يمثّل كتاب "استعادات مقلقة- يوميات غزة: مائة كاتب وفنان يكتبون عن الحرب"، الذي ألفه وحرّره الأديب والروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، والصادر حديثًا عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، بجزأيه وبصفحاته التي قاربت الستمائة صفحة وبما احتشد به من حيوات لاهبة، مستعرة، مرآة صادقة للروح الفلسطينية في أجلى صور عنفوانها، على الرغم من الرماد الذي يجلّل المشهد. ويكفي لإثبات القول بهذا العنفوان أن كتابًا بهذا الحجم قد أُنجز في ظل حرب التمزيق والإبادة التي عرفتها غزة، وبكل ظروفها وتفاصيلها. ومما يستوجب الإشارة هنا وله وثيق الصلة بما تقدم، أن اليوميات والشهادات المتضمنة قد نجحت في وضع قارئها في صميم الأجواء والأوضاع التي كابدها كتابها وبرعوا في نقلها وتصويرها، خاصةً بما يتصل بما هو نفسي وشعوري وبدقائق وتفاصيل لا يمكن التوصل إليها أو حتى تخيّلها بدون الاطلاع على نصوص هذه اليوميات والشهادات، بمختلف المعالجات والمقاربات لموضوعاتها. من هنا فإنها، أي النصوص، حققت واحدة من أهم مزاياها المتمثلة بتفوق الكلمة على الصورة، داحضةً المقولة الشائعة، العائمة أن الصورة تعادل ألف كلمة؛ إذ ليس سوى هذه النصوص وبالكيفية التي أتت عليها ـ والحديث هنا عن الغالبية العظمى منها ـ يمكن لها ترك مثل هذه الانطباعات والآثار الساخنة لدى القارئ. ومصداقًا لذلك يقول عثمان حسين (شاعر): "الكتابة توثّق ما لم تستطع الصورة رصده، كالخوف والقلق والألم والأحلام والكوابيس والخذلان وغيرها من المشاعر والأحاسيس". وهو ما يتفق وقول علاء الغول (شاعر): "هناك أشياء شعورية ونفسية لا تصلها الكاميرا، ولا تبلغها مهارة المخرج".
لا شك في أنّ كتابًا كهذا يأتي ضمن روح المقاومة التي عُرف بها الفلسطيني في ملمحه الثقافي، الملمح الحيوي والفاعل الذي يشاطر هويته الوجودية ككل.
وفي هذا الصدد يتحدث مؤلف ومحرر الكتاب، عاطف أبو سيف، في مقدمة الكتاب، عن المعاناة عند جمع النصوص والفترة الطويلة التي استغرقها ذلك والظروف الاستثنائية الصعبة التي تم خلالها التواصل مع المساهمين من كتّاب وفنانين في كل غزة من شمالها إلى جنوبها، وعن التحدث مع الكثير منهم في الخيام ومراكز الإيواء، سواء باللقاء المباشر أو من خلال الهاتف أو الإيميل. يقول عن ذلك: "كان الاتصال في مراحل مختلفة صعبًا وعزيزًا، وفي مرات كان عليّ السير لمسافات طويلة، خاصة في مناطق جنوب الوادي حتى ألتقي ببعضهم، ونتحدث ونتناقش في فكرة الكتابة واليوميات...".
تعدّد الأجيال وتَجاورها
من مزايا الكتاب الكثيرة أنّ الأجيال تتعدّد وتتجاور فيه (وتتداخل خبرات اللجوء والنزوح)، كما تشير المقدمة. ولذا لم تكن مرويات نكبة 1948 مقتصرة على ما تمّ تناقله عبر الأبناء والأحفاد من الكتّاب المساهمين، بل أيضًا عبر حضور من شهدَ هذه النكبة، حتى لو كانت ولادته قبل وقوعها بقليل، كما هي الحال مع توفيق أبو شومر (1947 ـ روائي)، والذي هُجرت قريته "بيت طيما"، شمال شرق غزة، على يد العصابات الصهيونية، كما تذكر سطور سيرته لتنتهي به الحال، لاجئًا، في مخيم رفح. عن ذلك يقول في شهادته "في وداع شقتي ورسالة لبابا نويل": "لم أكن أعلم أن اغتيال شقتي وشقة ابني وابنتي سيعيد إليّ ذكرى مهدي الأول المغصوب من المحتلين الإسرائيليين، نعم أصبحت اليوم أكثر قربًا من مهد ولادتي الأول". أبو شومر يختصر معنى البيت أو الوطن في كوب القهوة الذي اعتاد صحبته واقترن لديه بكتابة مقالاته وخطط كتبه؛ فقد شهد هذا الكوب ولادة أربعة منها، لتنتهي به الحال كِسَرًا وشظايا وسط ركام البيت الذي تعرض للقصف. أديب آخر يشاطر أبو شومر سنة الميلاد، هو فايق أبو شاويش (شاعر) المولود في قرية برقة، التي تم تهجير أهلها وتدميرها، ليعيش بعدها طفولته في مخيم النصيرات. يبرع أبو شاويش في استثمار الطاقة الشعرية للغة والاستعانة بتقنية شيء من العبث واللامعقول، في نصه "لحن الحياة"، مضمرًا بذلك أو معلنًا صيحة احتجاج على غرائبية الواقع الذي يشهده واللحظة، بل الزمن الفلسطيني بأسره، منذ النكبة. يقول: "الليل قاذفات قنابل، يُلغي من التاريخ الزمان والمكان". وأيضًا: "هل تعلم أن كلب جارتنا يرتجف من شدة النباح على الطائرات؟ يا للحسرة... أفسدَ اللحظة شيخ تجاوز الستين كان التعب باديًا على وجهه البشوش يسألنا كيف الذهاب إلى رفح، احمرت عيناه من شدة الصلاة، وقبل أن أُجيب أقسمَ بالله أنه ترك أحد أبنائه ميتًا في الشمال، غطاه على سريره، وأقفل باب الشقة خلفه. قلنا مات؟ قال نعم لكنه ما زال حيًا. هكذا اختلف الرواة".
| |
| يتحدث معدّ ومحرر الكتاب عاطف أبو سيف في مقدمة الكتاب عن المعاناة عند جمع النصوص والفترة الطويلة التي استغرقها ذلك |
وثمة مَن ولِد بعد النكبة الأولى بقليل، وصولًا إلى مشارف الألفية وما بعدها، في امتداد جيلي إبداعي غزير، متنوع. تتحدث بيسان نتيل (1996 ـ شاعرة) في شهادتها "لا نملك سوى البارحة" عن جدتها التي عاشت النكبة، واختزان ذاكرتها لصوت البراميل الثقيلة التي كانت تُلقى فوق رؤوسهم، متسائلةً كيف غدت جدتها بنت العاشرة والتي خرجت من المجدل مشيًا على الأقدام، من فتاة تلعب مع أختها في الحارة إلى لاجئة في الخيام في حي الشجاعية؟! أقرأ هذا السؤال وأقول ما أصعب الأسئلة التي تبدو سهلة للوهلة الأولى، وهي في الحقيقة لا جواب لها! سؤال يبدو أنه سيتكرر في كلّ آن، بتكرار بواعثه. وفي هذا المعنى المحوري من سيرة الفلسطيني يصبّ إهداء عاطف أبو سيف للكتاب: "إلى حماتي وداد زقوت (التي) أخذتها الحرب في الخيمة خارج بيتها في مخيم جباليا، كما أخرجتها النكبة من بيتها في المجدل". هذا الإخراج القسري هو القاسم المشترك بين كل الكاتبات والكتّاب، حيث الجميع يتحدّر من عوائل مهجرة احتضنتها مخيمات غزة، وقد أضحت مألوفة بأسمائها للعالم أجمع، كالنصيرات وجباليا والبريج وخان يونس وسواها. لذا كان هاجس العودة إلى البيت، حتى لو كان ركامًا، والخوف من تكرار تجربة النكبة في التشريد والإقصاء مسيطرًا على الجميع. وفي مبادرة ذات خبرة وبدت من صميم مهام الكتاب، تمّ توثيق أسماء المدن والبلدات والقرى جميعها التي نزحت منها عوائل هؤلاء الكتّاب واستقرت في غزة، ضمن سطور السيرة لكل واحد منهم.
السمة الإبداعية للنصوص
لا يمكن النظر إلى نصوص الشهادات واليوميات بتنوعها وغناها، وبما تضمنته من حكايات وتأملات، إلّا كإبداع أدبي. فهي ترتفع فوق أن تكون مجرد تأريخ وتوثيق لمشاهدات واستدعاء لذكريات أو تسجيل لمشاعر كتابها، فعلى أهمية مثل هذا الهدف في حالة كحالة غزة وما تعرضت له، إلّا أنها لم تُغفل الفن، فكان لدى كتابها همّ ومسعى، وهو ما يجعل من النصوص المعنية ذات قيمة رفيعة وأكبر من ذاتها، فضلًا عما لعبه كتابها وكاتباتها من دور كشهود على المجزرة، فبدا محتواها امتدادًا لجرح وسيع، مديد لا يمكن الشفاء منه، وكأن ذلك اليوم الذي شهد بداية أعتى فصل من فصول المأساة الفلسطينية أخذ يتمدد على الزمن كله، فلا تُعرف له أو لآثاره نهاية، أو كما جاء في "موت بلا ذنب" لـ محمد عبد الرحمن (1999 ـ كاتب ومصمم غرافيك): "لم أكن أعلم أن صباح السابع من أكتوبر (تشرين الأول) سيكون بمثابة سنة ضوئية. كان صباحًا مختلفًا، لم يستطع أن يُشبِع فينا وهمًا. لم تشرق شمس الثامن من أكتوبر حتى الآن (...) أما عن الحقيقة المؤسفة بعد كل هذا، فلا يمكن أن نُشفى بتاتًا". في هذا الكتاب يغدو الكاتب هو الشاهد والمشهد والشهيد، يقول في هذا المعنى عثمان حسين (1963 ـ شاعر): "الكتابة هذه الأيام سباحة في دماء المذبوحين من الوريد إلى الوريد...". قول كهذا لم يأت على سبيل المجاز بل هو ما كان على أرض الواقع، وبالعودة إلى إحصاءات السنة الأولى من الحرب، على اعتبار أن كل النصوص كما تشير المقدمة قد كُتبت خلال سنة الحرب الأولى (أي منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى أيلول/ سبتمبر 2024)، فقد بلغ عدد القتلى أكثر من واحد وأربعين ألف والجرحى أكثر من ستة آلاف، ولم يكن الكتّاب أنفسهم أو عائلاتهم، بطبيعة الحال، بمنأى عن هذه المقتلة، فقد وشّحت شارة الحداد صفحات ستة منهم، هم: أحمد الكحلوت، بلال عقل، رفعت العرعير، نور الدين حجاج، هبة أبو ندى، هبة محمد المدهون.
وكانت المصورة والكاتبة فاطمة حسونة (2000) هي آخر من التحق بقافلة الشهداء من الكتاب والفنانين المذكورين، فقد ذهبت ضحية القصف الإسرائيلي هي وعشرة من أفراد أسرتها في 16 نيسان/ أبريل 2025. وكان استشهادها بعد صدور الكتاب. ورغم أن التعريف الرئيس لها في سيرتها كمصورة، إلا أنّ موهبتها في الكتابة بدت متميزة ولافتة، حتى الموضوع الذي اختارت الكتابة فيه وهو الاستحمام، أضفت عليه طابعًا سحريًا، على بساطته وعاديته، في الظاهر. هذا هو معنى أن يكون الكاتب مميزًا ومؤثرًا وذا نكهة خاصة محببة. عدا عن ذلك فقد امتاز نصها بحس استشرافي طاغٍ بموتها. فكانت كمن ينعى نفسه، وهو ما كان حقًا، ويبدو أنها كانت مستهدَفة، لدورها في نشر وتوثيق حرب الإبادة على غزة، وذروة هذا الدور كانت مشاركتها في الفيلم الوثائقي الذي أعدته المخرجة الإيرانية سبيدة فارسي "ضع روحك على كفك وامش" من خلال محادثات مباشرة بكاميرا التلفون بينهما، وقد حقق الفيلم صدى عالميًا، بموت/ اغتيال بطلته بعد 24 ساعة فقط من اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان كان. وكلنا نتذكر تحية الممثلة جولييت بينوش، رئيسة لجنة تحكيم المهرجان، لفاطمة وكلمتها عنها في افتتاح المهرجان في دورته الأخيرة.
فاطمة حسونة المتعددة المواهب، التي كانت تنشد موتًا صاخبًا، وفقًا لعنوان نصها "أريد لموتي أن يكون صاخبًا" قد تحقق لها ذلك عبر إعلان غيابها الصادم في واحد من أكبر التجمعات الفنية والثقافية في العالم. ومما جاء في نصها، والذي يُقرأ بمثابة بيان: "أريد لموتي أن يكون صاخبًا، ولن يكفيني أن يعرف به الأصدقاء فقط، لأنني لم أبذل حياتي لذلك، أريد لكل العالم أن يعرف أن موت الفلسطيني الآن يعني أن ثأرًا ممتدًا سيكبر ويحرق قاتله، وأخاه الساكت عن قتله، والسكين التي حزت رقبته، وأريد لكل العالم أن يعرف أن موتي يعني خسارة العالم نفسه أمامي، أمامنا، أمام نفسه، وأن ما قتلني لم يكن رصاصة ولا شظية، ولا حتى صاروخًا، ما يقتلني كل يوم هو عجزي عن كسر اليد التي تطاولت عليّ وعلى إخوتي...".
(يتبع- جزء ثان وأخير)


تحميل المقال التالي...