادية المتعددةُ التي تصب في نهر المغرب التعددَ، ولعل في قول: "إن ما تفرق في غيرنا اجتمع فينا"، تنصيص على ما نراه هجنة وتباينا فاقع الوضوح في هذه الهوية.

4-2 الهوية الأندلسية

بعد أن أشرنا إلى المكون العربي والأمازيغي والقبلي/البدوي في رصّ الهوية المغربية وتنضيدها، نقف عند مكوّن آخر يكتسي، بدوره، أهمية بالغة في هذا الرصّ الهوياتي، ونقصد بذلك، المكون الأندلسي.

إن المتمعن في متن الرواية سيجد هذا المكون بارزًا في عموم خطابها، وأهميته تظهر من خلال المساحة التي أعطاها صاحبها له، حتى أن العنوان له علاقة متينة بالأندلس، "فيوبا أعراب ابن سيدة شامية اسمها ورقاء بنت بنتان الشامية وأب أمازيغي اسمه إيراتن، وقد كان بطلًا عسكريًا ساهم في فتح الأندلس"[24]. وللعنوان، بوصفه عتبة نصية شديدة الأهمية أكثر من دلالة ومقصدية. تقول (ورقاء الشامية): "عندما أنجبنا ابننا الأول اختلفنا في تسميته، فقد كان زوجي يرغب في تسميته باسم جده الأكبر: يوبا وكنت أرغب في تسميته باسم والدي. وكي نحل الاختلاف اتفقنا على تسميته يوبا أعراب. وعندما اعترضت على اسم أعراب، أقنعوني بأنه النطق الأمازيغي للعربي، فقبلت"[25].

ونتيجة تلاقح كل هذه العناصر المختلفة عرقيًا ولغويًا وجغرافيًا وثقافيًا، نشأت الهوية المغربية وتعرشت دواليها، لأن "يوبا أعراب" هو استعارة روائية لهذه الهوية: "لم يكن أعراب يشبه أحدا: كان مزيجًا مني ومن والده، كأن خالقه اختار الاعتدال بيننا لغاية يعلمها ولا نعلمها"[26]. وهذا الاختلاف المتمازج، هو الذي عقِله وتشبع به يوبا أعراب، فجنبه بذلك، السقوط في الصراع الهوياتي، فقد "فهم يوبا أعراب أن لعبة المفككين واحدة لأنهم لا ينسبون من يعيشون على أرض إليها، بل يبحثون فيما يحولهم شيعا وقبائل تصارع بعضها على طريقة نطق أو شكل لباس وطعام ومسكن أو طريقة احتفال وسبل تزيين، وعندما تقف حيلهم يبحثون في تاريخ يوجهون عنقه حيث ما أرادوا"[27]. وبذلك، يكون يوبا أعراب ونفسيته المنفتحة على تقبّل الآخر، وتشكيله المتعدد جينيًا وإثنيًا وجغرافيًا وثقافيًا تمثيلًا جوهريًا لصورة الهوية المغربية التي وصفناها بالهجنة.

تركيـب

ارتكازًا على ما تقدّم، يمكننا الخلوص إلى استنتاج مؤداه، أن رواية "يوبا أعراب" قد عملت، أدبيًا، على تمثيل الهوية المغربية وما تتميز به من هجنة نادرة التحقق، وهي، وإن كانت موصوفة بالهجنة، فإنها هجنة تنأى بنفسها عن التفرقة والتشردم، وتجنح إلى التفاعل والتلاقح، لتفرز لنا، في الأخير، هذا المغرب المنداح الذي يسع الجميع، على ما فيهم من تباين عرقي ولغوي وسياسي وتاريخي وجغرافي وثقافي... كما يمكننا استجلاء مقصدية النص الكبرى، التي هي في نظرنا، دعوة إلى إعادة النقاش الهوياتي بنوع من الهدوء والرحابة والمعرفة، بغية تحصين هذه الهوية وتعزيزها والابتعاد بها عن كل خطاب ضيق الأفق وبراغماتي الهدف، يعتنق الأحادية الخالصة ويزعم الصفاء الخالص.

* طالب باحث في سلك الدكتوراه، جامعة الحسن الثاني، كلية ابن مسيك.


المصادر والمراجع: 

- بندحمان جمال، يوبا أعراب، أفريقيا الشرق، ط 1، 2025.
- جيل دولوز، فليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة وتقديم مطاع صفدي، المركز الثقافي، ط العربية 1، 1997 (الطيب بوعزة، الفلسفة (مقال) رابط 15 ماي 2015).
- علي أحمد سعيد (أدونيس) الهوية غير المكتملة، الإبداع، الدين، السياسة، الجنس، تعريب حسن عودة، ط1، بدايات للنشر والتوزيع، دمشق، 2005.
- الفلاق سعيد، التخييل التاريخي في الرواية المغربية المعاصرة، دار راشد للنشر، ط1، 2019.
- حاتم الورفلي، بول ريكور، الهوية والسرد.
- أمين معلوف، الهويات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة، ترجمة نبيل محسن، ط 1، ورد للطباعة والنشر، دمشق.
- مصطفى الورياغلي، فكر المتخيل في الرواية المغربية، أعمدة- سيليكي أخوين-طنجة، ط1، 2022.
- علال الفاسي، الحركات الاستقلالية، مطبعة الرسالة.
- علال الفاسي، النقد الذاتي، دار الكشاف للنشر والطباعة، بيروت، 1966.
- البادية المغربية عبر التاريخ، تنسيق إبراهيم بوطالب، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات 77، سنة 1999.
- محيي الدين إسماعيل، محاولة لوضع الشعر بين المحلية والقومية، مجلة الآداب، العدد 6، 1972.


إحالات:

[1]  بندحمان جمال، يوبا أعراب، أفريقيا الشرق، ط 1، 2025.
[2]  جيل دولوز، فليكس غتاري، ما هي الفلسفة، ترجمة وتقديم مطاع صفدي، المركز الثقافي، ط العربية 1، 1997 (الطيب بوعزة، الفلسفة (مقال) رابط 15 ماي 2015).
[3]  علي أحمد سعيد (أدونيس) الهوية غير المكتملة، الإبداع، الدين، السياسة، الجنس، تعريب حسن عودة، ط1، بدايات للنشر والتوزيع، دمشق، 2005، ص. 69.
[4]  الفلاق سعيد، التخييل التاريخي في الرواية المغربية المعاصرة، دار راشد للنشر، ط1، 2019، ص. 33
[5]  نفس المرجع والصفحة.
[6]  حاتم الورفلي، بول ريكور، الهوية والسرد، ص. 48
[7]  نفسه، ص 31
[8]  أمين معلوف، الهويات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة، ترجمة نبيل محسن، ط 1، ورد للطباعة والنشر، دمشق، 1999، ص. 9.
[9]  مصطفى الورياغلي، فكر المتخيل في الرواية المغربية، أعمدة- سيليكي أخوين- طنجة، ط1، 2022، ص.123
[10] يوبا أعراب، ص. 7
[11] نفسه، ص. 11
[12] في هذا الكلام إشارة إلى قول الصاحب بن عباد لما طالع كتاب ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد: هذه بضاعتنا ردت إلينا. وهو قول يكتنفه الغرور والتعالي واعتبار المشرق مركزا وما عداه تبع.
[13] يوبا أعراب، ص. 28
[14] علال الفاسي، الحركات الاستقلالية، مطبعة الرسالة.
[15] نفس المرجع.
[16] يوبا أعراب، ص 29
[17] علال الفاسي، النقد الذاتي، دار الكشاف للنشر والطباعة، بيروت، 1966، ص. 253.
[18] يوبا أعراب، ص. 19
[19] البادية المغربية عبر التاريخ، تنسيق إبراهيم بوطالب، منشورات كلية الاداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومناظرات 77، سنة 1999 ص. 30
[20]- محيي الدين إسماعيل، محاولة لوضع الشعر بين المحلية والقومية، مجلة الآداب، العدد 6، 1972، ص. 90.
[21] يوبا أعراب، ص. 28
[22] ص 28
[23] ص. 46
[24] ص. 68
[25] ص. 75
[26] ص. 76

[27] ص. 77

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.