}
عروض

"الليلة الأخيرة في غزة": بين الصمود واللجوء للأمان

عمر شبانة

27 فبراير 2026

عاشت غزة وتعيش مع أهلها أقسى مأساة إنسانيّة عاشها البشر على مدى قرون، فصارت "مالئة الدّنيا وشاغلة الناس"، ولو على مستوى التضامن، بالاحتجاج والتظاهر، الذي شهدته شوارع العالم من جانب، والتخاذل والتواطؤ من جانب مقابل. ولم يقتصر التضامن على ذلك، فخرجت كتابات كثيرة، فلسطينية وعربية ودولية. وفلسطينيًّا أسهمت الإبداعات الغزيّةُ في نقل المشهد إبداعيًّا، فكان للمبدعين من أهل غزّة، نصيبهم بأصدق الشهادات عن معايشاتهم ويوميّاتهم الطازجة الساخنة الخارجة من أرض "الجحيم" الأعظم.
في هذا الإطار، يُصدر الكاتب، الروائي والقاصّ والصحافيّ الفلسطينيّ، ابن غزة يسري الغول (مواليد غزة، فلسطين 15 آب/ أغسطس 1980) كتابه الجديد "الليلة الأخيرة في غزة: شهادات" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2026)... كأنّما يودّع غزّة بعد ما ذاق شتّى ألوان المرارات والعذابات، ومن أبرزها -ربّما- هدمُ بيته ونزوحه مع عائلته إلى مخيّم الشاطئ- اللامكان، كما يكتب الغول الذي انتقل مع عائلته مؤخّرًا إلى سويسرا، ويُهدي كتابه الجديد هذا (إلى بيير وماجدلينا وأوليفيا، وكل الأصدقاء الذين غمروني بفيض الحب في سويسرا).
يكتب الغول مواصلًا مشواره في الكتابة عن عذابات مدينته المنكوبة، وعن أهلها الذين تعرّضوا وما يزالون يتعرّضون لسياسات الإبادة والتجويع والتهجير القسريّ، التي تمارسها عليهم قوّات الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني، في ظلّ صمت وغطاء عالميّين مرعبَين. وباختصار فالكتاب يتضمن شهادات سردية وإنسانية... يجمع بين التوثيق الأدبيّ والتأريخ، وبين الشهادة و"المتخيّل الواقعيّ" إن جاز التعبير، فهو يكتب بحرارة وحرقة، ومن قلب المذبحة.
في كلمة بعنوان "على سبيل التقديم... الكاتب الذي في الشمال"، يكتب القاصّ الفلسطيني زياد خدّاش عن تجربة الغول من خلال عدد من إصداراته، ومنها كتابه هذا "في كتابه المخيف، الجميل ’الليلة الأخيرة في غزة’، يروي حكاياته مع الأصدقاء الشهداء، والبيوت المدمرة، والخوف في عيون الأطفال، والنساء المتعبات، ثم الركض المفزع تحت المسيّرات، ورحلة الطحين الليلية، الموت الأبيض، القفز تحت الصواريخ، العائلات المُبادة عن بكرة أبيها، الجثث المجهولة في الشوارع، الصراخ في المشافي، والدم في كل مكان، كما يسرد حكاية أسرته مع ألم تدمير البيت والحارة، وقصص الطحين والجوع، إنه سيرة وصف الموت ومحاولة النجاة منه، والوقوع في مصائده، ثم الخروج منه، وسيرة الصمود القاتل في الشمال".

صور من العذابات اليوميّة
يبدأ الكاتب يسري الغول فصول كتابه/ مأساته ومأساة غزة وأهلها بـ"ديباجة" يخاطب من خلالها قارئ كتابه هذا، بالقول "قبل أن تشرع في قراءة هذا الكتاب، تأمل تفاصيل حياتك وبيتك جيدًا كي تدرك حجم المأساة الحقيقي لأبطال الظلّ في غزة"، ثم يأخذ في سرد تفاصيل من المعاناة اليوميّة للغزّيّين، جميع الغزيّين، وليس يحصرهم في فئة أو تيّار أو جهة سياسيّة، يشرح كيف يبدأ يوم الإنسان في هذه البُقعة من العالم، بهذا المشهد "يبدأ النهار المغمّس بالخوف لتنفيذ البرنامج اليومي المعتاد هناك، أو بتوفير الحطب أو البلاستيك -إنْ وُجد- والانحناء في الشوارع لأجل التقاط الورق والنايلون الذي تلقي به أيدي الصغار، وذلك من أجل طهي الطعام، بعد منع إدخال غاز الطهي للقطاع لمدة عامين". وإلى ذلك يصف الكاتب "الطوابير عند مخبز العائلات، الألوف التي تتصارع لأجل ربطة خبز لا تكفي نصف نهار...".




وبالانتقال إلى الماء، وما يشهده الحصول عليه من معاناة وقسوة، نقرأ كيف يصطفّ البشر في طوابير ليقوموا بنقل الماء من الشاحنات المخصصة لذلك، فالنازحون مضطرون للوقوف في طابور لا ينتهي حتى يتمكن كلّ منهم من تعبئة جالون من المياه لا يكفيه يومه، ثم إنّه مضطر لاحقًا لتعبئة مياه لا تصلح حتى للاستخدام الحيواني، فيستخدمونها لتنظيف الحمامات والأواني والأيدي... ووسط هذا الضغط الهائل الذي يحرّك الجميع، ترى عبثية المشاجرات في الجوار.
أمّا هو، الكاتب الذي سيكتب لنا شهادته التي يستخلصها من معايشته ومشاهداته وانطباعاته وتأمّلاته، فمعاناته، أو بعضها، تتعلّق بعدم قدرته على "شحن" جهاز اللابتوب الذي سيكتب عليه، إذ يتطلّب الأمر قطع مسافات لإيجاد شاحن يُسعفه... فيكتب عن "واقع لا يمكن للعقل البشري أن يتخيله". وهو يصف كتابه هذا بأنّه "جحيمنا السرمديّ، كي لا ننسى، وكي لا نغفر". كما سيكتب عن الكيفيّة التي يستطيع بها كاتب أن يكتب، في ظل اضطراره للتنقّل بين خيمة هنا، وخيمة هناك، والسير عشرات الكيلومترات للوصول إلى أماكن أقلّ تعرّضًا للموت، إن وُجِدت هذه الأمكنة حيث لا أمان لأحد، وحيث الكاتب يسعى ليكون قدوةً لغيره في الصمود، وسط حملة قوّات الاحتلال لتهجير الجميع، وخصوصًا النخبة!

في الطريق إلى المعمداني
وفي ما يقترب من أسلوب كتابة اليوميّات (الذاتيّة)، يكتب الغول معاناته، في الوصول إلى أماكن يقصدها، وسط العتمة، وتحت طائرة إسرائيلية، وأرض مضمّخة بدم الشهداء، خصوصًا الأطفال... أصدقاء ابنه الطفل، الذين كانوا يلعبون "البنانير" فباغتهم "صاروخ أطلقه طيار إسرائيلي يعتقد أنه إله، فصار اللاعبون الصغار أشلاء"... وهو -الكاتب- يواصل طريقه إلى مستشفى المعمَداني، حيث يرقد والده الذي "بُترت قدمُه وتمزّقت روحه"... مثل كثر.

شاطئ غزة (Getty)


واستطرادًا في سرد عمق المعاناة، يحكي الكاتب - بطَل هذا النصّ وغيره من النصوص- عن أخٍ له نازح إلى جنوب القطاع ومحاصَر هناك "لا يعرف إلا فُتاتَ الأخبار عن وضع أبي الصحيّ وظروفِنا القاهرة".
ولا تتوقف المعاناة عند افتقاد الماء والطعام والدواء، بل إنها تطاول ما هو روحاني وثقافيّ في حياة المجتمع، وذلك على غير صعيد، وأهمّها مصير الكتب التي يقتنيها الكتّاب أو المكتبات العامّة، حين يتحوّل الكِتاب إلى مادّة صالحة للاشتعال من أجل طهي الطعام أو للتدفئة، حين يتمسّك الإنسان بآخر لحظة أمل للبقاء على قيد الحياة، حياة تغدو هي معنى الوجود نفسه، وتتأرجح بين الوجود والعدم، ومعادلة أن تكون أو لا تكون. لحظات يتحوّل فيها البشر إلى أشباه الوحوش التي تصارع موتًا حتميًّا ضاريًا، ولا خيار سوى المواجهة بأيّ ثمن، والثمن هنا هو الكِتاب، الوعي والفكر.
على صعيد آخر، يخسر الفلسطينيّ معالِمَ مهمّة في حياته الثقافية، وذلك حين يرى العدوّ وهو يستهدف كلّ ما هو جميل في هذا العالَم، إذ يغدو القتل والحرق والتدمير أساسًا في "الفلسفة القتاليّة" لهذا العدو، "ينظر هذا العدو القبيح إلى الجمال في هذه البقعة على أنه جريمة تستوجب العقاب، ففي الزاوية يجثم "محترف شبابيك" (للفنون)، على الأرض، ويسقط مضرّجًا بألوانه ولوحاته". وكذلك الأمر في ما يتعلّق بمصير "مركز رشاد الشوا الثقافيّ"، حيث كان الكتّاب والمثقّفون يعقدون لقاءاتهم وأمسياتهم الأدبية والفنية فقد "تغيّر المكان إلى الأبد، وصار سقفه مفتوحًا، كأنه يستجدي الخلاص مثلنا، لا كتب في المكتبة، لأنها صارت مادة جيدة لإشعال النيران". وعلى صعيد ثالث، وليس أخيرًا، يخسر التلاميذ من الأطفال مدارسهم و"هذا الطفل؛ ألم يكن عليه (أو من حقّه) الذهاب إلى المدرسة؟"، لكن المدارس صارت مراكز للإيواء، وهذه بدورها تحولت إلى مقابر.
وعلى المستوى النفسانيّ للأطفال، وذوي الإعاقات خصوصًا، يكفي أن يوردَ المؤلّف حالة فتى مصاب بمتلازمة داون، لا يفهم سوى لغة الحُب التي تعفيه من فهم دروس الحياة الصعب، فنراه "يمسك خرطومًا للماء كأنه ميكروفون، يتحدث كصحافي بهَمهماتٍ غير مفهومة، وفي لحظة تالية يؤدي دور الطبيب... يحاول التفاعل مع المشهد، والجميع يذهلُ بين البكاءِ والضحك...". فالجميع هنا يعيشون ويتعايشون مع "حالة من الاستسلام الرهيب للقادم دون حيلة". وهنا يتذكّر المؤلّف مقولة غسان كنفاني في روايته "رجال في الشمس"، وعلى لسان أبي الخيزران، فيرسم صورة "جموع الناس التي تتصارع لأجل البقاء ولا يوجد بينهم من يدقّ جدران الخزان". ثمّ يعرض الغول حالة أخيه حاتم عاشق الأغاني العبرية التي لا يفهمها، فهو فقط يؤمن بالتعايش بين الأديان والمذاهب والأجناس المختلفة، ويقول بلهجته الساخرة "كل الناس "شيطلائكيين" (وهذا نحت لصيغة تجمع الشياطين والملائكة، يماثل نحت إميل حبيبي لصيغة المتشائل)، فيهم الخير والشر".
ورغم كلّ الكوارث الاحتلاليّة، يبقى الصمود، فإنّ ثمة تمثالًا للعنقاء، يمثّل رسالة إلى العالم بأن "الفلسطيني يُبعث في كل مرة من الرماد كما تقول الأسطورة الكنعانية"، لهذا "ظلت غزّة مقبرة للغزاة" الذين مرّوا فيها، مهما طال احتلالهم. لكننا في المقابل نجد مقولة هي نقيض الصمود، نقيض القدرة على هذا "الصمود القاتل"، نجد من يرى أنّ "جميع أولئك المتعبين يتمنّون النجاة من هذه البلاد، لكن هذه النجاة تساوي آلاف الدولارات للوصول إلى الجانب المصري"... في إشارة إلى ما يجري ارتكابه من جرائم تجاه من هم مضطرّون للسفر لأسباب شتّى.




كتابة الغول تبرز وجود ظواهر اجتماعية تشير إلى إصابة الشعب الفلسطيني بأمراض نفسية عميقة، ليتساءل الكاتب إن كان الاحتلال تمكّن من تشويه الوعي لدى هذا الشعب "هل يقف الاحتلال خلف صناعة وعي جمعي مختلف ومشوّه في قطاع غزة، أم أن التوحش والجشع اللذين غذّاهما الاحتلال وصلا إلى أحقر مراحلهما فأظهرا عوار الفلسطيني وتشوهاته؟ ما كان يسعى الاحتلال لتحقيقه من تعطيل للوعي الجمعي، وتغذية الفوضى، وتسييد شريعة الغابة، وتدمير البنية الاجتماعية، وتفكيك الثوابت إلى الأبد. وقد استطاع تحقيق الكثير، ليبقى السؤال الجوهري: هل نحن قادرون على إعادة الأمور إلى نصابها؟ هل يمكن للمؤسسة الثقافية أن تعيد الاعتبار إلى الإنسان الفلسطيني وصناعة جيل قادر على الالتزام بأخلاق المواطن المدني المتحضر، المتقبل للآخر بما لا يقدح في دين أو مذهب أو فكر تنويري؟".
ثمّة الكثير مما تنطوي عليه كتابة يسري الغول من صدق ودقّة في نقل مَشاهد المأساة، وصحيح أنّنا نشاهد الكثير من الصور على الشاشات ووسائل التواصل، لكنّ للكتابة الأدبيّة سمةَ التواصل الأعمق مع المتلقّي. وسنكتفي بما سلف، ونختم بما ختم به المؤلّف، وهو عملية خروجه من غزة، عبر ترتيبات مع جهات ثقافية وأكاديميّة فرنسية ثم سويسرية، يتمكن من خلالها من السفر عبر كرم أبو سالم، فتكون محطته الأولى في الأردن التي يرى فيها "جنة"، ثم تكون محطة سويسرا والعمل في إحدى جامعاتها. أمّا بخصوص مكان السكن، فهو يتوقف عند التضامن والكرم اللذين أحاطته بهما صاحبة الشقّة التي سيقيم فيها. وفي سياق هذا "الانتقال" يطرح أسئلة وطنيّة حائرة عن حقّه هو وعائلته، خصوصًا زوجته الحامل وأبناءه، في اللجوء إلى مكان يوفر لهم الحماية والأمان الماديّ والنفسانيّ خصوصًا؟ ويتساءل "ألا يكفي أنني قاتلتُ لأكثر من عقدين في سبيل الوعي والنهضة؟ ألا يحق لي أن أحظى باستراحة محارب؟".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.