}
صدر حديثا

"مدينة تتمدد على ظهري": مختارات شعرية بالإسبانية لدارين حوماني

3 مارس 2026

 

صدر حديثًا عن دار نشر "لاستورا" (Lastura Ediciones) في إسبانيا كتاب مختارات شعرية للشاعرة الزميلة دارين حوماني بعنوان "مدينة تتمدد على ظهري" (Ciudad que se extiende sobre mi espalda) في 150 صفحة. أنجز الترجمة الشاعر والمترجم عبد الهادي سعدون.

وتضمّن الكتاب تقديمًا للكاتبة الإسبانية سيسيليا ألفاريز (Cecilia Álvarez).

هنا مقتطفات من تقديم ألفاريز:

قد يظن المرء أنه في خضمّ الأزمنة العصيبة التي يعيشها المجتمع المعاصر، قد تُزاح الشعرية جانبًا لصالح وسائل تعبير أخرى، حيث لا تجد المشاعر، الموجَّهة بحاجةٍ غنائية، مكانًا لها في المجال اليومي الذي تحتل فيه وسائل الإعلام موقعًا مهيمنًا. غير أنه من اللافت للغاية أنه، في قلب عالمٍ يهيمن عليه الفوضى والاضطراب الاجتماعي والسياسي، ينهض الشعر - كما فعل مراتٍ عديدة عبر تاريخ الأدب - قوةً خلاصية تدفع إلى النضال بالكلمة، وتتيح للشعراء أن يتحولوا إلى أصواتٍ تصرخ بين الأبيات، وتعبّر عمّا لا تستطيع أي وسيلة أخرى التعبير عنه: أن تترك للقلب أن يتكلم، وأن تحوّل إلى شهادةٍ واحتجاجٍ ما يختبئ وراء صراعٍ حربيٍّ وعدم استقرارٍ اجتماعي.
وهكذا يصبح الشاعر صوت "نحن"، صوت جميع أولئك الذين يتماهون مع إحساس من يجعل من الألم في الشعر صرخةً تحفظ الذاكرة.

هكذا نفهم التجربة الشعرية لدارين حوماني، الكاتبة والصحافية اللبنانية المولودة عام 1977، والمقيمة حاليًا في كندا، في الديوان الذي بين أيدينا، "إنها مدينة تمتدّ على ظهري"، وهو كتاب ممتاز ومكثّف يقودنا، عبر قصائده، في المسالك المؤلمة لكاتبته، وفي بحثها الدؤوب عن توازنٍ عاطفيّ وحياتيّ يعرّفها ويجيب عن تساؤلاتها الكثيرة.

تظهر الكاتبة في معظم قصائدها ككائنٍ هشّ يسعى إلى شقّ طريقه بين واقعه، والوضع الاجتماعي الذي هو عالقٌ فيه، وبين البحث عن استقرارٍ ضروري يمنحها العزاء، حتى وإن كان بعيدًا عن محيطها: "أحتاج إلى انعطافةٍ حادّة/ تأتي من أيّ ركنٍ من أركان العالم"، تقول دارين حوماني. وليس من قبيل المصادفة أن تشعر بهذه الحاجة من داخل "مدينة تمتدّ على ظهري"، كما يشير العنوان، الذي نلمس فيه دلالاتٍ عميقة. فالظهر قد يكون المكان الذي تستعيد فيه المدينة ذاتها وتتمتّع بفضاءٍ مفتوحٍ وحرّ، لكنه قد يُفهم أيضًا بوصفه ذلك الجزء من الجسد الذي نحمل عليه أثقل أعبائنا، ما يرهقنا ويثقلنا، وربما ما نتحمّله بمشقّةٍ وتعبٍ في خضمّ الحياة.

ومن بين هذا الثقل العاطفي الذي يلاحقها، تحضر الحرب بكل امتداداتها، لا بوصفها ظاهرةً عسكرية فحسب، بل كجزءٍ من سياقٍ يطبع الأيام بالألم والعجز. فالحرب، وإن كانت الكاتبة تصرّح في إحدى قصائدها بأنها لا تحب الكتابة عنها، تنبض في أبيات دارين حوماني، مثقلةً بمشاعر القلق وبالمراقبة القسرية للخراب الذي تخلّفه، أمام نظرةٍ مذهولةٍ وممزّقة للراصد، في أبياتٍ مثل: "طفلةٌ عالقٌ رأسها في جدار البيت المدمَّر".

تمرّ غزة في القصائد بوصفها "صورةً فوتوغرافيةً للأنقاض"، أمّا بيروت، ففي القصيدة التي تحمل اسمها، تصفها الكاتبة قائلة: "بيروت، مدينةٌ تفوح منها رائحة جنازة،/ حيث يتقدّم الموت/ بلا ارتجاف قلبٍ بشري".

وتُرى الحرب، ذلك الصدام الإنساني الذي يقود إلى الدمار، بوصفها الحياة التي تنطفئ، والأمل الذي يتلاشى، والألم الذي ينبت في عيون المنهكين الذين ينجون من الرعب، وفي عيون أولئك الذين يغمضونها إلى الأبد حين يجبرهم اللهيب والرصاص على الاستسلام للموت. وأمام هذه الرؤية القاتمة، تميل الكاتبة إلى كتابة أبياتٍ مثبطة مثل: "جوهر الوجود شجرةٌ جوفاء".

وفي خضمّ المتاهة العاطفية التي تنبثق من هذا الديوان، نلمس صراعًا للعثور على سبب كلّ هذا الشقاق الاجتماعي وكلّ هذا الاقتتال الحربي. ومن هنا تبرز الصورة الإلهية التي تضعها الكاتبة، تحت مسمّيات "الله" أو "الربّ" أو "الخالق"، في صميم تساؤلاتها وشكوكها وعتابها إزاء سياقٍ يكتنفه القلق والاضطراب ويغمرها بعدم الطمأنينة.

تخوض الشاعرة نوعًا من المواجهة المباشرة مع ذلك الكيان الإلهي الذي تعجز عن فهمه، فتعاتبه بل وتدفع بإيمانها إلى حافة التحدّي. ففي قصيدتها "الكوكب من نافذتي"، لا تتردّد دارين حوماني في القول: "الربّ، وقد سئم كلّ شيء، خلق العالم/ ويقرّر أن يدمّره متى شاء"، لتتابع بسؤالٍ مقلق، بعيد كلّ البعد عن البلاغة الخطابية، تعبّر عنه بقناعةٍ باردة: "أتشعر بالمتعة، يا ربّ،/ وأنت تتأمّل المعاناة؟". هذه الأبيات، المولودة من صراعٍ عاطفيّ محتدم، تمثّل استغاثة تعبّر عن "كيف يتركنا الله في الألم".

وإلى جانب هذا التعبير عن الحيرة والبحث عن السلام الداخلي، تمضي دارين حوماني، عبر قصائدها، في جردٍ مؤلم لعواقب الحرب الفادحة، فتبرز، بكلّ ما يحيط بها من درامية، الحضور الحزين للأطفال، وتشير شخصيًا إلى زمنٍ "كنّا فيه أطفالًا نستلقي بين قنبلةٍ وأخرى" في قصيدتها "عزيزتي بيروت"، بدون أن تغفل أطفال فلسطين، الذين تقول عنهم إنهم "حين يلعبون، يتظاهرون بجنازة أحدهم".

كلّ قصيدة في هذا الكتاب تُغرقنا في مناخٍ من الترقّب وانعدام الأمان. في كلّ بيتٍ مطرقةٌ تضرب الضمائر، فنفهم أكثر معنى النضال من أجل الحرية وحقّ التمتّع بها. ولعلّ لذلك تصرخ دارين حوماني ببيتٍ حاسمٍ يختلط فيه اليأس بالمرارة: "كلّ شيء يدفعني إلى الخارج لأبحث عن وطنٍ آخر". وللأسف، فقد صار هذا واقعًا جماعيًا في الآونة الأخيرة، ولا يسعنا إلا أن نتأثّر ببيتٍ من قصيدتها "الحياة" يجسّد إحساس كلّ من غادروا أوطانهم بحثًا عن أرضٍ تحتضنهم. والبيت الذي يختزل هذه الحال ويجسّد قلقها هو: "نحن عابرون فوق المحيطات"، بيتٌ بليغٌ ببساطةٍ آسرة.

في "مدينة تمتدّ على ظهري" طيفٌ واسعٌ من المشاعر يتجاوز حدود الشعر. في صفحاته، تفتح دارين حوماني أبواب روحها وتمنحنا رؤيةً صافيةً وكاملةً لذاتها. وإلى جانب شهادتها كامرأةٍ عاشت بين الصراع والاقتلاع الاجتماعي، تكشف الشاعرة في هذه القصائد عن جانبها الأكثر حميميةً وشخصية. ومن دون أن تغادر منظورها تجاه محيطها، نكتشف شاعرةً تتوقّف عند داخلها، وتظهر بأصالة الإنسان، كأنّ الاستعارات تتلاشى ولا يبقى سوى الحقيقة التي تسندها.

الحزن والوحدة يتجلّيان في أبياتها كنداء استغاثةٍ موجّه إلى قرّائها: "لستُ بخير" عنوان إحدى قصائدها، ونلمس صدقه في قولها: "يكاد الحزن يتحوّل إلى كائنٍ في داخلي…"، لتتابع في قصيدتها "حجارة في القلب" بإشارةٍ مؤثّرة إلى الوحدة: "تجدل الوحدة زمنها في رأسي". غير أنّ البيتين اللذين يختزلان حالتها النفسية ويكثّفان تشاؤمًا ملموسًا، ويشكّلان خلاصة إحساسها الموجوع وملخّصًا نهائيًا لحياتها، هما: "أنا ممتلئةٌ بما فقدتُه خلال الطريق".

تعترف الكاتبة بضعفها، وكطائر الفينيق تنهض من رمادها لتستعيد ذاتها وتؤكّد حضورها. تمسك بزمام حالتها النفسية المرهقة، وتكتب قصيدة "حبٌّ عاصف" كاستراحةٍ في مسار الكتاب، لتمنح الحبّ والشغف مكانتهما، وكأنهما فجأةً يصبحان خلاصًا من حزنٍ طويل، ومن قلقٍ يتغذّى على عدم اليقين وعلى البحث عن "الأنا". في هذه القصيدة تميل دارين حوماني إلى استعادة وهج الأمل، إلى رجاءٍ يستند إلى لقاء الحبّ من جديد: "أعطني قليلًا من يديك لأحلم".

حقًا، نحن أمام كتابٍ يفيض صدقًا وواقعية، اجتماعيةً كانت أم شخصية. وتؤكّد الشاعرة فيه أن "كتبي/ لا تخصّني وحدي،/ بل تخصّ نساء شرقنا، أرضنا/ تحت العباءة الداكنة للدين". هكذا هي دارين حوماني، بأبياتها وإحساسها وطريقتها في تقاسم جزءٍ من ذاتها لا يعرفه سوى الشعر. المرأة، الشاعرة، الإنسانة… جميعها تتضافر لتشكّل عظمة هذا الكتاب، ونحتفي بأن تتاح لنا فرصة الولوج إليه بدهشةٍ وامتنان.

قد يكون قولها "ملاحقة الحرية مُرهِقة" صحيحًا، لكننا نؤمن بأن المحاولة تستحق العناء، ما دام شعراء مثل دارين حوماني يحوّلون تلك المحاولة إلى شعرٍ جميل.

***

يُذكر أنه صدرت للشاعرة والكاتبة دارين حوماني سبع مجموعات شعرية بين العامين 2008 و2022، كما صدر لها كتاب حوارات مع الشاعر والمترجم إسكندر حبش في عام 2023. وقد تُرجم عدد من نصوصها الشعرية إلى اللغات الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية والفارسية ضمن أنطولوجيات شعرية ومجلات أدبية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.