الكاتبُ والمُمثِّلُ والمُخرِج المسرحي الجزائري عبد القادر علُّولة (1939 ــ 1994) الذي اغْتيلَ يوم 10 آذار/ مارس 1994 في مدينة وهران على أيدي المُتطرفين الإسلامويين، أصدرت له وزارة الثقافة والفنون الجزائرية كتاب "عَبْدُ القَادِر عَلُّولَة: الأَجْوادُ لا يَرْحَلُونْ" (2025). ساهم في تأليفه كُتَّابٌ ومسرحيون جزائريون َوعربَ وأجانب، واحتوى على خمسين مساهمة، بين دراسات ومقالات وشهادات كُتبت باللغات: العربية، والإنكليزية، والإسبانية، والفرنسية، مع مجموعة من الصور، من بينها صور توثِّقُ لسيرته المسرحية.
وزيرة الثقافة د. مليكة بن دودة في مقدِّمتها للكتاب قالت: يجـيءُ كتـاب "عبد القادر علولة" ليكون شهادةً حيـَّة عـن عبقريـة فنـَّانٍ حَـوَّلَ الخشـبة إلى مرآةٍ للمُجتمع، وإلى ساحةِ نزالٍ رمزي مـن أجـل كرامـة الإنسان الجزائري.
محمد يحياوي، المدير العام للمسرح الوطني الجزائري، رأى أنَّ: الكتـاب ليـس تأريخـًا سـرديًا، أو استحضارًا للحنين، بل هو استمرارٌ لحركة المسرح الجزائري وإشعاعه، وخـزَّانٌ رمـزيٌّ ومعـرفيٌّ يفتـحُ أسـئلةً جديـدة حـول الفـن ودوره وعلاقته بالإنسان، وإقـرارٌ بـأنَّ الفـنَّ الأصيـل يمكـثُ طويـلًا بعـد رحيـل صاحبـه.
من المشاركين في البحوث والدراسات: د. جميلة مصطفى الزقاي، عبد الكريم غريبي، د. حميد علاوي، د. لخضر منصوري، د. محمد المديوني، أحميدة عياشي، د. ليلى بن عائشة، بوبكر سكيني، وشهادات في مسرح علولة: جواد الأسدي، أحمد إسماعيل، عبد القادر بلقايد، د. مخلوف بوكروح، غنام غنام، علاوة جروة وهبي، د. عبد الكريم جواد، فضيلة حشماوي، عبد الناصر خلاف، حبيب السايح، د. مروة كوسة، راضي شحادة، د. أمين الزاوي، أنور محمد، عيسى مولفرعة، عمر فطموش، بو زيان بن عاشور، عبد القادر بلكروي، زيان شريف عياد، سيد أحمد أقومي.
المُخرج والمُمثل والكاتبُ المسرحي عبد القادر علُّولة اهتمَّ كثيرًا بمسرح (الحلقة)، أو (القوَّال)، المُنتِشر في الجزائر بصيغتِه العفوية الشعبية، فأسَّس له شكلًا جديدًا كَسَرَ فيه القالبَ المسرحي الأرسطي، واتَّخذ من الشوارع والساحات العامة والأرياف والجامعات والمصانع فضاءً لعرض مسرحياته، إذ يرى: "ليكن مُنطَلقُنا في رعاية هذه الظاهرة الفنية؛ في تراثنا الحكائي، ما ندعو إليه من تأصيلٍ لفنون الإبداع العربية (المعاصرة والقادمة) بتحريرها من شروطٍ أَنْتجَتْهَا حَضَاراتٌ أُخرى، ونحن عربيًا؛ نملكُ تُراثًا/ رصيدًا قصصيًا ذا طبيعةٍ مسرحية، يصدرُ عن خيال مسرحي، غير أنَّه كُتِبَ بأسلوبِ الحكاية". رأيٌّ لعلُّولة؛ وإِنْ كَشَفَ عن لحظةِ العطالة المعرفية التي توقَّف فيها عَقلُنا عن التفكير والاجتهاد، إنَّما يَحُثُّنا على النظر في هذه الحكايات، فلا نعيش لحظةَ السلبِ والقطيعةِ مع الوجود، لأنَّ مَنْ يقرأها؛ فهي قصصٌ ذاتُ مخزونٍ صراع/ درامي عنيفٍ وقاسٍ من (التراجيديا الإنسانية)، وكأنَّ عبد القادر علُّولة يردُّ المسرحَ إلى "الحكاية" وهذه ليست صدفة، إنَّما قَادَه إليها شَغَفَهُ بالمسرح، وحَرَكَةُ الفكرِ العلمي وصيرورته، فنخرجُ من اللَّاهوت وعِصِيِّهِ إلى فضاء الحياة فنَصنعُ نَهضَتَنا، لأنَّ المسرح من جدلْ، والجدلُ يُسقِطُ حجَّة الفِكْرِ اللَّاهوتي الذي احتجز الحياة، وحاول على مدى قرون أن يبيعنا في المزاد العلني.
منِ مسرحيات عبد القادرعلُّولة التي أثارت غضب الظلاميين: "العلق" (1969)، و"الخبزة" (1970)، و"حمَّام ربِّي" (1975)، و"حوت ياكل حوت" (1975). إضافةً إلى ثلاثيته الأبرز: "القوال" (1980)، و"اللثام" (1989)، و"الأَجْوَاد" (1984)، التي سُمِّيَ الكتابُ الصادرُ عن مسرحه باسمها "عَبْدُ القَادِر عَلُّولَة: الأَجْوادُ لا يَرْحَلُونْ…". وبطلُها "جَلُّول" الإنسانُ الطيِّبُ، والصادقُ النزيه الذي يغضبُ للحق والحريَّة، والذي بسبب غضبه كادَ أنْ يفقد وظيفته حارسًا لثلاجة الموتى في أحدِ المستشفيات.
د. جميلة الزقاي قالت عنه: يُعَـدُ علُّولـة مـن المُخرجين الذيـن أظهـروا كفاءتهـم في الإخراج لـدى عودتهـم مـن البعثـات التكوينيـة في المسـرح بالاتحاد السوفياتي؛ حيـث عـادَ مـن موسـكو سـنة 1972 ليبـدأ مسـاره المسرحي بعـرض مونودرامـي حمـل أعبـاء تقمـُّص شـخصيات كثيـرة تكاثفـت بعاتـق مُمثِّـل واحـد انبثـق مـن "يوميـات مجنـون" غوغـول التـي عرضهـا بالمسرح الوطنـي محـي الديـن باشـطارزي في الجزائـر العاصمـة.
الناقد والأستاذ الجامعي الجزائري عبد الكريم غريبي رأى أنَّ الخِطاب الدرامي الساخر في التجربـة المسرحية لعبـد القـادر علولـة يُشـكِّل أداةَ إبـداعٍ وتفكُّـر ومقاومـة خلافية، إنَّه أسلوب تكييـف القيـم الدراماتورجـة الخارجيـة المنشأ منهـا والداخليـة ليـس بمفهـوم الكتابـة الدراميـة، بـل باعتبارهـا بحثـًا مخبريًا مسـرحيًا تجريبيـًا شـاملًا، وأداة تهـدف إلى إحـداث القطيعـة والتقاطـع مـع الأبعاد السوسـيوثقافية والسياسـية، والفرجويـة والاتصالية لما بعد الأرسطية والبريختية، ووسيلة إنتاج أساليب اختراق وتدمير معيارية الخطـاب الرسـمي المُتعدِّد باعتمـاد آليـات وظيفيـة المنطوق والأداء المسرحي، التي تستطيع تحديد شروط وجودها بالتكييف الحر من دون أن تخضع للمعيارية المفروضة لسانيًا أو شعريًا، معرفيًا أو عقائديًا.
ويرى د. حميد علاوي، الباحث والأستاذ الجامعي بالجزائر، أنَّ علُّولـة أعطـى الكادحين منصَّـةً ومنـبرًا عـلى الركـح، وسـلَّط الضـوء عـلى يومياتهـم، ورافـعَ مـن أجـل حقِّهـم في الحيـاة، ودافـع عـن حقِّهـم في العيـش الكريـم.
أمَّا د. لخضر منصوري، المُخرج المسرحي والأستاذ الجامعي الجزائري، فإنَّه يرى أنَّ "القـوَّال" لـم يكـن مجـرَّد ناقـلٍ للحكايـات، بـل كان رمـزًا للمثقـَّف الشعبي الذي يطرح الأسئلة، ويثير النقاشات، ويعبِّر بصدقٍ عن آمال الجماعـة وأوجاعهـا، ولعـلَّ أبـرز مـا يميـِّز هـذه الشـخصية مُسـتَمدٌّ مـن تسـميتها ذاتهـا، إذ يقـول علولـة عنهـا: "القَـوَّال هو حامـل التـراث الشـفهي بكاملـه، فهو يُؤلِّـف ويُغنـِّي ويـروي الحكايـات والأساطير المتداولة، مؤكِّـدًا بذلـك الـدور التنويـري الـذي لعبـه هـذا الأنموذج في إحيـاء الذاكـرة الجماعيـة، وبنـاء وعـيٍ مجتمعـي عبـر الكلمـة المسرحية".
د. محمد المديوني، الكاتب والمُخرج المسرحي التونسي، رأى أنَّ عبد القـادر علولة أصبح واحـدًا مـن المسرحيين الذيـن لهـم موقـعٌ خـاص في خارطـة المسرحيين العـرب التـي كُنَّا نتحرَّك فيها، لآنَّه بدا قريبًا مِنَّا في ذلك الوقت، وبدا لشواغِله صدى في شواغِلنا، وهو ما نزَّله منزلة مَنْ هو جديرٌ بأن نتابعه ونتابع مـا كان ينجـزه باعتبـاره يعنينـا على الصعيدين الفكري والجمالي.
أحميدة عياشي، الروائي والصحافي الجزائري، رأى أنَّ تقاطـع تجربـة عبـد القـادر علولـة مـع فكـر فرانتـز فانون يفتـح بابـًا لفهـمٍ جديـدٍ لجماليـات المقاومة، حيـث لا يعـود المسرح مجـرَّد مـرآةٍ اجتماعيـة، بـل سـاحةَ صـراعٍ رمـزي ضـدَّ آثـار الاستعمار وتجلياتـه النفسـية والثقافيـة في اسـتعادة الحكايـة، وتفكيـك اللغـة، وبنـاء جسـور مـع الذاكـرة الشـعبية.
د. ليلى بن عائشة، الأستاذة الجامعية، تقول: إنَّ مـن أبـرز خصائـص مسـرح عبـد القـادر علولـة توظيـف العاميـة الجزائريـة المُهذَّبة في محاولـة جـادَّةٍ للاقـتراب مـن الجمهـور المعني بهـذه الأعمال المسرحية، والـذي يشـكِّل الأساسَ القويـم في البنـاء المسرحي الرصـين، الـذي يجعـل الفنـان المسرحي يـُدرك أنَّـه نجـحَ، أو أخفـقَ، في مـا قدَّمـه، أو يقدِّمـه، مـن أعمـال. وإدراكًا منـه أنَّ هـذا الجمهـور المُتلقي ينبغـي أن يجـد ذاتـه في ثنايـا هـذا الإبداع، كان علُّولـة يعـي جيـدًا أنَّ انتقـاء اللغـة الموظَّفة مـن صميـم العمليـة الفنيـة المسرحية التـي تنشـد الاقتـراب أكثـر مـن الجمهـور، عـلى اعتبار أنَّ اللغة هي أيضًا مدخلٌ أساسي للانتماء.
في شهادة الناقد الجزائري بوبكر سكيني، يقول إنَّ اسـتلهام عبد القادر علولة للمـوروث الشـعبي هو أحـدُ أبـرز ملامح مشـروعه المسرحي، لا باعتبـاره حنينًا إلى الماضي فحسب، بل كآلية فاعلة لحفـظ الذاكـرة الجماعيـة، وتعزيـز الهويـة الوطنيـة، التـي رأى فيهـا حصنًا مقاوِمًا للنسيان والتغريب.
المُخرج العراقي جواد الأسدي قال عنه: منـذ تعرَّفـتُ علـى عبـد القـادر علُّولـة في دمشـق مسـرحيًا وإنسـانًا بقـيتْ صورتـه عالقـةً في قلبـي ووجداني، كنجـمٍ جزائـري مُتوهِّـج الخيـال، وعـذب الـروح، اسـتطاعَ أن يُرسِّـخ صـورةَ بـلادِه في عقـولِ وأرواحِ المشاركينَ في مهرجان دمشق العريق.
د. مخلوف بوكروح وَصَفَ علُّولة بأنَّه كاتـبٌ مسـرحي منشـغلٌ بهمـوم تأصيـل المسرح، توصَّـل في رحلـة بحثـه إلى العـودة للـتراث وإلى المرجعية الثقافيـة المحلية، واقـترحَ مجموعـةً مـن النصـوص المسرحية تمثلهـا (القوَّال، الأجـواد، اللثـام).
غنام غنام، الكاتبُ والمُخرِج المسرحي الفلسطيني، قال في شهادته: كُنَّـا نتتبَّـعُ خطواتـه في الانحيـاز للنـاس، نتتبـَّعُ خطواتـه في ترسـيخ الفرجـة الشـعبية كَمكـوِّن أسـاس في الفرجـة المسرحية، كُنَّـا نتتبـَّعُ مفاهيمـه الثوريـة المُنحازة للحيـاة، كُنَّـا نتتبـَّعُ حضـوره الشـخصي علـى المسرح، كُنـَّا نتتبـَّعُ نمـوذجَ التحـدي في سـنوات الجمـر التـي كانـت تُخطـِّط لالتهام كلِّ شيءٍ حـيّْ، فـكان عبـد القـادر علامـةً سـماوية لنـا لنؤكِّـد مسـاراتنا في سـاحة أخـرى تتعـرَّض لجمـرٍ مـن نـوعٍ آخـر.
د. عبد الكريم جواد، الكاتب والمُخرج والأستاذ الجامعي العُماني، قال عن علُّولة: إنَّنـا نقـفُ أمـام رجـلٍ عميـقٌ كلَّ العُمـق بإنسـانيته، ينضـحُ بالمحبَّة للآخر، أراد أن يختـرق جـدران الفـن والإبداع المسرحي بخصوصيـة وطنيـة، ونظـرةٍ استشـرافية مسـتقبلية.
راضي شحادة، المسرحي والروائي الفلسطيني، قال في شهادته: اسـتطاع عبـد القـادر أن يسـتغلَّ الشـكلَ والمضمون الـذي انتهجـَه المسرحي والشـاعر الألماني برتولـد بريخـت لما فيـه مـن أسـلوب التغريب والتعليميـة غيـر المباشرة المعتمدة عـلى الوعـي، أكثـر مـن اعتمادهـا عـلى استبداد التعبيـر العاطفـي الميلودرامي (الشـجني)، ودمـج ذلـك مـع تقنيـة الحكواتي الشـرقي الشـعبي والقريـب مـن النّاس، والمُعتمد على الحركة التهويليـة العريضـة.
الروائي الجزائري د. أمين الزاوي وصَفَ جنازة علُّولة قائلًا: كان يومـًا اسـتثنائيًا في حزنـه وفي يقظتـه أيضـًا، لا حديـثَ في وهـران إلاَّ عـن اغتيـال عبـد القـادر علُّولـة، الخسـارةُ التـي لا تُعوَّض، سـُجي جثمانه في المسـرح الجهوي بوهران، وألقى الفنان الكبيـر سـيِّد أحمـد أقومـي كلمـة التأبين مـن عـلى شـرفة بنايـة المسرح في جمـوعٍ مـلأت سـاحة أوَّل نوفمبـر، سـاحة السـلاح كمـا يسـميها الوهرانيون.
المخرج والممثِّل المسرحي الجزائري عيسى مولفرعة هو الآخر يروي عن علُّولة بأنَّه ومن خـلال زيارة عمل مسرحي إلى سـورية، عـادَ بـكلِّ مَالِـه (نفقـات المهمة) إلى الجزائـر، وحَوَلَّـه في البنـك لشـراء أدويـةٍ وملابسَ نـومٍ للأطفال المرضى، كان ذلـك مـن أولوياتـه.
عبد القادر علُّولة في مَسرَحِه، ومن خلال الدراسات والمقالات والشهادات في كتاب "عَبْدُ القَادِر عَلُّولَة: الأَجْوادُ لا يَرْحَلُونْ"، وقَفَ ضدَّ سياسات تجهيل واستعباد الإنسان ومصادرة حريَّته؛ فكان في عروضه مؤلِّفًا ومُمثِّلًا ومُخرجًا، يؤسِّسُ نظريِّةً في التمرُّد الإنساني، فمسرحياته؛ وما حقَّقت من انتشار في جذب الجمهور، ساهمت في تعميق الوعي السؤالي الفلسفي اليومي عند المُتفرِّج؛ كون المسرح حاملًا للحريَّة، وليس حاملًا للموت.


تحميل المقال التالي...