أعترف أنني حين بدأت قراءة مجموعة عاطف أبو سيف القصصية، كنت أحمل تحفظًا مسبقًا عن القصة القصيرة اليوم وما آلت إليه في "زمن الرواية"، وأيضًا تحفظي على فكرة أن تنجح القصة القصيرة في التعبير عن تراجيديا إنسانية عاصفة ودامية كالتراجيديا الفلسطينية، وهي بالطبع مسائل نسبية لا يمكن اعتمادها كقوانين أو أحكام صارمة.
عالم "غزة أندرغراوند" يختار له الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف مقام القصة القصيرة وقوامها معًا. الأمر هنا يتجاوز فكرة الانحياز لشكل فني يمكن أن يراه الكاتب مناسبًا لسرده، لأنه فوق ذلك اختيار لتلك العوالم المنتقاة من الذاكرة اليومية، والتي يشكل كل شاهد منها حضوره الخاص، المشبع بوجعه والمفتوح على وهجه الداخلي، خصوصًا تلك العوالم الداخلية التي تحدث يوميًا وتعيد تشكيل حياة الناس، رغم انزوائها في موقع "جانبي"، ولا نقول هامشي أبدًا. السرد هنا لا يشبه سوى نفسه، إذ تأتي القصص من خلفيات الوقائع التي تقارب "النيغاتيف" الذي لا يضيئه شيء سوى موقعه في الروح والذات.
عاطف أبو سيف، في قصصه "غزة أندغراوند" (منشورات المتوسط – ميلانو – إيطاليا – 2025)، يأتي من تلك المساحات المتوارية التي تشبه حفرة الزمن، حيث تعشش كل "التأثيرات الجانبية" للحروب المتناسلة، بكل ما شهدته من خسارات فادحة أعادت تشكيل البشر العاديين، وكأنهم يتبادلون الأدوار مع الأماكن والجغرافيا، كما مع السيارات والمقاهي والطرق المزدحمة مرة والخالية من البشر مرات أخرى. لا أريد الحديث هنا عن "أنسنة" الأشياء والأماكن، بل أتطلع إلى رؤية كل تلك الأشياء الصماء وغير العاقلة في سياق الجنون الشامل لمحنة حرب الإبادة ولا معقوليتها التي طاولت كل شيء وأجهزت على كل شيء؛ إذ إن بعض رمزيات القصص تختلط عناصرها لتكون رمزية بالغة الوضوح، وتختفي تمامًا في الوقت نفسه، سوى من حضورها المباشر.
عرفت عاطف أبو سيف روائيًا مهمًا، خصوصًا في براعة التقاطه للأساليب الفنية التي تناسب رؤاه السردية وتخدم فكرة تقديمها للقارئ في إهاب رشيق وله جماليات حضوره، وها أنا أراه، من خلال قصص هذه المجموعة، يختار سردًا آخر يعود خلاله أبطال السرد (وضحاياه أيضًا) إلى ما يسكن في خلفيات وعيهم. الفلسطيني في قصص عاطف أبو سيف الجديدة هو، بالتحديد، ذلك الشخص "المختفي" أو "المؤجل"،
والذي يقبع عادة في المخيلة والذاكرة، والذي يكاد لا يهم سوى صاحبه. ولهذا نكتشف، مع كل قصة من قصص المجموعة، أن أولئك الذين لا يمثلون سوى أنفسهم هم، بمعنى ما، البشر جميعًا، وبالذات في حالات الألم الكبرى. نكتشف كل مرة عذابات واحد منهم، فنكتشف معها ضراوة العلاقة بين الحدث الكبير للحرب والتدمير وبين محنة التكوين الفردي والمشاعر الإنسانية، وعمق التشابك بين البشر والأمكنة وحتى أدوات العيش من بيوت وسيارات وشوارع وأشجار.
أنتبه هنا، بالذات، إلى تلك الكثافة من طبقات الذاكرة التي تتراكم في الأرواح وتعيد صياغة الأفراد على نحو لم يكن من الممكن حتى تخيله، خصوصًا وأن ذلك كله يقع في تلك الجغرافيا الضيقة التي "تتسع" و"تضيق" بحسب الوقائع السياسية المتغيرة، والتي تجعل فضاءات حركة الناس تمتد مرة لتشمل كل فلسطيني، ثم تنحسر مرة أخرى لتصبح المدينة الواحدة المحاصرة بجنود الاحتلال وممنوعاتهم. هم أبطال قصص يتمردون على "مألوف" السرد القصصي، وكأنهم بتمردهم يجبروننا على الانتباه إلى أن الوقائع الحقيقية والجرائم الكبرى لم تقع في ساحات الحروب ومعاركها المدمرة، بل تلك التي لا يكاد يراها أحد، والتي تعصف بالنفوس والأرواح وتخبئ في زواياها المعتمة بشرًا نراهم كل يوم، ولكننا نكتشف أننا لا نعرفهم. ومنذ العنوان "غزة أندرغراوند"، نحن أمام حكايات عن الدروب والطرق الأخرى، والتي تقارب فضاءً سريًا متشعبًا وممتدًا ويحمل لونه المختلف وعناصر حياته المختلفة. في قصص هذه المجموعة يختار أبو سيف الانتباه لتلك التصرفات الصغيرة وشبه الهامشية، والتي تقع على هامش حدث كبير، فيلتقطها ويعاين صور حضورها في الذاكرة الفردية وفي الحياة ذاتها.
من اللافت هنا رؤية كل تلك الصور الأخرى، أعني بالذات قراءة الملامح الإنسانية التي لا تعتني بها عادة وسائل الإعلام على اختلافها واختلال أدواتها. فما يهم أبطال هذه القصص هو ما يحدث، بالذات، بعد أن تنتهي المعارك الساخنة وتختفي وتذهب لمكانها الأثير، والذي يشبه أرشيفًا بالغ الثراء وبالغ الحساسية يمنح هذا الشخص أو ذاك "صورته" الخاصة من الحرب، الصورة التي تشبهه بل ويشبهها، رغم أنها لا تتناقض مع صور الآخرين لتلك الحرب، بل هي تتكامل معها وتؤكد صدقيتها. فالعالم السفلي الذي يشير لسلسلة الأنفاق تحت غزة هو، في الوقت ذاته، عالم الحرب الحاضرة دائمة، رغم كونها "مؤجلة" بين وقت وآخر.
"غزة أندرغراوند" حكايات تعيد صياغة السرد، فتقشر عنه تراتبياته المعروفة وشبه الدائمة، وتذهب نحو استنطاق تلك السرديات من رتابة اهتمامها بالعام الذي يشبه عناوين نشرات الأخبار، وتقارب جوهر تلك الأخبار، حقيقتها، ومذاقها الذي اكتوى به البشر البسطاء والحالمون بأيام أجمل وعوالم مختلفة تمامًا. الملمح الأهم هنا ما يشيعه السرد ذاته من حنين ما، غامض وواضح معًا... حنين يستعيد القارئ معه ماضي الناس العاديين الذين كانوا هناك يومًا، ونحن نرى شيئًا كثيرًا من ذلك في الشواهد البشرية والعمرانية معًا، بل في رمزية السيارة ذات الأبواب الستة، والتي مرّ بها الدهر، وعكس تجولها الحر مرة وانحساره مرات أخرى صور حياة الفلسطينيين وما شهدته من استعصاءات كبرى. هنا، بالذات، تمنحنا القصص شعورًا عميقًا بأن كل شيء في قطاع غزة قديم، مهمل، ولا يبشر الزائر سوى بغياب المكان وأهله عن العالم، ليس بمعنى غياب أدوات المدنية والحداثة، بل رغم وجودها وبكثرة، ورغم العمران الفاره والفاخر، والذي فاجأ كثيرين تابعوا وقائع حرب الإبادة الأخيرة. في قصص المجموعة تخيلت كثيرًا بشر تلك البلاد المحاصرة وكأنهم يعيشون في كهف تحت الأرض، حتى أنني وجدت عنوان المجموعة "غزة أندرغراوند" عنوانًا ينسجم تمامًا مع التوصيف الموضوعي للحياة هناك.
قصص مختلفة، وفيها الكثير من رهافة السرد الحي والمغمس بحيوية انتقاء الجزئيات الصغيرة والتفاصيل التي تبدو عادة عابرة وقليلة الأهمية، وهي عندي مقاربات بارعة لفكرة التجول بحرية كاملة ولياقة تناسب فكرة الغوص العميق في حكايات ومواقف وأحداث كبرى أخذت مكانها في الواقع، ولكنها أخذت أماكنها الأعمق والأشد رسوخًا ووطأة في نفوس ضحاياها، الذين نراهم في أحوالهم كلها بسطاء يمثلون تلك العوالم المغفلة والتي تنتمي لها الجموع الكبرى من البشر العاديين، والذين هم مادة القصص وصانعوها وضحاياها الذين تبادلهم الأدوار ويبادلونها.


تحميل المقال التالي...