}
عروض

لبنان على أصابع الموسيقى: مواسم الثمر والأسئلة

طلعت قديح

4 مارس 2026


ليس غريبًا أن يُنقَد كتاب في الشعر أو الرواية وسائر فنون الكتابة، غير أن النقد الموسيقي ما يزال نادرًا في فضائنا الثقافي، حيث يلتقي الخيال الصوتي بالنوتة فتفيض معرفةً وتفسيرًا للقارئ العربي. ومن هنا يكتسب كتاب "الموسيقى في لبنان بين العام 2000 والعام 2020" للشاعرة والباحثة هالة نهرا (دار فواصل للنشر، بيروت، 2023)، أهميته بوصفه مساهمةً نوعية في إضاءة المشهد الموسيقي اللبناني خلال عقدين حافلين بالتحوّلات.

كان من المأمول أن يغطي  البحث التأصيلي الموسيقى اللبنانية لعقدين؛ ليس لإبراز أسماء بعينها، بل لتقديم مادة تعريفية غنية، تفسّر تأثير الموسيقى في اللحن والصوت.

يبدأ الكتاب باسم مرسيل خليفة، الذي جمع بين اللحية والعود في وقت كانت اللحية دليلًا على التديّن، وأصبحت أغانيه مثل "إني اخترتك يا وطني" و"وقفوني على الحدود"، أيقونات للوجع العربي، تجربة مرسيل خليفة تكشف فهمه العميق للوعي الموسيقي؛ فهو في معزوفة "الكونشرتو العربي" يتحدث عن فكر وطريقة وليس مجرد توطئة، فيقول: "إن في الجزء الثاني والثالث نصا مرسلا موسيقيا يتسع لمقام (فر حفزا) ويشطط حين يتوسط مقام الحجاز ويرسل حنينه لمقام الراست، ويفرج عما فيه من زينة في مقام "راحة الأرواح"، هو الوردة تتمطّى في مقام العجم ونداء في مقام "النكريز"، ونقاء في مقام "الهُزام"، إلى تدفق السيل على صهوة نوتات "الكروماتيك" تعقله وتمنحه خاتمة آمنة في الجزء الرابع...".

هذا التأصيل المرافق للحديث يظهر الفرق بين الموسيقار والملحن الموسيقي والمؤلف الموسيقي، وهذه السياقات قد تبدو للعوام بلا فرق أو تفرقة بينهما، إلا أن العارف بعلوم الموسيقى يعلم أن الفرق شاسع وبائن من الناحية التقنية والفنية والمعلوماتية.

وضمن الكتاب يُلقى ضوء آخر على تجربة مرسيل خليفة في "جدارية" محمود درويش، مجيبًا عن سؤال لمن يكتب ويؤلف الموسيقى! فإذا به يقول: "لعصفور يغرقني ويغطسني في هدهدته وهديله.. للأمهات اللاتي أشعلن لي ولنا شموع الدرب، للحب الذي يرث فيوض التسامح البهي...".

قسّمت الناقدة هالة نهرا كتابها إلى أربعة أقسام.
في القسم الأول، اقتصرت على ذكر أسماء كمرسيل خليفة وفيروز وزياد الرحباني وعبد المصري وأميمة الخليل وهبة القواس وجاهدة وهبي وغيرهم.

في الأقسام الأخرى، كان لنهرا توطئة معنونة لكل مجموعة؛ "تقاطيع وخصائص تراثية بين 2000 وبين 2020" ثم "تجارب فنية متنوعة قيّمة ومؤثرة" و"الأوركسترات والكورالات".

في مبتدأ الجزء الثاني من الكتاب، عنوان لافت "العملاق المبدع جدًا وديع الصافي"، وهنا لا بد أن نستقطع بعضًا مما كتبته الناقدة هالة نهرا عن عمل الصافي خلف ستار الصوت البائن للمستمع، فتقول: "وديع الصافي يعد تراثيًا لأنه جمع التراث في خلاصة طبيعية في جملة موسيقية واحدة أو في جمل متداخلة ومتسلسلة بانسياب، لا ترتكز شرطًا على النقل والتقيد الحرفي بالقوالب وفي الأداء بما سبقه، بل تحوي روح التراث في إطار إبداعي مشرّع على الارتجال وهي مضمخة بخصائص التراث وعناصره".

في تجربة التراثيات، يبرز في الكتاب اسم الدكتور هياف ياسين الذي أشارت له الناقدة هالة نهرا بالدكتور والفنان القدير المبدع؛ ربما يسأل قارئ: أين هذا الاسم من الأسماء الجماهيرية المعروفة؟ 

نذهب من خلال هذا العرض إلى أن التأليف الموسيقى الحقيقي ليس تأليفًا لمجرد إنجاز أو إتمام منجز ليكون ضمن قوالب للتعداد الرقمي، بل هو إضافة نوعية ستدخل في التعداد الرقمي للمنجز، وتُمهد الأرضية المطلوبة للسعي لإمداد المشروع الموسيقي بلبنان بروافد تسهم في علو الكعب وسط المشاريع الموسيقية الأخرى، ليس وفق انتشار جماهيري شعبي بل وانتشار جماهيري مثقف، يعي ما يسمع ويعلم مدى الإبداع فيه. الملاحظ في هذا الجزء هو اقتصاره على اسمين فقط ضمن التقاطيع والخصائص التراثية، أكان ذلك تصديرًا للتجارب الأكثر تأثيرًا في تاريخ الموسيقى خلال الـ20 عامًا المذكورة آنفًا، أم أن التجارب الأخرى لا ترقى إلا مسمى "تجربة" بمعنى أنه اختُزل في عملين أو عمل واحد.

بدأ الجزء ما قبل الأخير، المعنون بـ "تجارب فنية متنوعة قيمة مؤثرة"، بالتفاتة خاطفة للفنان القدير منير الخولي والروك العربي، ولا ندري لِم لم يخرج تبيان أثره من الكاتبة هالة نهرا عن الـ10 أسطر حول منير الخولي! 

في خضم عرض تجارب الفنانين خلال عملهم الموسيقي، ذكرت هالة نهرا كلًّا من مروان خوري وملحم بركات، وقد اختارت أشهر أنموذج غنائي موسيقي لمروان في "كل القصايد" فكان اختصارًا موفقًا، لكنها في الوقت نفسه اختارت لبركات أغنية "اعتزلت الغرام" التي غنتها المطربة اللبنانية ماجدة الرومي، فهل كانت هذه الأغنية قمة الإبداع في مسيرة المطرب والموسيقي ملحم بركات الذي تجاوز إنتاجه الغنائي الموسيقي حاجز الـ3000 لحن! 

كانت خاتمة الأجزاء في كتاب الموسيقى في لبنان عرضًا للأوركسترات والكورالات العاملة، وفي الحديث عن  "الأوركسترا الفلهارمونية اللبنانية" يتبادر للذهن خطورة جملة يمكن الوقوف عليها في هذا التعريف بالأوركسترا الفلهارمونية هي قولها: "أهمية الفلهارمونية أنها جزء من معالم وروح الثقافة النادرة في لبنان وبيروت، علمًا بأن هناك تدميرًا ممنهجًا، لاحظه بعلبكي "قائد الأوركسترا"، للمؤسسات والحياة الثقافية في لبنان". وهنا يبرز سؤال كبير من خلال هذا الطرح، هل تختلف بيروت عن لبنان! وطالما أن الأوركسترا تابعة للدولة، فكيف يكون هناك تدمير ممنهج! ممن وما هي الجهة المستفيدة من ذلك! من يريد ذلك والفلهارمونية تعتبر من أولى الأوركسترات بعد مصر!

وفي سؤال عن الفرق بين الأوركسترا الفلهارمونية والأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق - عربية؛ يجيب المايسترو أندريه الحاج: "إن الأوركسترا الشرق عربية لديها رسالة، أما الفلهارمونية فلديها دور، وهذا هو الفارق بينهما"، والرسالة التي يذكرها هي انطلاقًا من الهوية الموسيقية والغنائية اللبنانية واستنادًا لها. الجمهور أحب الأوركسترا الشرق - عربية وقدّرها وشعر بقربها منه. وليد غلمية، كما يقول أندريه، فتح نافذة، أما هو ففتح بابًا كبيرًا لكل التوزيعات والتأليف.

وبالانتقال إلى مجال الكورال أفردت الكاتبة الحديث لـ 3 كورالات مشهورة في لبنان "الكورال المدرسي في مؤسسات الإمام الصدر"، "كورال الفيحاء"، و"كورال فيلوكاليّا". 

وللحديث عن الكورال المدرسي؛ ينبغي أن نعرف أن نواته كانت من طلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، مما أسهم في الإسناد الجسدي لهم من خلال تحكم العضلات في الحركة، علاوة على التصدير الإيجابي في تفاعلهم مع المجتمع ورفع الروح المعنوية لهم. ربما أخذ الاسم منحى طائفيًا لمن لم يعرف نشاط الكورال في لبنان، لكن الأمر لم يكن كذلك، فقد فتح الباب للتعاون مع مجالات موسيقية أخرى كالتعاون مع الأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق - عربية، وقائدها أندريه الحاج، وهذا يعكس احترافية الكورال، حيث تصف مدربة الكورال الأستاذة ديانا فرقتها بأن "الكورال وطني، ويسعى إلى أن يكون كورالًا عالميًا يخوض مسابقات عالمية".

وكان لطرابلس الفيحاء مكان في عالم الموسيقى اللبنانية، فقد أسّس "كورال الفيحاء" بدعم مهم من بلدية طرابلس وغيرها، بالإضافة لمؤسسة الحريري والمؤسسات اللبنانية.

 أوجد الكورال له مكانًا مميزًا في مجاله حيث كان الغناء العربي بطريقة الأكابيلا، وحصد المراكز الأولى في جوائز عالمية كـ"مهرجان كورال دبي" (2015)، "مهرجان الموسيقى والبحر" في اليونان (2016)، و"جائزة الحقوق الموسيقية" من المجلس العالمي للموسيقى (2016).

أما كورال "فيلوكاليّا" فكان تعريفًا بمساهمة الحالة المارونية والمدرسة الدينية الكلاسيكية في المشهد الموسيقي اللبناني، من خلال المشاركة المحلية والعالمية ضمن الباقة الموسيقية اللبنانية المتصدرة للكورال اللبناني، ليكون هذا الكورال إكمالا للمثلث المجتمعي اللبناني.

في خاتمة الكتاب طرحت هالة نهرا عدة إشكاليات تواجه معضلة الموسيقى في لبنان وتحدياتها، منها الصراع بين التقليد والتجديد، وكذلك ما بين النتاجات الجيدة المتمثلة في القيمة الحقيقية للموسيقى وبين النتاجات التجارية الهابطة، إضافة إلى صراع الهوية والحفاظ على الأصالة من جهة ومن جهة أخرى التحديث الحاصل لفضاء الفن الإبداعي.

يعد هذا العمل كتابًا توثيقيًا مختصرًا لمشروع أكبر، ويمكن من خلال الجهد المبذول بناء التحديث بشكل واسع ومختص ومتنوع.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.