جورج كعدي، رفيق الفكر والثقافة على صفحات "النهار" في عصرها الذهبي الذي ولّى، والناقد والمحاضر الجامعي في السينما، والمهتمّ بالفلسفة متخصّصًا في آرثر شوبنهاور، الفيلسوف الموسوم بالتشاؤم الوجودي، وهو المستنير ومُسقط الغشاوة عن الوجود، في كتابه "ميتافيزيقا غزّة: في لاهوت الإبادة"، الصّادر قبل فترة وجيزة في بيروت عن دار نلسن، مع صورة غلاف "مواجهة" للرسّام الفلسطيني أُسامة حسين، وهو مجموعة مقالاته الصّادرة أصلًا هنا في "ضفّة ثالثة" على مدى طوفان الأقصى، يلحّ على أن غزّة ليست مجرّد مكان محاصر، مقتول ومجوّع ومتروك في العراء، بل إن غزّة صارت موقعًا ميتافيزيقيًّا للسؤال، الذي لا يُطرح على السياسة وحدها، أو على العدالة الأرضيّة وحدها، بل يُطرح أيضًا على العناية الإلهية، فيتساءل من أين تستمدّ الدولة العبريّة راحة بال وطمأنينة إزاء ارتكابها إبادة مطلقة؟ ويردّهما، مُصيبًا وصادقًا، إلى خرافة معتقد أهلها الديني في التوراة، وإلى أن المناهج الدوغماتيّة لهذه الخرافة تلقى صدى لدى الغطرسة الأميركية في استباحتها أدنى حقوق الإنسان، وإن أدرك الأستاذ كعدي أن الإنسان منفردًا بين الكائنات قادر كذلك على ارتكاب جرائم الإبادة.
يجنح المؤلّف، كعادته، إلى تفسير مجرى وقائع أحداث غزّة بنفس شوبنهوري، فيرى أنّ الإنسانيّة لهي، في صمتها عن إبادة أهل قطاع غزّة، وقائع موت غير معلن، فيردّ ذلك إلى أنّ جوهر الدولة العبريّة قائم على السيادة القاتلة، مشيرًا بحكمة إلى تصوّر أسفار التوراة القائل بأنّ دور الربّ لبني إسرائيل لا يقف عند حدّ التشجيع على الحرب، لا بل إنّه يخوضها بنفسه.
يعالج الأستاذ كعدي هنا فكرة الألم الأخلاقي الذي يضغط على الشرّ بتصوّره، فيأخذ بنموذج تاريخي للوعد التراجيدي عند شكسبير حيث نزعة شكّ ونظرة تشاؤم، وفي هذا كانت مسرحيّاته عزاء عظيمًا عن عالم وضيع كُتب على شخْوصه أن يكافحوا بلا هوادة، فيتساءل الكاتب عن مدى علاقة الفلسفة باللحظة الفلسطينيّة الراهنة من منظوري الألمْ والشرّ، فيخلص إلى أنّه إذا لم يكن الفيلسوف مفكِّرًا بجمع روحه لا بعقله وحده، تنقضّ عنه صفة الفلسفة، ذلك أنّ استباحة الجسد الفلسطيني وتجريده من إنسانيّته لهما خروج بالمطلق عن ميتافيزيقا الكون، فيتأمّل طبيعة العنف البشري، وبالنسبة إلى غزّة، عينه أبدًا على مهابة عبور تفوقُ ذاك المُتخيّل، فعبور أهل قطاع غزّة من موقع إلى موقع بحثًا عن الخلاص تحت وقع الحصار، يدحض كلّ أساطير العبور المنسوجة بالخرافة والمقنّعة بدوغما التلفيق والخيال وتجيير القدرة الإلهية للأنا المتعالية على الآخر، فيرى أنّه العبور الذي لا يسبقه واقعًا، أي عبور آخر على مرّ التاريخ.
وفي صلب هذه المقاربة الفلسفيّة في "ميتافيزيقا غزّة" ثمة عودةٌ إلى نيتشه، سليل الكانطيّة المطعّمة بالشوبنهوريّة، المعترف بأنّه كان دائمًا عدميا في قرارة نفسه، فلا يصدّق الأستاذ كعدي كيف عجزت مئات الملايين على سطح هذا الكوكب عن زجره وردّه إلى ضوابطه الإنسانيّة، ذلك أن شبق تدميريّة بنيامين نتنياهو لإبادة أهل غزّة لهو في آن شبق ساعٍ في المحصّلة النهائيّة إلى تدمير الدولة العبريّة ودكّ أُسسها الواهية، فها هو مجتمعها يعاني ازدواجيّة فصاميّة على أرض فلسطين تهدّد بانحلاله.
"ميتافيزيقا غزّة: في لاهوت الإبادة" هو بمثابة مدخل إلى فهم اللحظة الفلسطينيّة من وجهة فلسفيّة، وبالتالي هو مقاربة فكريّة تنظر إلى غزّة على أنّها مركز ثقل كوني لربّما يؤدّي إلى إشعال فتيل صراعات لا نهاية لها ما دام أهل فلسطين خارج أرضهم التاريخيّة.


تحميل المقال التالي...