يمثّل كتاب "استعادات مقلقة- يوميات غزة: مائة كاتب وفنان يكتبون عن الحرب"، الذي ألفه وحرّره الأديب والروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، والصادر حديثًا عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، بجزأيه وبصفحاته التي قاربت الستمائة صفحة وبما احتشد به من حيوات لاهبة، مستعرة، مرآة صادقة للروح الفلسطينية في أجلى صور عنفوانها، على الرغم من الرماد الذي يجلّل المشهد.
هنا القسم الثاني والأخير من قراءتنا لهذا الكتاب:
سرد ذو حدّين
إذا كانت الكتابة كما يُنظر إليها، في كثير من الأحيان، فعل نجاة فإنها في هذا الكتاب الأنطولوجي تكون النجاة مهمة دائمة. تقول المقدمة للمؤلف والمحرّر عاطف أبو سيف: "كل هذه النصوص خرجت من رحم الألم والوجع والانتظار تحت القصف والدمار، وكانت جزءًا من بحث أصحابها عن النجاة عبر الكتابة". لكنها بالمقابل تتحول هنا إلى أداة قتل بيد العدو، في ارتداد على صاحبها ذاته، حين يعدها هذا العدو تهديدًا وجوديًا له يدحض ويفضح سرديته القائمة على التزييف والتحريف وسرقة التاريخ. وإذا كانت شهرزاد رمزًا لتأجيل الموت بالحكي، وإبطاله، فإنّ المعادلة تنقلب مع السارد الفلسطيني، فيكون سرده مَجلبة لموته. يمكن هنا اعتبار مقتل فاطمة حسونة في اليوم التالي لترشيح فيلمها لمهرجان كان، كما مرّ بنا، مثالًا على شهرزاد الفلسطينية التي استجلب كلامُها الموت. كما يحضر مثال آخر بقوة هو الشاعر والكاتب والأكاديمي رفعت العرعير (1979) الذي دأب على فضح ممارسات الاحتلال من خلال مقالاته التي يكتبها بالإنكليزية والتي نشر بعضها في نيويورك تايمز، وفي هذا الاتجاه (شارك رفعت في إطلاق مؤسسة "نحن لسنا أرقامًا" التي تعنى بتدريب الشابات والشبان على كتابة الرواية الفلسطينية باللغة الإنكليزية من أجل تعزيز حضور السردية الفلسطينية بهذه اللغة) ـ المقدمة.
في نص شهادته "قصف بنايتنا" المكتوب بالإنكليزية، بالأصل، يُثبت رفعت بطلان ادعاءات العدو في أكثر من شأن، مثال ذلك ادعاء توجيه تحذيرات إلى السكان قبل القصف، فيقول: "... وفق تقديرات معينة فإنّ إسرائيل لم تصدر تحذيرات مبكرة في قرابة التسعين بالمائة من عمليات قصف البيوت التي نفذتها في الحرب. وهذا يكشف العدد المهول للناس الذين قتلوا ويكشف عدد العائلات التي تم مسحها من السجل المدني بشكل كامل. وعليه وبشكل مباشر فإن تعليمات الجيش للناس بالمغادرة ليست إلّا حيل دعائية. فحين يغادر الفلسطينيون بيوتهم يذهب الكثيرون للمدارس التابعة لوكالة الغوث (الأونروا)، ولكن هذه المدارس تم استهدافها عدة مرات...". وبخصوص محاولات استهدافه يقول رفعت: "لم نعرف لماذا تم استهداف بنايتنا. أصرّت حماتي على أن السبب هو ما أقوم به من الحديث في الإعلام (...) أمي أيضًا عبرت عن نفس الموقف، حين قالت لا تكتب "أشياء" على الإنترنت يا بني، أنت تعرف ماذا أقصد، كما أوضحَتْ". وهذه هي الحقيقة، فقد أُغتيل رفعت العرعير بعد شهرين من بدء الحرب بسبب كتاباته وبسبب حراكه وتأثيره، ولنتذكر هنا أنه كان شديد الحرص على مخاطبة الرأي العام العالمي، ما وجدَ إلى ذلك سبيلًا. ولم يكتف العدو بقتله، فبعد قرابة أربعة أشهر من ذلك تكررت الجريمة باغتيال ابنته "شيماء" في قصف لطائرات الاحتلال، وكانت برفقة زوجها وطفلها في حي الرمال في مدينة غزة، كما يذكر أبو سيف في تقديمه لنص الشهيد العرعير.
أنطولوجيا متعددة المهام
من الصعب اختزال ثراء هذا الكتاب الأنطولوجي بطابعه متعدّد المهام وبفضائله ومزاياه الكثيرة، في عرض محدود الكلمات مهما استطال، لما يستثيره من إعجاب، بدءًا بفكرته وما نجم عنها من تقديم لهذا الطيف الواسع من كتاب وشعراء وفنانين موهوبين، متميزين، مكرَّسين وصاعدين، شمل كلا الجنسين من المُستكتَبين والمختارين، وبالتساوي، في دلالة تعني الكثير (24 كاتبة و 26 كاتبًا) فمن صلب هذه المزايا والفضائل المذكورة، تعريف القارئ العربي بكل هؤلاء، خاصة أولئك الذين لم يتجاوزوا الحدود الوطنية في شهرتهم، على الرغم من أهميتهم. وصولًا إلى تنظيم الببليوغرافيا الشاملة للمساهمين، التي تعطي لمحة محسوبة عن كل مساهم. من خلالها نتعرف أيضًا على كم ونوع الجمعيات والمنتديات والاتحادات والورشات الأدبية والفنية والمؤسسات الثقافية، عمومًا وكل ما له صلة بالإبداعي أو الإعلامي، في قطاع غزة، حتى ليدهش المرء، ممن ليس لديه فكرة عن غزة الثقافية، من حفول القطاع بكل هذا الحراك الثقافي المنظّم والمبوّب والدؤوب والمجتهد، والذي يشكل بالضرورة جزءًا حيويًا وعميقًا من الهوية الفلسطينية عامةً. فلكل ذلك أحرزت هذه الأنطولوجيا الذكية أهميتها الأدبية ـ التأريخية وهدفيتها في تعزيز السردية الفلسطينية وإدامتها في وجه السردية المقابلة بما تعمل عليه الأخيرة من تزييف وتحريف ومحاولات محو واجتثاث الوجود الفلسطيني على كل الصعد، لذا فالكتاب بالمحصلة هو كتاب هوياتي بامتياز. وكم من النصوص والفقرات التي تستجلب الانتباه وتستدعي التوقف لديها وكم من الأسماء التي تستوجب الإشارة، عدا من تم ذكره، للأهمية الفنية لنصوصها وتميزها أو لمحتوى هذه النصوص في ذاته، أو للحالة الاستثنائية للكاتب، كما هو الأمر مع:
(*) أحمد الكحلوت (1995 ـ كاتب/ شهيد): هو واحد من الذين ظهروا على الشاشات في بداية الحرب، عراة ومكبلي الأيدي، بعد أن تم احتجازهم من قبل جنود الاحتلال، وهو ما بيّنه الكاتب في "قلب مليء بالوجع". مما جاء في يومياته: "أنا بخير.../ رضوض في المشاعر/ وكسر في الخاطر/ وبعض خدوش في الذاكرة". قُتل أحمد الكحلوت على يد الجيش الإسرائيلي في الخامس من شباط/ فبراير 2024.
(*) بلال عقل (1998 ـ كاتب/ شهيد): الذي روى طرفًا من المأساة أصبح بدوره مرويًا، يقول في يومية له: "إذا وصلكم خبر استشهادي، فلا تأتوا لوداعي إلّا إذا كنت جسدًا كاملًا كما عرفتموني، أو وجهًا باسمًا يمكن أن يُقبّل، أو يدًا دافئة يمكن أن تُحتضَن، لا أريد لجسدي أن يكون شيئًا آخر في ذاكرتكم، أريد لتراب هذه البلاد أن يحتضنني في الأرض، كُلّي".
| نور الدين حجاج- هبة أبو الندى |
(*) نور الدين حجاج (1996 ـ روائي/ شهيد): هو كاتب واعد وموهبة لافتة، وفقًا لتقديم محرر الكتاب. مما كتبه في يومياته: أنا نور الدين عدنان حجّاج، كاتب فلسطيني، وعمري سبعة وعشرون عامًا ولي أحلام كثيرة. أنا لستُ رقمًا وأرفض أن يكون خبر موتي عابرًا، دون أن تقولوا أني أحب الحياة، السعادة، الحرية، ضحكات الأطفال، البحر، القهوة، الكتابة، فيروز، وكل ما هو مُبهج... قبل أن يختفي كل هذا بلحظة واحدة".
(*) تقول هبة أبو ندى (1991 ـ روائية/ شهيدة): "كلما اعوجّ مسار العالم تصحّحه غزة". ويتضح من هذه الجملة حماسها لعملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهو ما أكدته نصوصها المختارة. كتبت، في اليوم الأول للحرب: "أحدهم أراد أن يمشي في شوارع بلدته المحتلة... لماذا الجميع دُهش هكذا! ونحن أيضًا: يرونه بعيدًا ونراه قريبًا". يكتب عاطف أبو سيف المحرر في تقديمه لنصوص الراحلة: "لم تُمهل الحرب هبة أبو ندى أكثر من أسبوعين قبل أن تغتالها وهي التي عبرت خلال كتاباتها اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي منذ فجر السابع من أكتوبر عن شعورها بالموت وبقربه". مع الوقت يستشعر قارئ يومياتها بيأس الكاتبة، كون هذه الحرب لا تشبه ما عاشته من قبل. تقول: "هذه المرة لا يوجد نمط معين، كل شيء تحت القصف، كل الحروب السابقة تنعصر في هذه الحرب، غزة من شمالها لجنوبها تحت النار بشكل عشوائي وفاجع، حالة من الذبح الجماعي والاغتيال العبثي لكل شي...".
(*) كانت آخر جملة كتبتها هبة محمد المدهون (1980 ـ كاتبة/ شهيدة): "تذكروا، انقلوا عنا للأجيال القادمة القصة الحقيقية، وظلوا ادعوا لنا"!
جدير بالانتشار والترجمة
إلى ما تقدم من تنويه بأسماء ونصوص أو فقرات تبقى الحاجة قائمة إلى الإشارة إلى المزيد منها واستحضارها لدواع إبداعية وفنية أو مضمونية مميزة، مثال ذلك:
(*) يتساءل أحمد عاشور: "كيف يمر الوقت؟ كيف يُحسب؟ هل بالدقائق أو بقطرات الدم؟". وأسماء أبو منسي التي ترقى كتابتها في بعض المقاطع إلى التأمل الفلسفي. وهل يمكن إغفال كاتب مثل أكرم الصوراني، بلونه الكتابي الساخر المميز. يكتب أكرم: "كان يحرص الغزّي على تنفيس شبابيك منزله حتى لا تتكسر أحلامه أمامه، لكن لن يضطر بعد الآن إلى تنفيس شيء؛ فلا شبابيك ولا منازل في المدينة، الخيمة سيدة غزة الأولى".
ونعثر في نص آلاء القطراوي، الأم الجريحة التي فقدت أطفالها الأربعة في مقتلة غزة، على جسد امرأة مسجى في الشارع وهي تمسك بيدها ملعقة وصحنًا فارغًا، وقريب منها دبابة إسرائيلية. وبما أنها مجهولة الهوية كُتب على شاهدة قبرها "امرأة فلسطينية بعباءة سمراء تحمل صحنًا فارغًا وملعقة أمام دبابة إسرائيلية في شارع الرشيد".
وأيضًا هناك أمينة مسعود، وإيمان الناطور، وبسمة الهور التي تكتب عن الضرر النفسي لمتابعة أخبار الحرب. وأيضًا حيدر الغزالي، رغدة حمد، رهام السبع، ريما محمود، سائد حامد أبو عيطة، محمد سعيد الكحلوت، الذي يذكّر بشكلٍ ما بخزان غسان كنفاني، عبر سؤاله "هل سمعت صراخي عزيزي القارئ الشقيق؟". وأيضًا سلمان أسامة أحمد، بنصه المختلف الذي يبعث حزنًا مختلفًا.
كذلك هناك شجاع الصفدي، طلال أبو ركبة، طلعت قديح، عاطف أبو سيف، وقد تحدث عن اغتيال الجيش الإسرائيلي للصحافي والمصور بلال جاد الله، وفي تفصيل آخر لافت يقول: "ينام ناس كثيرون بكامل ثيابهم لخشيتهم من أن يضطروا إلى الخروج فجأة من البيت، أو حتى يكون لبسها كاملًا لحظة الموت. أما النساء فيضعن لباس الصلاة بجوارهن، حتى يتمكن من لبسه بسرعة وقت المصيبة". ويكتب عبد الله شرشرة: "غزة مجرد مدينة على البحر بين صحراء كبيرة تمتد من سيناء إلى النقب، لذلك هي مدينة صحراوية في حقيقة الأمر". ويقول أيضًا: "ثوب الصلاة" هو الزي الرسمي للنساء حاليًا.
وهناك عبد الله تايه، عز الدين شلح، عزة الشيخ أحمد، علا أبو حسب الله، وعلي أبو ياسين وحكايته مع الزنانة، يقول: "كيف المفر والزنانة فوق رأسك تصبّ أزيزها في أُذنيك صبًا. صوتها يتغلغل في كلّ كيانك يدفعك إلى الجنون... تخيل أن تظلّ تسمعه أيامًا وشهورًا متواصلة لا تنتهي مع فارق أن صوت الزنانة أعلى وأعلم، فالزنانة تستطيع تصويرك عاريًا أو كاسيًا، صحوًا أو نائمًا وأنت في الشارع أو أنت مستلقٍ على فراش غرفتك، وهي إن شاءت قتلتك هكذا من دون أن يرف لها جناح، فلديها صواريخها الخاصة".
وأيضًا عون الله أبو صفية، فائقة الصوص، فداء بركة، فداء الحسنات، كريم ستوم، الذي تستحق حكاية نومه في كفن أن يُفرد لها حيز خاص. والإشارة أيضًا تنبغي إلى كمال صبح، محمد أبو كويك، محمد جلال عيسى، محمد أبو عبيد، محمد العُكشية، محمد غنيم، مصطفى النبيه، مي تايه، نادية أبو جياب، ناصر رباح، نجوى شمعون، نعمة حسن، ونصها الجميل، الجريء الذي أبدت في قسم منه جنونًا محببًا! كذلك ثمّة نهيل مهنا وتبادلها الاعترافات البريئة مع ابنتها، وأيضًا هاني السالمي، يسرا الخطيب، يسري الغول، ويوسف القدرة الذي تحدث عن "جمعة" شبه المجنون، الوسيم الذي تعرض لصدمة لا يُعرف سببها فانتهى به الأمر إلى "حراثة" الشوارع. يشبّهه بنجوم السينما وقد صوّر معه الكثير من الفيديوهات على جواله، مفكرًا في مشروع فيلم عنه. لم يكتمل مشروع الشاعر وجمعة الذي انتهى جثة في شارع الأمل برصاص إسرائيلي، كأن بذلك تأكيد لانطفاء المكان بانطفاء شخصية كهذه.
وإذا ما بدا خلال هذه القراءة بعض الفرز والتفضيل في النظر إلى النصوص فإنّ ذلك ينطلق مما هو ذائقي ـ نقدي، وإلّا فإنّ النصوص جميعها جديرة بالإصغاء للناحية المضمونية المجرّدة، لما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية، فهي أشبه ما تكون بخزان غضب ودموع وتساؤل، خزان ذكريات وفقدان وخيبات وأحلام ورغبات موؤودة، بغضّ النظر عن نوع المعالجة لما تناولت من موضوعات أو تفاوتت المقدرة في ذلك بين كتّابها. يبقى القول أن كتابًا بهذه الأهمية والحضور الحي في تفاصيله وبما انطوى عليه من جهد كبير ومسؤولية جدير بالانتشار على الصعيدين العربي والعالمي وبالنسبة للأخير يكون ذلك، بطبيعة الحال، من خلال ترجمته إلى أهم لغات العالم الحيّة، في الأقل عبر مختارات منه.


تحميل المقال التالي...