}
عروض

كيف انقلبت الليبرالية على نفسها؟

عمر كوش

7 يناير 2026


عُرِفَت الليبرالية بأنها نظام سياسي واقتصادي، تستند إلى نظرية العقد الاجتماعي، ويكفل نظامها حماية الحريات الفردية من التغوّل والتجاوز، كما يعمل على تعزيز الاختيار. واعتبر منظّروها الأوائل أنها تقوم على مبدأ الاختيار الحر وغير المقيّد للفرد المستقل ذاتيًا، عبر تركيزها على حقوق الملكية، والأسواق الحرة، والحدّ من تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، ومنحها أهمية خاصة للحرية الاقتصادية، حيث اعتبرت أن الأسواق الحرة هي الوسيلة الأفضل لتحقيق الازدهار الاقتصادي، إضافة إلى دعمها الديمقراطية والحرية السياسية، لكن الأمور تغيّرت مع الموجات اللاحقة من الليبرالية، فاعترتها أمراض ونزعات عديدة، خاصة مع صعود الشعبوية السلطوية، بنسختيها اليمينية واليسارية.

دافع العديد من الفلاسفة والمفكرين عن الليبرالية في نسختها الكلاسيكية، فيما انتقدها آخرون كثيرون. وقد حاول المفكر الأميركي، فرانسيس فوكوياما، مؤخرًا، الدفاع عن الليبرالية الكلاسيكية في مواجهة الليبرالية الجديدة أو النيوليبرالية، والتصدي للساخطين عليها من اليمين واليسار. ورأى أن الليبرالية تُعرَّف في نسختها الكلاسيكية بوصفها فلسفة سياسية، تعتبر المجتمعات مبنية على المواطنين كأفراد أحرار ومستقلين، وتمنحهم حقوقًا تجسّد قدرتهم على اتخاذ خيارات لجهة التعبير والاجتماع والاعتقاد، وتضمن لهم حق التملّك والتعاملات الاقتصادية، وحق الاشتراك في الحياة السياسية. وفي السياق نفسه، يدافع أستاذ القانون والتاريخ بجامعة ييل الأميركية، صامويل موين، في كتابه "الليبرالية ضد نفسها: مفكرو الحرب الباردة وصناعة الزمن المعاصر" (ترجمة: تيسير أبو عودة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2025)، عن مُثُل الليبرالية في المساواة والتحرر، معتبرًا أن الليبرالية شهدت لحظات شديدة التطرّف على يد نخبة من المفكرين اليهود خلال حقبة الحرب الباردة، وأنهم خانوا سؤال الليبرالية الكلاسيكي المتعلّق بالعقد الاجتماعي والتنوير، الذي نُسِجَت منه روح الليبرالية منذ الثورة الفرنسية، مرورًا بالثورة الأميركية، وصولًا إلى الحرب الباردة.

يسعى موين إلى إماطة اللثام عن الطريقة التي من خلالها أعاد ليبراليو الحرب الباردة تصوّر عقيدة الفكر السياسي، ويوجّه سهام نقده إلى أطروحات وأفكار بعض روّاد المفكرين في المجال الأنغلو-أميركي لليبرالية الحرب الباردة خلال الثلاثينيات والخمسينيات من القرن العشرين، من أمثال إشعيا بيرلين، وكارل بوبر، ويعقوب تالمون، الذين يعتبرهم أيقونات لليبرالية الحرب الباردة، إضافة إلى من هم أقل تأثيرًا مثل جوديت شكلار، وجيرترود هيملفارب. كما يضيف إلى ذلك من يعتبرهم حكماء الحرب الباردة مثل ريمون آرون في فرنسا، وراينهولد نايبور، وريتشارد هوفستادر، وأرثر شليزنغر الابن في الولايات المتحدة. ويمتد نقده إلى حنة أرندت، وهربرت باترفيلد، وفريدريك هايك، وسواهم من الذين غيّروا السياق المفاهيمي والفلسفي لليبرالية بصورة جذرية، وتركوا في الوقت نفسه إرثًا تراجيديًا وكارثيًا في العالم المعاصر، وذلك عندما انقلبوا على مُثُل الليبرالية الأخلاقية، وتخلّوا عن الجوهر الأخلاقي لعصر التنوير، ووعوده المقدّسة، بما فيها دولة الرفاه الاجتماعي، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الأفراد، والديمقراطية الاشتراكية، والحرية، والعقد الاجتماعي، من أجل فلسفة أكثر خطورة، همّها الحفاظ على الحرية الفردية بأي ثمن. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في الليبرالية لتكون أكثر شمولية وعدالة، من أجل إنقاذ آخر مُثُل الليبرالية المساواتية والتحررية، وإصلاح أضرار الحرب الباردة، وضمان بقاء الليبرالية. وبالتالي، لن يتمكن الليبراليون من إحياء الوعود الأساسية لفلسفتهم إلا من خلال إعادة الالتزام بمبادئها الأساسية.

يجري التركيز على رصد تحولات معنى الليبرالية عبر فترة الحرب الباردة، من خلال تصوير كيفية تفسير مصادر الليبرالية وماضيها، حيث أعاد المفكرون الليبراليون تعريف أيديولوجيتهم، التي تعود جذورها إلى عصر التنوير والثورة الفرنسية، وأعادوا ذلك التعريف بشكل أسوأ. وركّزوا بشكل مفرط على الحرية الفردية، مما أدى إلى تجاهل المسؤولية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية. وكان الشغل الشاغل لليبرالية الحرب الباردة هو ضمان استمرار الحكومات الليبرالية، وإدارة التهديدات التي قد تعطلها، من دون التركيز على تحقيق مبادئها الأساسية. وارتكبوا أخطاء كثيرة بتحالفهم مع النظام "الشيوعي الاستبدادي" في الحرب ضد النازية، ثم وقوفهم مع الأنظمة غير الديمقراطية في مواجهة الخطر الشيوعي آنذاك. وأدى الاهتمام بالتحرر من الاستبداد والدفاع عن النفس ضد الأعداء، خلال الحرب الباردة، ليس فقط إلى فقدان الحرية ذاتها التي كان من المفترض أن يهتم بها الليبراليون داخل بلدانهم، بل إلى ارتكابهم أعمال عنف و"إرهاب" في الخارج، حيث دعموا المستبدين، ولم يهتموا بمعالجة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمعات الليبرالية، بل ذهبوا إلى الحرب باسم محاربة الشيوعية، وقد قُتل ملايين البشر في صراع عالمي وحشي، كثير منهم على يد الولايات المتحدة ووكلائها الذين قاتلوا باسم "الحرية".

  يوجّه صامويل موين سهام نقده إلى أطروحات وأفكار بعض روّاد المفكرين في المجال الأنغلو-أميركي لليبرالية الحرب الباردة خلال الثلاثينيات والخمسينيات من القرن العشرين


ترى جوديت شكلار، عالمة السياسة والأستاذة بجامعة هارفارد، في كتابها "ما بعد اليوتوبيا"، أن الليبراليين تخلّوا عن مشروع التنوير لأنه بدا أكثر إقناعًا في الدفاع عن السلطة الحكومية والالتزام بالحرية الفردية، بروح اتسمت بالنزعة القدرية، التي وُلدت من رحم الكراهية لراديكالية اليعاقبة. وأضحت الليبرالية محور تعبير آخر عن القدرية الاجتماعية، وليس جوابًا عليها. وبالنسبة إلى أولئك الذين يفتقرون إلى المحفزات الذاتية والجمالية للنزعة الرومنطيقية، أو يجدون أمر قبول المسيحية في نسختها الرسمية أكثر صعوبة، فإن الليبرالية المحافظة تقود إلى فقدان الأمل في صورته العلمانية والاجتماعية، وبالتالي فإن أفول مشروع التنوير من خلال الليبرالية يتطلب بعض الرؤى النقدية.

يأخذ موين على شكلار أنها ذهبت بمثالها الجوهري لقدرية الحرب الباردة إلى أقصى الحدود خلال مدرسة الليبرالية الجديدة، التي شقّت طريقها حديثًا، وكان شجبها المطلق لها مكتملًا ومثيرًا للاهتمام، لكن ليس المقصود أن القدرية الليبرالية خلال الحرب الباردة كانت مفتونة جدًا باقتصاديات السوق، لكنها كانت محافظة للغاية في سياساتها. لقد قلبت مشروع التنوير التاريخي رأسًا على عقب، وقطعت علاقته بأصوله التنويرية بصورة مؤكدة. واجترحت شكلار مفهوم "ليبرالية الخوف"، التي تنحصر وظيفتها في حماية الأفراد من القسوة والاضطهاد، لكن هذا المفهوم، رغم نبالته، أفرغ الليبرالية من أي محتوى إيجابي أو هدف أسمى، لأن "ليبرالية الخوف" تكرّس نفسها من أجل حماية نفسها، وهذا من شأنه أن ينطوي على مخاطر على الليبرالية نفسها، حيث إن أي شخص يرهن نفسه للخوف سيكون قابلًا لتضخيم تهديدات الأعداء والتصرف ضدها بشكل مبالغ فيه.

انتقد موين تفريق إشعيا بيرلين الشهير بين "الحرية السلبية" و"الحرية الإيجابية"، كونه يجعل الليبرالية تبدو وكأنها مجرد أداة لحماية الخصوصية الفردية، ويتجاهل دور الدولة في خلق الظروف التي تجعل الحرية ممكنة فعليًا. واتهمه بتبنّي إحدى سمات القدح والتشهير لدى ليبراليي الحرب الباردة ضد جان جاك روسو، الذي وصفه كأحد أشرس وأعتى أعداء الحرية في التاريخ الحديث برمته، وتأثر به اليعاقبة، ثم زرع بذور الديكتاتورية في القرن العشرين، بدءًا من روبسبير، وحتى بابوف، وصولًا إلى ماركس وسوريل ولينين وموسوليني وهتلر وأتباعهم. كما لم يدّخر بيرلين جهدًا في كيل تهم الجنون المرضية لروسو، حيث وصفه بالمتخلّف عقليًا، والمجنون، والمهووس. وقد ذهب برتراند راسل في كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية"، الذي صدر عام 1945، إلى أن هتلر كان صنيعة روسو. أما كارل بوبر فقد اختزل، في كتابه "المجتمع المفتوح وأعداؤه"، تاريخ الفلسفة من أفلاطون إلى ماركس في كونه مجرد تمهيد للاستبداد، الأمر الذي خلق حالة من "الرهاب" تجاه أي مشروع سياسي طموح. ودشّن بوبر نقدًا واسع النطاق للتاريخانية، انطلاقًا من نزعته المناهضة للفكر الهيغلي، وطالب بالتخلي عنها.

على الرغم من أن موين يُقِرّ بأن حنة أرندت ليست من ليبراليي الحرب الباردة، فإنه يعتبر أن محاولتها تأسيس رؤية جديدة حول الحرية أثبتت أنها كانت رهينة للعديد من أطروحات ليبرالية الحرب الباردة، حيث ساهمت بشكل غير مباشر في تشكيل "الليبرالية الدفاعية" التي ينتقدها، وبصورة تجاوزت مساهماتها لمفهوم النزعة الشمولية والاستبدادية. ويعتبر أن أرندت ساهمت في تعزيز السردية التي تربط بين طموحات التنوير الكبرى وبين الإرهاب والأنظمة التوتاليتارية. وبناءً على نقدها للثورة الفرنسية، مقارنة بالثورة الأميركية، أضحى العديد من الليبراليين يخشون التغيير الراديكالي أو المشاريع السياسية الساعية إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، خوفًا من أن تنتهي هذه المشاريع إلى "مقصلة" جديدة أو نظام استبدادي.

وعلى الرغم من أن فكر أرندت كونيّ في ظاهره، فإنه بقي مرتبطًا جدًا بالمركزية الأوروبية. وعكس موقفها المعقّد من الصهيونية ومن قضايا الاستعمار نوعًا من الليبرالية التي لا تستوعب تطلعات الشعوب المستعمَرة في التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، لأنها كانت مشغولة جدًا بصدمة التوتاليتارية الأوروبية، وكانت جزءًا من الجيل الذي "روّعته" أهوال الحرب العالمية الثانية، فقام بصياغة فكر سياسي يقدّس الاستقرار والحذر من التغيير الاجتماعي، وهو ما أفضى إلى إفراغ الليبرالية من طاقتها التقدمية، وتحويلها إلى أداة للمحافظة على الوضع القائم. وقد وضعتها نزعتها الأوروبية المركزية والعرقية على مقربة من افتراضات هيغل عن ماهية اللاعب المؤهّل في تاريخ عالم الحرية. وكانت تميّز بين التفكير العرقي والعنصرية، لذلك استنكر مفكرون نظرتها إلى الأفارقة، حيث تميل إلى تبنّي التعريف السائد عن السود بوصفهم متوحشين بدائيين، يعيشون وفقًا لمبدأ الطبيعة، أكثر من قدرتهم على المساهمة في خلق العالم البشري والواقع الإنساني. كما كان لديها نوع من "النخبوية العميقة" التي تشكّك في قدرة الجماهير على الفعل العقلاني عندما تحرّكهم المطالب المادية. والتقى هذا التشكيك مع مخاوف ليبراليي الحرب الباردة من "طغيان الأغلبية"، الأمر الذي أفضى إلى انغلاق الليبرالية على نفسها وخوفها من الشارع.

الحاصل هو أن الكتاب يقدّم تحليلًا نقديًا لأطروحات العديد من المفكرين الليبراليين خلال فترة الحرب الباردة، وتكمن أهميته في تناوله تطوّر الليبرالية وتأثيراتها على المجتمع الحديث، مما يساعد على فهم تناقضاتها وتحدياتها، وكذلك على فهم الكيفية التي تحوّلت فيها الليبرالية من فلسفة تحررية إلى قوة محافظة، وكيفية تحوّلها من مشروع "تفاؤلي وتنويري" يسعى لتحقيق الرفاهية والتحرر، إلى مشروع "دفاعي وخائف" خلال فترة الحرب الباردة، وشكّل ذلك السبب الرئيسي في الأزمات التي تواجهها الليبرالية في الزمن المعاصر.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.